فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 1465

وبالسند قال:

373 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) الأيلي، ويونس جده نسب إليه لشهرته به، وأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزهري، ولابن عساكر: .

(عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة، كساء أسود مربع، ولا تكون خميصة إلا إذا كانت سودة ولها أعلام وإلا فهي أنبجانية (لَهَا أَعْلاَمٌ) صفة كاشفة (فَنَظَرَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً) أي: واحدة في الصلاة بدليل قوله: (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: سلم من صلاته.

(قَالَ) لمن حضر من أصحابه (اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ) بفتح الجيم وسكون الهاء، عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني، وهو الذي قال النبي في حقه: (( أنه لا يضع العصا عن عاتقه ) )أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش وعالمًا بالنسب، وشهد بنيان الكعبة مرتين بناء على أنه تأخرت وفاته حتى بنى ابن الزبير الكعبة، وأنه توفي في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه، وهو غير أبي جهيم المصغر المذكور في المرور.

(وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ)

ج 2 ص 143

كأن مقتضى الظاهر الإضمار، ولعله وضع الظاهر موضع الضمير؛ لاشتهارها بهذا اللفظ، والأَنْبِجانية _ بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسبة _ كساء غليظ لا علم له.

وقال ثعلب: يجوز فتح همزته وكسرها، وكذا الموحدة.

قال العيني: وفي (( المغيث ) ): المحفوظ: كسر باء الأنبجانيِة.

وقال ابن الحصار في (( تقريب المدارك ) ): من زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وهم.

قلت: مَنْبِج _ بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة، وفي آخره جيم _ بلدة من كور قنسرين بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام، وسماها منبه وبنى بها بيت نار ووكل بها رجلًا فعربت فقيل: منبج، والنسبة إليها منبجي على الأصل، ومنبجاني على غير القياس، والباء تفتح في النسبة، كما يقال في النسبة إلى صدف: صدفي بفتحها.

وعن هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى مَنبِج _ بفتح الميم وكسر الباء _، ويقال: نسبة إلى موضع يقال له: أنبجان.

وفي هذا قال ثعلب: يقال: كساء أنبجاني، وهذا هو الأقرب في لفظ الحديث، وأما تفسيرها؛ فقال عبد الملك بن حبيب في (( شرح الموطأ ) ): هو كساء غليظ لا علم له يشبه الشملة يكون سداه قطنًا غليظًا، أو كتانًا غليظًا، ولحمته صوف ليس بالمبرم في فتله.

وقيل: هو كساء غليظ لا علم له فإذا كان له علم فهو خميصة، وإن لم يكن له علم فهو أنبجانية. انتهى ملخصًا.

وإنما خص صلى الله عليه وسلم أبا جهم بإرسال الخميصة؛ لأنه كان أهداها له كما رواه مالك في (( الموطأ ) )من طريق أخرى عن عائشة رضي الله عنها قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة لها علم فشهد فيها الصلاة فلما انصرف قال: (( ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم ) )وإنما طلب منه ثوبًا غيرها؛ ليعلمه أنه لم يرد هديته استخفافًا بها، وإنما ردها لما ذكره بقوله:

(فَإِنَّهَا) أي: الخميصة لا الأنبجانية كما في القسطلاني، فإنه سبق قلم (أَلْهَتْنِي) من ألهى الذي ثلاثيه: لهى يلهي من باب علم يعلم، يقال: لهى عن الشيء: إذا غفل عنه ونسيه لهيًا ولهيانًا، وأما لهى يلهو من باب نصر فمعناه لعب يلعب، ومصدره اللهو كما في (( القاموس ) )وهو غير مراد هنا.

(آنِفًا) أي: قريبًا واشتقاقه من الائتناف بالشيء؛ أي: الابتداء به، وكذلك الاستئناف وانتصابه على الظرفية، يقال: قلت الشيء آنفًا؛ أي: في أول وقت يقرب مني، قاله ابن الأثير.

(عَنْ صَلاَتِي) أي: عن كمال الحضور فيها وتدبر أذكارها والاستقصاء في التوجه إلى الجبروت، قاله الكرماني. وفي (( الفتح ) ): كذا قيل، والطريق الآتية المعلقة تدل على أنه لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خشي أن يقع لقوله فأخاف، وكذا في رواية مالك فكاد، فلمؤول الرواية الأولى. انتهى.

أي: تؤول ألهتني بكادت تلهيني.

وفي القسطلاني: وعند مالك في (( الموطأ ) ): فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني.

وفي التعليق الآتي: فأخاف أن يفتنني، فيحمل قوله: ألهتني على قوله: كاد، فيكون الإطلاق للمبالغة في القرب لا لتحقق وقوع الإلهاء.

ولا يقال: إن المعنى شغلتني عن كمال الحضور في صلاتي؛ لأن التعليق الآتي يدل على نفي وقوع ذلك.

وقد يقال: أن له عليه الصلاة والسلام حالتين حالة بشرية وحالة يختص بها خارجة عن ذلك، فبالنظر إلى حالة البشرية قال: ألهتني، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به، بل قال: أخاف، ولا يلزم من ذلك الوقوع ونزع الخميصة ليستن به في ترك كل شاغل. انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم، فلا يلزم منه أن يستعملها في الصلاة، ومثله قوله: في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر: (( إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ) ).

ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله: (( كل فإني أناجي من لا تناجي ) )أي: فلا يكره في حق أبي جهم.

وقال العيني: على أنه قيل: أنه كان أعمى فالإلهاء مفقود عنده، ولعله علم صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلي فيها، ويحتمل أن يكون خاصًا بالشارع كما قال: (( كل فإني أناجي من لا تناجي ) ). انتهى.

(وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) مما وصله مسلم وأحمد وأبو داود وابن أبي شيبة، لكن لا بلفظ المعلق هنا بل بمعناه.

(قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا) أي: الخميصة، وهذا يشعر بأنه تكرر منه النظر إلى علمها، وما تقدم يفيد أنها واحدة، فإما أن تكون القضية تعددت، وإما أن يكون الأول بحسب ما ظنته عائشة، وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما اتفق له.

وقوله: (وَأَنَا فِي الصَّلاَةِ) جملة حالية (فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي) بفتح المثناة الفوقية الأولى وكسر الثانية وبنونين من غير إدغام في رواية الأكثر.

وقال في (( الفتح ) ): في روايتنا بكسر المثناة؛ أي: الثانية وتشديد النون. انتهى.

والضمير على هاتين الروايتين راجع إلى الخميصة.

وقال القسطلاني: وفي رواية: (( يَفتنني ) )بفتح المثناة التحتية بدل الفوقية والضمير على هذه الرواية راجع إلى علم الخميصة.

ج 2 ص 144

وقال في (( الفتح ) )بعد أن ذكر وصل هذا التعليق عن مسلم وأبي داود وأحمد وابن أبي شيبة ما نصه: ولم أر في شيء من طرقهم هذا اللفظ.

نعم: اللفظ الذي ذكرناه عن (( الموطأ ) )قريب من هذا اللفظ المعلق، ولفظه: (( فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني ) ). انتهى.

وفي الحديث كما ذكره النووي من الفوائد:

الحث على حضور القلب في الصلاة، ومنع البصر من الامتداد إلى ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش ونحوها، وكراهة نقش محراب المسجد وحائطه القبلي وغير ذلك من المشغلات، وفيه قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليهم والطلب منهم.

قال في (( الفتح ) ): واستدل به الباجي على صحة المعاطاة لعدم ذكر الصيغة.

وقال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية فضلًا عن من دونها. انتهى.

وفيه تنبيه لأمته أن يحترزوا عن مثل ذلك في صلاتهم تحصيلًا للخشوع الذي مدح الله تعالى أهله بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 - 2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت