فهرس الكتاب

الصفحة 717 من 1465

وبالسند قال:

432 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) : ابن مسرهد (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سعيد) : القطان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) : بالتصغير، وللأصيلي: (قَالَ: أَخْبَرَنِي) : بالإفراد (نَافِعٌ) : مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : ابن الخطاب (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ) .

قال في (( الفتح ) ): قال القرطبي: من للتبعيض والمراد النوافل بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعًا: (( إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته ) ).

قلت: وليس فيه ما ينفي الاحتمال، وقد حكى عياض عن بعضهم أن معناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهن، وهذا وإن كان محتملًا الأول هو الراجح، وقد بالغ الشيخ محيي الدين فقال: لا يجوز حمله على الفريضة. انتهى.

وقال العيني:

ج 2 ص 214

معنى قوله: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم صلوا فيها ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة أو المراد صلاة النافلة؛ أي: صلوا النوافل في بيوتكم.

وقال القاضي عياض: قيل: هذا في الفريضة ومعناه بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وعبيد ومريض ونحوهم.

قال: وقال الجمهور: بل هو في النافلة لإخفائها، وللحديث الآخر أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، فعلى التقدير الأول يكون من في قوله من صلاتكم زائدة، ويكون التقدير اجعلوا في بيوتكم، ويكون المراد منها النوافل.

وعلى التقدير الثاني تكون من للتبعيض مطلقًا ويكون المراد من الصلاة مطلق الصلاة ويكون المعنى: اجعلوا بعض صلاتكم وهو النفل من الصلاة المطلقة في بيوتكم، والصلاة المطلقة تشمل النفل والفرض على أن الأصح منع مجيء من زائدة في الكلام المثبت.

ولا يجوز حمل الكلام على الفريضة لا كلها ولا بعضها؛ لأن الحث على النفل في البيت وذلك لكونه أبعد من الرياء، وأسلم من المحبطات، ولتبرك به البيت وتنزل الرحمة فيه والملائكة، وينفر الشيطان منه على ما دل عليه الحديث الذي أخرجه الطبراني وذكرناه عن قريب. انتهى.

(وَلاَ تَتَّخِذُوهَا) : أي: بيوتكم (قُبُورًا) : أي: كالقبور مهجورة من الصلاة فهو من التشبيه البليغ شبه الميت الذي لا يصلي فيه، ولا يقرأ فيه القرآن بالقبر الذي لا يتمكن الميت من العبادة فيه.

ويؤيده رواية مسلم: (( مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت ) ).

ويدل له أيضًا ما رواه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن سابط عن أبيه يرفعه: (( نوروا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن، ولا تتخذوها قبورًا كما اتخذها اليهود والنصارى، فإن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة، وتدحض عنه الشياطين، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يضيق على أهله، ويقل خيره، وتنفر منه الملائكة وتحضر فيه الشياطين ) )انتهى.

وقال الخطابي: فيه دليل على أن الصلاة لا تجوز في المقابر، ومثله البغوي في (( شرح السنة ) )، ونقل ابن المنذر عن أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة. انتهى.

وعلى هذا حمله البخاري فترجم بكراهية الصلاة في المقابر، وقد اعترضه الإسماعيلي بأن هذا الحديث يدل على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر.

وأجاب عنه صاحب (( الفتح ) )فقال: قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: (( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) ).

وقال ابن التين: تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك.

قلت: إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق فمسلم، وإن أراد نفي ذلك مطلقًا فلا فقد قدمنا وجه استنباطه. انتهى.

أقول: الذي قدمه هو قوله: استنبط من قوله في الحديث: ولا تتخذوها قبورًا أن القبور ليست بمحل العبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة، وكأنه أشار إلى ما رواه أبو داود، والترمذي في ذلك.

وليس على شرطه وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) )رجاله ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم بصحته الحاكم وابن حبان.

ثم قال: وقال في (( النهاية ) )تبعًا (( للمطالع ) ): إن تأويل البخاري مرجوح والأولى قول من قال: معناه أن الميت لا يصلي في قبره.

وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغوي في (( شرح السنة ) )والخطابي.

وقال أيضًا: يحتمل أن المراد: لا تجعلوا بيوتكم وطنًا للنوم فقط لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت والميت لا يصلي.

وقال التوربشتي: حاصل ما يحتمله أربعة معان فذكر الثلاثة الماضية.

ورابعها: يحتمل أن يكون من لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت وبيته كالقبر.

قلت: ويؤيده ما رواه مسلم: (( مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت ) ). انتهى.

قال

ج 2 ص 215

الخطابي: وأما من تأوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشيء فقد دفن صلى الله عليه وسلم في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته.

قال في (( الفتح ) ): ما ادعى أنه تأويل هو ظاهر لفظ الحديث، ولا سيما أن جعل النهي حكمًا منفصلًا عن الأمر، وما استدل به على رده تعقبه الكرماني فقال: لعل ذلك من خصائصه وقد روي أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون.

قلت: هذا الحديث رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس عن أبي بكر مرفوعًا: (( ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض ) )وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف، وله طريق أخرى مرسلة ذكرها البيهقي في (( الدلائل ) ).

وروى الترمذي في (( الشمائل ) )والنسائي في (( الكبرى ) )من طريق سالم بن عبيد الأشجعي عن أبي بكر الصديق أنه قيل له: (( فأين ندفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المكان الذي قبض الله فيه روحه فإنه لم تقبض روحه إلا في مكان طيب ) )إسناده صحيح لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود، وإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متجه؛ لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر فتصير الصلاة فيها مكروهة.

ولفظ أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب وهو قوله: (( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) )فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت