37 -وبالسند إلى المؤلف:
قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ حُمَيْدِ) بالتصغير (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف) الثقة، أمه أم كلثوم بنت عقبة أخت عثمان لأمه، مات بالمدينة سنة خمس ومئة على الصحيح كما في (( التقريب ) )، وقيل: سنة خمس وتسعين.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
ج 1 ص 295
رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ) يجوز أن يكون رمضان مفعولًا به على تضمين قام معنى أحيا، ويدل عليه ما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: (( كان إذا دخل العشر: شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله ) )ويجوز أن يكون ظرفًا؛ أي: قام بالطاعة في لياليه وحمله العلماء على صلاة التراويح.
قال النووي: والتحقيق: أن التراويح محصلة لفضيلة قيام رمضان، ولكنها لا تنحصر فيها، بل في أي وقت من الليل صلى تطوعًا حصل هذا الفضل. انتهى.
(إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) تقدم الكلام عليهما في قيام ليلة القدر (غفر له ما تقدم من ذنبه) قال في (( الفتح ) ): في كتاب الصيام زاد قتيبة عن سفيان عند النسائي: (( وما تأخر ) ). انتهى.
وفي الكرماني نقلًا عن النووي: ثم المشهور في هذا الحديث وشبهه كحديث: غفران الخطايا بالوضوء، وبصوم عرفة أن المراد غفران الصغائر لا الكبائر كما في حديث الوضوء: (( ما لم يأتِ بكبيرة ) ).
قال: وفي التخصيص نظر، لكن أجمعوا على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحد، وفيه أيضًا: فإن قيل: قد ثبت هذا الحديث في قيام رمضان والآخر في صيامه، وثبت: (( صوم عرفة كفارة سنتين ) )و (( رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ) )و (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ) )و (( من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) )ونحوه، فهذه الأحاديث هل هي متداخلة أم كيف يقال فيها؟.
فالجواب: أن كل واحدة من هذه الخصال صالحة لتكفير الصغائر، فإن صادفتها كفرتها، وإن لم تصادفها، فإن كان فاعلها سليمًا من الصغائر؛ لكونه غير مكلف كالصغير، أو موفقًا لم يفعل صغيرة، أو فعلها وتاب، أو فعلها وعقبها بحسنة أذهبتها {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] فهذا ترفع له درجات، وتكتب له بها حسنات.
وقال بعض العلماء: يرجى أن يخفف عنه بعض الكبائر إن كان لفاعلها. انتهى.
وفي (( إتحاف أهل الإسلام بخصائص الصيام ) )لابن حجر المكي قال الإمام: المكفر الصغائر، قال مجلي: وهو تحكم يحتاج لدليل، والحديث عام وفضل الله واسع.
ويجاب: بأن إطلاق الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة يؤيد ما قاله الإمام، ويؤيد كلام مجلي قول ابن المنذر في من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه هذا عام يرجى أن يغفر له جميع ذنوبه كبيرها وصغيرها.
ثم رأيت النووي اقتصر في (( المجموع ) )على كلام الإمام، وأيده بما في الحديث الصحيح: (( ما من امرئ مسلم يحضر صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة ) ).
وفي آخر الصلوات الخمس: (( والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ) ).
قال: وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان:
أحدهما: تكفر الصغائر بشرط ألا يكون هناك كبائر.
والثاني: وهو الصحيح المختار تكفير الصغائر، وتقديره: تغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر.
قال القاضي عياض: هذه المذكورات في الأحاديث في تكفير الصغائر هو مذهب أهل السنة، فإن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، أو رحمة الله تعالى، فإن قيل: فإذا كفر الوضوء كما ورد، فماذا تكفر بقية المكفرات؟.
فالجواب: ما قاله العلماء من أن كل واحد من هذه صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة ثبتت له به حسنات، ورفعت له به درجات، وكذلك صلاة الأنبياء والصالحين والصبيان وصومهم وسائر عباداتهم، وإن كان كبيرة أو كبائر فقط رجونا أن يخفف من الكبائر. انتهى كلام (( المجموع ) ).
