421 - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) : بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، أبو سعيد بن شعبة الخراساني كان صحيح الحديث كثير السماع حسن الرواية توفي سنة ثلاث وستين ومائة بمكة.
وقال في (( التقريب ) ): سكن نيسابور ثم مكة ثقة يغرب وتكلم فيه للإرجاء، ويقال: رجع عنه من كبار أتباع التابعين كمالك والثوري.
قال في (( الفتح ) ): إبراهيم يعني ابن طهمان كذا في روايتنا وهو صواب، وأهمل في غيرها.
وقال الإسماعيلي: ذكره البخاري عن إبراهيم وهو ابن طهمان فيما أحسب بغير إسناد. يعني تعليقًا.
قلت: وقد وصله أبو نعيم في (( مستخرجه ) )والحاكم في (( مستدركه ) )من طريق أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان، وقد أخرج البخاري بهذا الإسناد إلى إبراهيم بن طهمان عدة أحاديث.
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) : قال في (( الفتح ) ): كذا في روايتنا، وفي غيرها عن عبد العزيز غير منسوب، فقال المزي في (( الأطراف ) ): قيل إنه عبد العزيز بن رفيع، وليس بشيء. انتهى.
قال العيني: قوله ليس بشيء راجع إلى قوله صاحب هذا القيل لأن المزي قال بالاحتمال.
(عَنْ أَنَسٍ بن مالك) : رضي الله عنه (قَالَ: أُتِيَ) : بالبناء للمفعول (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمَالٍ) : وكان مائة ألف كما عند ابن أبي شيبة من طريق حميد مرسلًا وكان خراجًا بعث به العلاء بن الحضرمي من مال البحرين وكان أول خراج حمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال العيني: وقد روى البخاري في المغازي من حديث عمرو بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة بن الجراح إليهم فقدم أبو عبيدة بمال فسمعت الأنصار بقدومه الحديث.
فإن قلت: ذكر الواقدي في الردة أن رسول العلاء بن الحضرمي بالمال هو العلاء بن حارثة الثقفي قلت يحتمل أنه كان رفيق أبي عبيدة فاختصر في رواية الواقدي عليه انتهى.
وفي (( الفتح ) )وأما حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (( لو قد جاء مال البحرين أعطيتك ) ).
وفيه: فلم يقدم مال البحرين حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فهو صحيح كما سيأتي عند المصنف وليس معارضًا لما
ج 2 ص 194
تقدم، بل المراد أنه لم يقدم في السنة التي مات فيها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مال خراج أو جزية فكان يقدم من سنة إلى سنة. انتهى.
وحاصله: أن قصة جابر قضية أخرى غير هذه المحكية في هذا الحديث.
وقوله: (مِنَ الْبَحْرَيْنِ) : في محل الصفة لمال وهو في الأصل تثنية بحر، بلدة مشهورة بين البصرة وعمان بزنة غراب.
وقال الكرماني: موضعٌ قريب من بحر عمان.
وقال عياض: قيل بينها وبين البصرة أربعة وثمانون فرسخًا.
وقال النووي في (( التهذيب ) ): البحرين اسم لإقليم معروف والنسبة إليه بحراني بنون قبل ياء النسبة. انتهى.
وإنما زيدت النون لئلا يلتبس بالمنسوب إلى البحر لو قيل بحري لأن المثنى يرد إلى واحده في النسب.
وقال العيني: وهي هجر وأهلها عبد القيس بن أفصى زعم أبو الفرج في (( تاريخه ) )أنها وبية وأن سكانها معظمهم مطحولون وأنشد:
~من يسكن البحرين يعظم طحاله ويغبط بما في جوفه وهو ساغب
وزعم ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الجعرانة بعد قسمة غنائم حنين أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي وهو بالبحرين يدعوه إلى الإسلام فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه وتصديقه.
(فَقَالَ) : صلى الله عليه وسلم (انْثُرُوهُ) : بضم المثلثة؛ أي: صبوه ويجوز كسرها.
(فِي الْمَسْجِدِ) : النبوي (وَكَانَ) : أي: هذا المال (أَكْثَرَ مَالٍ) : بنصب أكثر (أُتِيَ) : بالبناء للمفعول به.
(رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الصَّلاَةِ) : ولم يعلم تعيين تلك الصلاة (وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ) : أي: المال احتقارًا له وتعظيمًا للصلاة حيث قدمها (فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ) : أي: المال أي: عنده.
(فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلاَّ أَعْطَاهُ) : من ذلك المال (إِذْ) : للمفاجأة (جَاءَهُ الْعَبَّاسُ) : أي: عمه صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي) : بقطع الهمزة؛ أي: من هذا المال.
(فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي) : أي: حين أسر يوم بدر (وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) : بفتح العين، يعني: ابن أخيه أبي طالب؛ أي: يوم بدر تعليلًا لسابقه فلعل العباس طلب زيادة على ما يأخذه غيره وإلا فقد ذكر أنس أنه ما كان يرى أحدًا إلا أعطاه.
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: خُذْ) : الأمر هنا للإباحة (فَحَثَا) : بمهملة ومثلثة ماضي يحثو ويحثي واو ياء وياء ياء.
(فِي ثَوْبِهِ) : أي: أخذ العباس في ثوب نفسه شيئًا فشيئًا (ثُمَّ ذَهَبَ) : أي: شرع العباس (يُقِلُّهُ) : بضم الياء المثناة؛ أي: يرفعه (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) : أي: لم يقدر العباس على إقلاله لكثرته.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُؤْمُرْ) : بحذف همزة الوصل وسكون الهمزة الثانية في الوصل ولو قطعته لقلت أومر بضم همزة الوصل وقلب الثانية واوًا وجوبًا، وللأصيلي: بحذف الهمزتين للتخفيف على خلاف القياس ووزنه عل؛ لأن المحذوف منه فاء الفعل لاجتماع الهمزتين في أول الكلمة المؤدي إلى الاستثقال فبقي أمر واستغنى عن همزة الوصل لتحرك ما بعدها فحذفت فصار على وزن عل.
(بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ) : بالجزم في جواب الأمر والضمير المستتر فيه يرجع إلى البعض والبارذ إلى المال الذي حثاه العباس في ثوبه ويجوز فيه الرفع على الاستئناف والتقدير هو يرفعه ويروى برفعه بالباء الموحدة.
(قَالَ) : عليه الصلاة والسلام (لاَ) : أي: لا آمر أحدًا برفعه (قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لاَ) : أي: لا أرفعه وإنما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم زجرًا عن الاستكثار من المال وتنبيهًا له أن لا يأخذ إلا قدر حاجته.
(فَنَثَرَ مِنْهُ) : أي: من المال (ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فلم يستطع) : حمله (فَقَالَ العباس: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُؤْمُرْ) : وللأصيلي: .
(بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ) : بالجزم أو الرفع كما تقدم (قَالَ: لاَ) : أي: لا آمر (قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لاَ) : أي: لا أرفعه (فَنَثَرَ مِنْهُ) : العباس (ثُمَّ احْتَمَلَهُ) : أي: رفعه بنفسه (فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ) : وهو ما بين الكتفين (ثُمَّ انْطَلَقَ) : أي: بالمال (فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُتْبِعُهُ) : بضم المثناة التحتية، من الاتباع.
(بَصَرَهُ) : مفعول ثاني ليتبع (حَتَّى خَفِي عَلَيْنَا) : أي: عنا لأن خفي بمعنى استتر (عَجَبًا) : مفعول مطلق أو لأجله (مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : أي: من ذلك المجلس الذي جلسه لتفريق المال.
(وَثَمَّ) : بفتح المثلثة، اسم إشارة للبعيد؛ أي: وهناك (مِنْهَا) : أي: من الدراهم (دِرْهَمٌ) : أي: واحد؛ لأنه نكرة في سياق النفي فتعم والجملة حالية والمقصود منه إثبات القيام عند انتفاء
ج 2 ص 195
الدرهم إذ الحال قيد للمنفي لا للنفي، والمجموع منتف بانتفاء القيد لانتفاء المقيد وإن كان ظاهره نفي القيام حال ثبوت الدرهم. كذا في العيني.
ولم يذكر المؤلف حديثًا في تعليق القنو لكن قال ابن الملقن: أخذ من جواز وضع المال في المسجد بجامع أن كلًا منهما وضع لأخذ المحتاجين منه أو أشار بذلك لحديث عون بن مالك الأشجعي عند النسائي بإسناد قوي أنه صلى الله عليه وسلم خرج وبيده عصًا وقد علق رجل قنو حشف فجعل يطعن في ذلك القنو ويقول لو شاء رب هذه الصدقة لتصدق بأطيب من هذا وليس على شرطه.
وقال الكرماني: قال ابن بطال: ذكر في (( غريب الحديث ) )أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كل حائط بقنو يعني للمسجد.
ومعنى ذلك أن ناسًا كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء لهم فقالت الأنصار: يا رسول الله لو جعلنا قنوًا من كل حائط لهؤلاء فقال: أجل ففعلوا فجرى ذلك إلى اليوم وهي الأقناء التي تعلق في المسجد فيعطاها المساكين وكان عليها معاذ بن جبل. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): وموضع الحاجة منه هنا جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه من صدقة ونحوها في المسجد، ومحله ما إذا لم يمنع مما وضع له المسجد من الصلاة وغيرها مما بني المسجد لأجله، ونحوه زكاة الفطر، ويستفاد منه وضع ما يعم نفعه في المسجد كالماء لشرب من يعطش، ويحتمل التفرقة بين ما يوضع للخزن فيمتنع دون الأول. انتهى.
وقال ابن القاسم: وسئل مالك عن الأقناء في المسجد وما يشبه ذلك فقال: لا بأس فيها وسئل عن الماء الذي يسقى في المسجد أترى أنه يضر قال: نعم إنما جعل للعطش ولم يرد به أهل المسكنة فلا أرى أنه يترك شربه ولم يزل هذا من أمر الناس. انتهى.
وقال العيني: ومما يستفاد من الحديث ما قال ابن بطال أن الإعطاء لأحد الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في كتابه دون غيرهم؛ لأنه أعطى العباس لما شكى إليه من الغرم ولم يسوه في القسمة مع الثمانية الأصناف فلو قسم ذلك على التساوي لما أعطى العباس بغير مكيال ولا ميزان.
وقال الكرماني: لا يصح هذا الكلام لأن الثمانية هم مصارف الزكوات والزكاة حرام على العباس بل كان هذا المال فيئًا أو غنيمة.
قلت: لم يكن هذا المال فيئًا وإنما كان خراجًا ولو وقف الكرماني على ما ذكرنا عن ابن أبي شيبة فيما مضى عن قريب لما قال هذا الذي قاله وكذلك ابن بطال وهم فيما قاله حيث جعل المال من الزكاة.
وتبعه صاحب (( التلويح ) )حيث قال: وفيه دلالة لأبي حنيفة ومن قال بقوله أنه يجوز الاقتصار على بعض الأصناف المذكورين في الآية الكريمة؛ لأنه أعطى العباس لما شكى إليه الغرم بغير وزن ولم يسوه في القسم بين الأصناف الثمانية ولم ينقل أنه أعطى أحدًا مثله.
قلت: هذا أيضًا كلام صادر من غير تأمل؛ لأنه ليس للأصناف الثمانية دخل في هذا ولا المال كان من مال الزكاة. انتهى.
قوله: ولو وقف الكرماني ... إلخ أي: لأن في حديث ابن أبي شيبة التصريح بأن هذا المال كان خراجًا.
وفي الحديث كرم النبي صلى الله عليه وسلم وزهده في الدنيا، وأنه لا يمنع شيئًا سئله إذا كان عنده.
وفيه: أن السلطان إذا علم حاجة الناس إلى المال إذا كانوا من أهل الاستحقاق في بيت المال لا يحل له ادخاره.