وبالسند قال:
391 - (حَدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبّاسٍ) بفتح العين فيهما، وتشديد الموحدة في الثاني، الأهوازي البصري، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنا ابنُ المَهْدِي) بفتح الميم وكسر الدال، ابن حسان البصري اللؤلؤي، وللأصيلي وابن عساكر: (قَالَ: حَدّثَنا مَنْصُورٌ بنُ سَعْدٍ) بفتح السين وسكون العين المهملتين البصري.
(عَنْ مَيْمُونِ بنُ سِياهٍ) بكسر المهملة، وتخفيف المثناة التحتية وبعد الألف هاء، فارسي، ومعناه بالعربية: الأسود.
قال العيني: ويجوز فيه الصرف ومنعه، أما منعه فللعلمية والعجمة، وأما صرفه فلعدم شرط المنع، وهو أن يكون علمًا في العجم فلذلك يكون صرفه أولى. انتهى.
وأقول: لا يخفى ما في كلامه من التهافت إذ بعد اعترافه بعدم وجود منع الصرف، وهو كونه علمًا في اللغة العجمية كيف يجوز منع صرفه، وكيف يوجد المشروط بدون الشرط وليس لكلامه وجه صحة، اللهم إلا أن يبني على ما ذكره الرضى من أن الشرط في امتناع العلم الأعجمي من الصرف أن تستعمله العرب في أول نقله علمًا، وإن لم يكن علمًا في اللغة الأعجمية فربما يقال أن سياه كذلك، لكن يشكل عليه تجويزه فيه الصرف فإنه على هذا التقدير يتحتم منعه، فتأمل.
(عَن أَنَسٍ بنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا) أي: صلاة مثل صلاتنا المتضمنة للإقرار بالشهادتين وما يترتب عليها من جميع ما جاء عن الله تعالى بواسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فصلاتنا مفعول مطلق مبين للنوع.
وقال العيني: منصوب بنزع الخافض، وفيه نظر.
(وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) المختصة بنا وهي الكعبة، وإنما أفرد ذكر استقبال القبلة تعظيمًا لشأنها، وإلا فهو داخل في الصلاة لكونها من شروطها أو عطفه على الصلاة لأن اليهود لما تحولت القبلة شنعوا بقولهم ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهم الذين يتمنعون من أكل ذبيحتنا؛ أي: صلى صلاتنا، وترك المنازعة في أمر القبلة فهو من باب عطف الخاص على العام.
وقال العيني: إنما ذكر استقبال القبلة والصلاة متضمنة له مشروطة به؛ لأن القبلة أعرف من الصلاة فإن كل واحد يعرف قبلته، وإن كان لا يعرف صلاته، ولأن من أعمال صلاتنا ما يوجد في صلاة غيرنا كالقيام والقراءة واستقبال قبلتنا مخصوص بنا ثم لما ذكر من العبادات ما يميز المسلم من غيره عبادة، أعقبه بذكر ما يميزه عبادة وعادة فقال:
(وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا) مذبوحنا، وألحقه التاء، وإن كان فعيل الذي بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، لغلبة الاسمية عليه أو لأن استواء الأمرين فيه إنما هو عند ذكر الموصوف.
(فَذَلِكَ) مبتدأ خبره (الْمُسْلِمُ، الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم، والذمة الأمان والعهد، ومعناه في أمان الله وضمانه، ويجوز أن يراد بها الذمام، وهو الحرمة، ويقال: الذمة الحرمة، وقال ابن عرفة: الذمة الضمان، وبه سمي أهل الذمة لدخولهم في ضمان المسلمين، وقوله تعالى: {إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة:8] ؛ أي: ولا أمانًا.
(فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ) بضم المثناة الفوقية وإسكان المعجمة وكسر الفاء؛ أي: لا تخونوا الله (فِي ذِمَّتِهِ) أي: في تضييع حق من هذا سبيله يقال: خفرت الرجل إذا حميته، وأخفرته إذا نقضت عهده، وغدرت به ولم تف بما ضمنت له من حفظه، والهمزة فيه للسلب؛ أي: أزلت خفارته كالمسكين إذا أزلت شكواه.
قال الكرماني: واكتفى في النهي بذمة الله وحده، ولم يذكر الرسول كما ذكره أولًا لأنه ذكر الأصل لحصول المقصود به، ولاستلزامه عدم إخفار ذمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما ما ذكره أولًا فللتأكيد وتحقيق عصمته مطلقًا، والضمير في ذمته يرجع إلى المسلم أو إلى الله كذا في العيني.
وقال في (( الفتح ) )وقد أخذ بمفهومه من ذهب إلى قتل تارك الصلاة، وله موضع غير هذا. انتهى.
وفي الحديث من الفوائد: تعظيم شأن القبلة، وذكر الاستقبال بعد الصلاة للتنويه به وإلا فهو داخل في الصلاة لكونه من شروطها.
وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك.
وفيه أن استقبال القبلة شرط للصلاة مطلقًا إلا في حالة الخوف، ثم من كان بمكة شرفها الله تعالى، فالفرض في حقه إصابة عينها سواء كان بين المصلي وبين الكعبة حائل كجدار أو لم يكن حتى لو اجتهد وصلى فبان خطأه، فقال الرازي: يعيد، ونقل ابن رستم، عن محمد بن الحسن: لا يعيد إذا بان خطأه بمكة أو بالمدينة قال: وهو الأقيس لأنه أتى بما في وسعه.
وذكر أبو البقاء: أن جبريل عليه السلام وضع محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسامت الكعبة، وقيل: كان ذلك بالمعاينة بأن كشف الحال، وأزيلت الحوائل، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فوضع قبلة مسجده عليها، وأما من كان غائبًا عن الكعبة ففرضه جهة الكعبة لا عينها، وهو قول الكرخي وأبي بكر الرازي وعامة مشايخ الحنفية.
وقال أبو عبد الله الجرجاني شيخ أبي الحسين القدوري: الفرض إصابة عينها في حق الحاضر والغائب، وهو مذهب الشافعي.
قال النووي: الصحيح عن الشافعي فرض المجتهد مطلوبية عينها، وفي تعلم أدلة القبلة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه فرض كفاية، الثاني: فرض عين، ولا يصح، الثالث: فرض كفاية إلا أن يريد سفرًا.
وقال البيهقي في (( المعرفة ) )والذي روي مرفوعًا: (( الكعبة قبلة من يصلي في المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبلة أهل مكة ممن يصلي في بيته أو في البطحاء، ومكة قبلة أهل الحرم،
ج 2 ص 168
والحرم قبلة لأهل الآفاق )) فهو حديث ضعيف لا يحتج به.
وفيه أن من جملة الشواهد لحال المسلم أكل ذبيحة المسلمين، وذلك أن طوائف من الكتابيين والوثنيين يتحرجون من أكل ذبائح المسلمين، والوثني الذي يعبد الصنم. قاله العيني.
وأقول: المعتمد عند الحنفية أن إصابة عين الكعبة ليس بشرط في حق غير المعاين.
قال في (( التنوير ) )فللمكي إصابة عينها، قال العلائي في (( شرحه ) )يعم المعاين وغيره لكن في (( البحر ) )أنه ضعيف، والأصح أن من بينه وبينها حائل كالغائب، وأقره المصنف قائلًا: فالمراد بقولي: فللمكي مكي يعاين الكعبة. انتهى.
وبالسند قال:
392 - (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذر والوقت: بالواو (نُعَيْمٌ) هو: ابن حماد المروزي الخزاعي الرفَّاء بتشديد الفاء والمد الأعور، ذو التصانيف كان من أعلم الناس بالفرائض، سكن مصر ولم يزل بها حتى شخص في خلافة إسحاق بن هارون، وسئل عن القرآن فأبى أن يجيب بشيء مما أرادوه عليه، فحبس شهرًا حتى مات سنة ثمان وعشرين ومائتين.
(حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبد الله الإمام المشهور، ولأبوي ذر والوقت: وفي رواية حماد بن شاكر عن المؤلف قال: (( نعيم بن حماد ) )وللأصيلي وكريمة: ولابن عساكر: وعلى الروايتين الأخيرتين فقط هو تعليق دون رواية حماد بن شاكر، وإن جعله القسطلاني منه إذ التعليق هو الحذف من أول السند، وهو مذكور في رواية حماد بن شاكر.
وقال في (( الفتح ) )وقد وقع لنا من طريق نعيم موصولًا في (( سنن الدارقطني ) )وتابعه حبان بن موسى، وسعيد بن يعقوب وغيرهما عن ابن المبارك.
(عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أُمِرْتُ) بالبناء لمفعول؛ أي: أمرني الله (أَنْ) أي: بأن (أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: المشركين منهم فهو من العام المخصوص، أو العام الذي أريد به الخصوص (حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) أي: ومحمد رسول الله.
قال في (( الفتح ) )ولم يذكر الرسالة، وهي مرادة كما تقول قرأت الحمد، وتريد السورة كلها.
وقيل: أول الحديث ورد في حق من جحد التوحيد، فإذا أقر به صار كالموحد من أهل الكتاب يحتاج إلى الإيمان بما جاء به الرسول، فلهذا عطف الأفعال المذكورة عليها، فقال: وصلوا صلاتنا إلى آخره، والصلاة الشرعية متضمنة للشهادة بالرسالة، وقد مر كثير مما يتعلق بذلك في كتاب الإيمان.
(فَإِذَا قَالُوهَا) أي: لا إله إلا الله مع قرينتها وحققوا معناها بموافقة الفعل لها، فتكون محرمة دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، فلذا عطف عليها أفعالًا تدل على ذلك، فقال: (وَصَلَّوْا صَلاَتَنَا) أي: مثلها في الفرائض والواجبات والنوافل (وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا) أي: مثلها، قال الكرماني: السياق أن يقال: أكلوا ذبيحتنا، وأجاب بأن المراد وذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا. انتهى.
وقال في (( الفتح ) )وحكمة الاقتصار على ما ذكر من الأفعال أن من يقر بالتوحيد من أهل الكتاب وإن صلوا واستقبلوا وذبحوا، لكنهم لا يصلون مثل صلاتنا ولا يستقبلون قبلتنا، ومنهم من يذبح لغير الله، ومنهم من لا يأكل ذبيحتنا، ولهذا قال في الرواية الأخرى: (( وأكل ذبيحتنا ) )والاطلاع على حال المرء في صلاته وأكله، يمكن بسرعة في أول يوم بخلاف غير ذلك من أمور الدين.
(فَقَدْ حَرُمَتْ) بفتح الحاء وضم الراء كما في الفرع، وجوز البرماوي كغيره ضم الأول وتشديد الثاني لكن قال في (( الفتح ) )لم أر في شيء من الروايات تشديد الراء.
(عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا) أي: الدماء والأموال، وفي حديث ابن عمر: فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحق الإسلام.
(وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) هو على سبيل التشبيه؛ أي: هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع، وإلا فلا يجب على الله تعالى شيء، وكان الأصل فيه أن يقال وحسابهم لله أو إلى الله تعالى.
وفي (( المصابيح ) )قال ابن المنير: فيه دليل على قتل تارك الصلاة لقوله عليه السلام: (( فإذا قالوها وصلوا صلاتنا فقد حرمت دماؤهم ) )فمفهوم الشرط إذا قالوها وامتنعوا من الصلاة لم تحرم دماؤهم منكرين للصلاة كانوا أو مقرين؛ لأنه رتب استصحاب سقوط العصمة على ترك الصلاة لا ترك الإقرار بها، فالذبيحة لا يقتل تاركها لأنا نطول إذا أخرج الإجماع بعضنا لا يخرج الكل. انتهى.
فإن قلت: لم خص الثلاثة بالذكر من بين الأركان وواجبات الدين [1] ؟
أجيب: بأنها أظهر وأعظم وأسرع علمًا أنه في اليوم الواحد تعرف صلاة الشخص وطعامه بخلاف الصوم والحج كما لا يخفى.
393 - (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم المصري (أَخْبَرَني يَحْيَى) وللأربعة: الغافقي.
قال الكرماني: لم يذكر البخاري يحيى في هذا الكتاب إلا استشهادًا أو تقوية، وقال أحمد بن حنبل: هو سيء الحفظ، قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطويل، ولابن عساكر: قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) رضي الله عنه(عَنِ النَّبِيِّ
ج 2 ص 169
صلى الله عليه وسلم)أي: بالحديث السابق آنفًا.
قال الكرماني: وفائدة هذا الإسناد بيان أن ما رواه ابن المديني وإن كان موقوفًا على الصحابي في روايته هو مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الطريق، وفي بعضها هذا مقدم على الموقوف، ففائدته التقوية. انتهى.
(وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ابن المديني (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطويل (قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ) المتقدم آنفًا (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ) ولأبوي ذر والوقت: وسقطت: للأصيلي (يَا أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، كنية أنس و (مَا يُحَرِّمُ) بضم التحتية وتشديد الراء المكسورة، وثبتت الواو لغير كريمة والأصيلي، وهي للعطف على محذوف، كأنه سأله عن غير هذا أيضًا.
وقال في (( الفتح ) )أو الواو استئنافية، وتعقبه العيني فقال: الاستئناف كلام مبتدأ، وحينئذ لا يبقى مقول لقال فيحتاج إلى تقدير، والاستفهام في ما على حقيقته؛ أي: أي شيء يحرم.
(دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ) أنس (مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) أي: وأن محمدًا رسول الله لما مر، وقال الكرماني: عبر على طريق الكناية عن الإقرار برسالته بالصلاة، والاستقبال والذبح إذ هذه الثلاثة من خاص دينه لأن القائلين بلا إله إلا الله كاليهود والنصارى صلاتهم بدون ركوع، وقبلتهم غير الكعبة، وذبيحتهم ليست كذبيحتنا، أو يقال: هذا الجزء الأول من كلمة الشهادة شعار لمجموعها كما يقال: قرأت: {ألم ذلك الكتاب} والمراد كل السورة، فإن قلت فحينئذ لا يحتاج إلى الأمور الثلاثة لأن مجرد هذه الكلمة التي هي شعار الإسلام محرمة للدماء والأموال.
قلت: الغرض منه بيان تحقيق القول بالفعل، وتأكيد أمره فكأنه قال: إذا قالوها وحققوا معناها بموافقة الفعل لها تكون محرمة، وإنما خصص هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين؛ لأنها أظهرها وأعظمها وأسرعها علمًا إذ في اليوم الأول من ملاقاة الشخص تعلم صلاته وطعامه غالبًا بخلاف غيرها من نحو الصوم والحج، فإنه قد يتأخر أشهر أو سنين. انتهى ملخصًا.
(وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) أي: صلى إليها (وَصَلَّى صَلاَتَنَا) أي: مثلها (وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ الْمُسْلِمُ) أي: فيحرم دمه وماله، وهو المعني بقوله: (لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ) من الحقوق كالاحترام وعصمة ماله ونفسه وعرضه (وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ) من الحقوق الواجبة كالصلاة والزكاة، والقصاص عند وجود سبب، وضمان ما أتلفه إلى غير ذلك.
قال الكرماني: والتقديم يفيد الحصر؛ أي: له ذلك لا لغيره، وعليه لا على غيره ما على المسلم.
قال العيني: فإن قلت الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، والسؤال هنا عن سبب التحريم، فالجواب كيف يطابقه؟
قلت: المطابقة ظاهرة لأن قوله: من شهد ... إلخ هو الجواب، وزيادة لأنه لما ذكر الشهادة وما عطف عليها علم أن الذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله إلا بحقه. انتهى.
وقال الكرماني: قال الخطابي: الحديث الأول من الباب إنما جاء في الكف عمن أظهر شعار الدين بأن لا يتعرض له في دم أو مال حتى يظهر منه خلاف ذلك، والثاني جاء في ترك الكف عن من لم يظهر شعار الدين حتى تستوفى منه هذه الشرائط. انتهى.
وفي العيني: فإن قلت قد جاء عن أبي هريرة: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) ).
وجاء عن ابن عمر: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ) ).
وجاء عن أنس المذكور في هذا الباب فما التوفيق بين هذه الروايات الثلاث؟
قلت: إنما اختلفت هذه الألفاظ، وزادت ونقصت لاختلاف الأحوال والأوقات التي وقعت هذه الأقوال فيها، وكانت أمور الشريعة تشرع شيئًا فشيئًا، فخرج كل قول فيها على شرطه المفروض في حينه، فصار كل منها في زمان شرطًا لحقن الدم وحرمة المال، ولا منافاة بين الروايات ولا اختلاف فيها.
[1] في هامش المخطوط: (( لعله سقط من قلم الناسخ لفظ فإن قلت قاله شيخه إلخ ليتجه قوله لأنا نقول إلخ منه ) ).