وفيه فوائد نفيسة غريبة وهو مصرح كما ترى في أماكن باعتماد كلام الإمام ثم نقل كلام ابن المنذر السابق.
ونقل قبل ذلك عن الماوردي: أن في معنى تكفير صوم عرفة سنتين تأويلان:
أحدهما: مغفرة ذنوب سنتين.
الثاني: عصمته؛ أي: يحفظه فيهما. انتهى ملخصًا.
وأقول: في كلا التأويلين نظر، أما الأول؛ فلأنه لا معنى لغفران ذنوب السنة المستقبلة قبل وقوعها، وأما الثاني؛ فلأنه لا معنى للعصمة عن الذنوب في سنة قد مضت وانقضت، فلعل الأظهر تأويل ثالث ملفَّق من التأويلين، وهو أن الغفران يحمل على ظاهره بالنسبة للسنة الماضية، ويحمل على غير ظاهره وهو العصمة من الذنوب بالنظر إلى السنة المستقبلة، فليتأمل.
ونقل اللقاني في (( شرح منظومته الجوهرة ) )عن البلقيني أنه قال: الناس في ذلك على أقسام: فمنهم من لا صغائر له ولا كبائر، وهذا له رفع الدرجات، ومنهم من له الصغائر فقط بلا إصرار فهي المكفرة باجتناب الكبائر إلى موافاة الموت على الإيمان، ومنهم من له الصغائر مع الإصرار فهي التي تكفر بالأعمال الصالحة كالصلوات والصوم وصوم يوم عرفة وعاشوراء، ومن له الكبائر مع الصغائر فالمكفر عنه الصغائر فقط، ومن له الكبائر فقط فيكفر منها على قدر ما كان يكفر من الصغائر. انتهى.
قلت: وهو مبني على أن تكفير الأعمال الصالحة للذنوب غير مشروط باجتناب الكبائر، وهو خلاف.
نقل ابن عطية عن جمهور أهل السنة: أن شرط تكفير الأعمال الصالحة للصغائر أن تجتنب الكبائر، فإن لم تجتنب لم تكفر شيئًا بالكلية.
وقال الحذاق: إنها تكفر الصغائر ما لم يُصرَّ عليها سواء اجتنبت الكبائر أم لا، ولا تكفر شيئًا من الكبائر. انتهى كلام
ج 1 ص 296
اللقاني.
وقال ابن العماد في (( كشف الأسرار ) ): في قوله صلى الله عليه وسلم في خبر (( الصحيحين ) ): (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) ).
في هذا الحديث دقيقة وهي: أن قوله: (( ما اجتنبت الكبائر ) )هو قيد في التكفير، حتى لو كان مصرًا على الكبائر لم يغفر له شيء من الصغائر، أو هو قيد في تعميم المغفرة، فعلى هذا تغفر الصغائر وإن ارتكب الكبائر، والأقرب الثاني، وإلا لم يكن لذلك تأثير في التكفير؛ لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر بدليل قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء:31] الآية. انتهى.
وأقول: كون ما اجتنبت الكبائر قيدًا في التكفير ظاهر، وأما كونه قيدًا في تعميم المغفرة، فغير ظاهر.
اللهم إلا أن يكون هناك معطوف مقدر؛ أي: ما اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب على حد قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] ؛ أي: والبرد، فليتأمل.
وفي الحديث: جواز إطلاق رمضان بدون إضافة شهر خلافًا لمن منع ذلك، واستحباب قيام ليالي رمضان من غير كراهة، وأما قول الشافعية بكراهة قيام كل الليل، فمحمول على المداومة على ذلك في جميع ليالي السنة على أن الحديث لا يدل على استيعاب الليل بالقيام، فإنه يقال لمن قام أكثر الليل: إنه قام الليل.
ورواة هذا الحديث كلهم أجلّة مدنيون، وفيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع، والعنعنة.
وأخرجه المؤلف في الصيام أيضًا.