فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 1465

وبالسند قال:

433 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) : بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) : بالإفراد (مَالِكٌ) : إمام دار الهجرة خال إسماعيل (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بن الخطاب) : رضي الله عنهما.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ) : لأصحابه حين مروا بالحجر ديار ثمود في توجههم إلى تبوك: (لاَ تَدْخُلُوا) : بضم الخاء (عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعَذَّبِينَ) : بفتح الذال المعجمة، وللمصنف في أحاديث الأنبياء: (( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) ).

والمراد بهم قوم صالح عليه السلام؛ أي: لا تدخلوا ديارهم.

(إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) : خوفًا من حلول مثل ذلك بكم.

قال في (( الفتح ) ): ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول بل دائمًا عند كل جزء من الدخول، وأما الاستقرار فالكيفية المذكورة مطلوبة فيه بالأولوية.

قال العيني: والحجر _ بكسر الحاء وسكون الجيم _ بلد بين الشام والحجاز، وعن قتادة فيما ذكره الطبري: الحجر اسم الوادي الذي كانوا به، وعن الزهري: هو اسم مدينتهم.

وقال المهلب إنما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تدخلوا ) )من جهة التشاؤم بتلك البقعة التي نزل بها السخط يدل عليه قوله تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} [إبراهيم:54] في مقام التوبيخ على السكنى فيها، وقد تشاءم صلى الله عليه وسلم بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلى فكراهته الصلاة في موضع الخسف أولى.

ثم استثنى من ذلك قوله: إلا أن تكونوا باكين، فأباح الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار، وهذا يدل على أن من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء واعتبار.

(فَإِنْ لَمْ تَكُون بَاكِينَ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لاَ يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ) : من العذاب.

قال الخطابي: معنى هذا الحديث أن الداخل في ديار القوم الذين أهلكوا بخسف، وعذاب إذا دخلها فلم يجلب ما يرى من آثار ما نزل بهم له بكاء، ولم يبعث حزنًا إما شفقة عليهم وإما خوفًا من حلول مثلها به فهو قاس القلب، قليل الخشوع غير مستشعر للخوف والوجل فلا يأمن إذا كان هذا حاله أن يصيبه ما أصابهم، وهو معنى قوله: (( لا يصيبكم ما أصابهم ) ).

قال الكرماني: فإن قلت: كيف يصيب عذاب الظالمين لغيرهم، وقال تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:15] .

قلت: لا نسلم امتناع الإصابة إلى غير الظالم قال تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال:25] وأما الآية الأولى فمحمولة على عذاب يوم القيامة، ثم لا نسلم أن الذي يدخل موضعهم ولا يتضرع ليس بظالم؛ لأن ترك التضرع في موضع يجب التضرع فيه ظلم. انتهى.

وقوله: (( لا يصيبكم ) )قال الكرماني: هو بالرفع؛ لأنه استئناف.

وقال في (( الفتح ) ): ويجوز الجزم على أن لا ناهية وهو أوجه انتهى.

وقال العيني: قلت هو مبني على صحة الرواية بذلك وقوله وهو أوجه غير موجه لأنه لم يبين وجهه. انتهى.

وأقول: لعله لم يتعرض لبيان وجهه لظهوره؛ لأن النهي عن الإصابة متوجه إلى سببها؛ أي: لا يقع منكم سببها فتصيبكم كقوله تعالى: {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} [الأعراف:27] ؛ أي: لا تطيعوه فيفتنكم.

وأما الاستئناف فبعيد عن المقام وهاهنا وجه قريب لم يتنبه له من رأيناهم من الشراح وهو أن يكون مجزومًا في جواب النهي، والمعنى مستقيم عليه وشرطه وهو صحة تقدير أن قبل لا موجود، وتقديره: أن لا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم كقولهم: لا تدن من الأسد تسلم.

قال الكرماني: فإن قلت: كيف دلالة الحديث على الترجمة؟.

قلت: من جهة استلزامه مصاحبة الصلاة بأسرها للبكاء وهي مكروهة، بل لو ظهر من البكاء حرفان أو حرف مفهم أو ممدود تبطل الصلاة. انتهى.

وقال ابن بطال: هذا يدل على إباحة الصلاة هناك؛ لأن الصلاة موضع بكاء وتضرع.

قال في (( الفتح ) ): كأنه يشير إلى عدم مطابقة الحديث لأثر علي، والحديث مطابق له من جهة أن كلًا منهما فيه ترك النزول كما للمصنف في المغازي.

وفي الحديث كما في العيني: دلالة على أن ديار هؤلاء لا تسكن بعدهم ولا تتخذ وطنًا؛ لأن المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكيًا أبدًا، وقد نهى أن يدخل دورهم إلا بهذه الصفة.

وفيه: المنع من المقام بها والاستبطان.

وفيه: ندب الإسراع عند المرور بديار المعذبين كما فعل صلى الله عليه وسلم في وادي محسر؛ لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك.

وفيه: الأمر بالبكاء؛ لأنه ينشأ عن التفكر في مثل ذلك، وقال ابن الجوزي: التفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل ذلك المقام ثلاثة أقسام:

أحدها: تفكر يتعلق بالله تعالى إذا قضى على أولئك بالكفر.

الثاني: يتعلق بأولئك القوم إذ بارزوا ربهم بالكفر والعناد.

الثالث: يتعلق بالمار عليهم؛ لأنه وفق للإيمان وتمكن من الاستدراك والمسامحة في الزلل.

وفيه: الدلالة على كراهة الصلاة في مواضع الخسف والعذاب والباب معقود عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت