وبالسند قال:
450 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) : الجعفي قال: (حَدَّثَنِي) : بالإفراد، ولابن عساكر: (ابْنُ وَهْبٍ) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) : بفتح العين، ابن الحارث الملقب بدرة الغواص (أَنَّ بُكَيْرًا) : مصغر بكر وهو ابن عبد الله بن الأشج مدني سكن البصرة.
(حَدَّثَهُ) : وللأصيلي: (أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ) بضم العين (ابْنِ قَتَادَةَ) بفتح القاف، الأنصاري مات بالمدينة سنة عشرين ومائة (حَدَّثَهُ) أي: حدث بكيرًا (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ) : بالتصغير (الْخَوْلاَنِيَّ) : بفتح الخاء المعجمة نسبة إلى خولان قبيلة، وهو ربيب أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها.
(أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) : رضي الله عنه (يَقُولُ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) : أي: إنكارهم عليه.
قال في (( الفتح ) ): وقع بيان ذلك عند مسلم حيث أخرجه من طريق محمود بن لبيد الأنصاري _ وهو من صغار الصحابة _ قال: (( لما أراد عثمان بناء المسجد كره الناس ذلك وأحبوا أن يدعوه على هيئته ) )؛ أي: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وظهر بهذا أن قوله في حديث الباب: (( حين بنى ) )؛ أي: حين أراد أن يبني.
وقال البغوي في (( شرح السنة ) ): لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة لا مجرد توسيعه. انتهى.
ولم يبن عثمان المسجد إنشاء وإنما وسعه وشيده _ كما تقدم في باب بنيان المسجد _ فيؤخذ منه إطلاق البناء في حق من جدد كما يطلق في حق من أنشأ، أو المراد بالمسجد هنا بعض المسجد من إطلاق الكل على البعض. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: ذكر هذا القائل شيئين الأول مستغنى عنه فلا حاجة إلى ذكره والثاني لا يصح؛ لأنه ذكر في باب بنيان المسجد حديث عبد الله بن عمر وفيه: (( ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده بحجارة منقوشة وسقفه بالساج ) )انتهى.
فهذا يدل على أنه غير الكل وزاد فيه: (( يعني في الطول والعرض وكان المسجد مبنيًا باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل وبناه عثمان من الحجارة وجعل عمده بالحجارة وسقفه بالساج ) )، فكيف يقول هذا القائل أو المراد بالمسجد هنا بعض المسجد فهذا كلام من لم يتأمل. انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) ): على شاكلة الاعتراض بما لا يخلو من التحامل، وقد قيل: الحديث شجون يربط بينها التشاكل.
(حِينَ بَنَى) : أي: حين أراد أن يبني (مَسْجِدَ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم) : وللحموي والكشميهني: .
قال في (( الفتح ) ): وكان بناء عثمان للمسجد سنة ثلاثين على المشهور، وقيل: في آخر سنة من خلافته.
ففي (( كتاب السير ) )عن الحارث بن مسكين عن ابن وهب أخبرني مالك أن كعب الأحبار كان يقول عند بنيان عثمان المسجد:
ج 2 ص 236
لوددت أن هذا المسجد لا ينجز فإنه إذا فرغ من بنيانه قتل عثمان. قال مالك: فكان كذلك.
قلت: ويمكن الجمع بين القولين بأن الأول كان تاريخ ابتدائه، والثاني كان تاريخ انتهائه. انتهى.
أقول: وفي هذا الجمع نظر؛ لأنه يلزم عليه أن يكون بين ابتدائه وانتهائه نحو خمس سنين؛ لأن استشهاد عثمان رضي الله عنه كان في أواخر سنة خمس وثلاثين لثمان عشرة خلت من ذي الحجة من السنة المذكورة كما في (( المختصر في أخبار البشر لابن الوردي ) )، ومن المستبعد جدًا أن تمتد مدة بنائه إلى هذا التاريخ.
وقال في (( تاريخ الخميس ) )نقلًا عن أرباب السير: أن ابتداء بناء عثمان المسجد كان في أول شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين، وفرغ منه في أول المحرم سنة ثلاثين فكانت مدة عمارته عشرة أشهر. انتهى.
وقول كعب الأحبار: إذا فرغ من بنائه قتل عثمان لا يلزم منه الفورية على أن قوله ليس بحجة في ذلك إذ ليس له مستند.
(إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ) : مقول عثمان؛ أي: أكثرتم الكلام علي في الإنكار على ما فعلته فحذف المفعول للعلم به (وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) : ولأبوي ذر والوقت: (صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) : لوجه الله تعالى.
قال في (( الفتح ) ): التنكير فيه للشيوع فيدخل فيه الكبير والصغير، ووقع في رواية أنس عند الترمذي صغيرًا أو كبيرًا، وزاد ابن أبي شيبة في حديث الباب من وجه آخر عن عثمان: (( ولو كمفحص قطاة ) ).
وفي حديث جابر (( كمفحص قطاة أو أصغر ) )، وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص فيه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة، ويؤيده رواية جابر هذه.
وقيل: بل هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر أو يشترك جماعة في بناء مسجد فيقع حصة كل واحد ذلك القدر، وهذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود وهو موضع الجبهة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر، لكن قوله: (( بنى ) )يشعر بوجود بناء على الحقيقة.
ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة: (( من بنى لله بيتًا ) )أخرجه سمويه في (( فوائده ) )بإسناد حسن، وقوله في رواية عمر: (( من بنى مسجدًا يذكر فيه اسم الله ) )أخرجه ابن ماجه وابن حبان فكل ذلك مشعر بأن المراد بالمسجد المكان المتخذ لا موضع السجود فقط. انتهى.
وأقول: مما يدل على ذلك أيضًا: أنه لو كان المراد محل السجود لعمل مسجدًا بالفتح؛ لأن اسمه المكان الجاري على الفعل هذا قياسه.
وخص القطاة بهذا؛ لأنها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير فلذلك شبه به المسجد، ولأنها توصف بالصدق فكأنه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: خالص العبودية الاندماج في طي الأحكام من غير شهرة ولا إرادة وهذا شأن هذا الطائر. كذا في القسطلاني.
(قَالَ بُكَيْرٌ) : المذكور (حَسِبْتُ أَنَّهُ) : أي: شيخه عاصمًا (قَالَ) : بالإسناد السابق (يَبْتَغِي بِهِ) : أي: ببناء المسجد (وَجْهَ اللَّهِ) عز وجل: أي: ذاته تعالى بالإخلاص له طالبًا لمرضاته لا لرياء ولا لسمعة.
قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي بناه كان بعيدًا من الإخلاص.
وقال في (( الفتح ) ): ومن بناه بالأجرة لم يحصل له هذا الوعد المخصوص لعدم الإخلاص وإن كان يؤجر في الجملة وهل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجدًا بأن يكتفى بتحويطها من غير بناء.
وكذا من عمد إلى بناء كان يملكه فوفقه مسجدًا؟ إن وقفنا مع ظاهر اللفظ فلا وإن نظرنا إلى المعنى فنعم، وهو المتجه وكذا قوله: بنى حقيقة في المباشرة بشرطها لكن المعنى يقتضي دخول الآمر بذلك أيضًا وهو المنطبق على استدلال عثمان؛ لأنه استدل بهذا الحديث على ما وقع منه، ومن المعلوم أنه لم يباشر ذلك بنفسه. انتهى.
وجملة: (( يبتغي ) )في موضع الحال من ضمير بنى إن كان من لفظ النبي وإنما لم يجزم بكير بهذه الزيادة؛ لأنه نسيها فذكرها بالمعنى مترددًا في اللفظ الذي ظنه والجملة اعتراض بين الشرط وهو قوله: (( من بنى ) ).
وجوابه وهو قوله: (بَنَى اللَّهُ) : عز وجل (لَهُ) : بناء (مِثْلَهُ) : في مسمى البيت حال كونه (فِي الْجَنَّةِ) : إسناد البناء إلى الله تعالى مجاز وإبراز الفاعل فيه تبركًا باسمه العظيم أو لئلا تتنافر الضمائر أو يتوهم عوده على باني المسجد، وقوله: (( مثله ) )صفة لمصدر محذوف أي: بناء مثله.
قال في (( الفتح ) ): ولفظ المثل له استعمالان:
أحدهما: الأفراد مطلقًا كقوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} [المؤمنون:47] ، والآخر: المطابقة كقوله تعالى: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [الأنعام:38] .
فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة فيحصل جواب من استشكل التقييد بقوله: (( مثله ) )مع أن الحسنة بعشر أمثالها لاحتمال أن يكون المراد بنى الله له عشرة أبنية مثله والأصل أن ثواب الحسنة الواحدة واحد بحكم العدل والزيادة عليه بحكم الفضل.
وأما من أجاب باحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل نزول قوله تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160] ففيه بعد، وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة.
ومن الأجوبة المرضية أيضًا: أن المثلية هنا بحسب الكمية والزيادة حاصلة بحسب الكيفية فكم من بيت خير من عشرة بل من مائة أو أن المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره مع قطع النظر عن غير ذلك مع أن التفاوت حاصل قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة إذ موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها كما ثبت في الصحيح.
وقد روى أحمد من حديث واثلة بلفظ: (( بنى الله له في الجنة أفضل منه ) )، وللطبراني من حديث أبي أمامة: (( أوسع منه ) )، وهذا يشعر بأن المثلية لم يقصد بها المساواة من كل وجه.
ج 2 ص 237
وقال النووي: يحتمل أن يكون المراد أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا. انتهى.
وقال ابن بطال: المساجد بيوت الله تعالى وقد أضافها إلى نفسه بقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ} [التوبة:18] وحسبك بهذا شرفًا لها وقد تفضل على بانيها بأن بنى له قصرًا في الجنة وأجر المسجد جار لمن بناه في حياته وبعد مماته ما دام يذكر الله تعالى فيه، وهذا مما جاءت المجازاة فيه من جنس الفعل.
قال في (( الفتح ) ): قوله: (( في الجنة ) )يتعلق بـ (( بنى ) )أو هو حال من قوله: (( مثله ) ).
وتعقبه العيني فقال: ليس كذلك وإنما هو متعلق بمحذوف وقع صفة لـ (( مثله ) )والتقدير: بنى الله له مثله كائنًا في الجنة وكيف يكون حالًا من مثله وشرط الحال أن يكون من معرفة كما عرف في موضعه، ولفظ مثل لا يتعرف وإن أضيف. انتهى.
أقول: بنى كلامه في هذا الرد على اشتراط التعريف في صاحب الحال وهذا في حيز المنع لأن صاحب الحال كما يكون معرفة يكون نكرة مخصصة.
قال في (( المغني ) ): لأن النكرة المخصصة كالمعرفة ولا شبهة في أن مثلًا وإن لم تتعرف بالإضافة لكنها تتخصص بها.