وبالسند قال:
453 - (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بنُ نَافِعٍ) : البهراني الحمصي، وسقط للأصيلي: (قَالَ: أَخْبَرنَا شُعَيبٌ) : بن أبي حمزة.
(عَن الزُّهرِي) : محمد بن شهاب (قَالَ: أَخْبَرنِي) : بالإفراد أبو سلمة عبد الله وقيل: إسماعيل (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) : الزهري رضي الله عنه.
قال في (( الفتح ) ): كذا رواه شعيب، وتابعه إسحاق بن راشد عن الزهري أخرجه النسائي ورواه سفيان بن عيينة عن الزهري: (( عن سعيد بن المسيب ) )بدل أبي سلمة.
أخرجه المؤلف في بدء الخلق، وتابعه معمر عند مسلم وإبراهيم بن سعد وإسماعيل بن أمية عند النسائي، وهذا من الاختلاف الذي لا يضر؛ لأن الزهري من أصحاب الحديث.
فالراجح أنه عنده عنهما معًا فكان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، وهذا من جنس الأحاديث التي يتعقبها الدارقطني على الشيخين لكنه لم يذكره فليستدرك عليه. انتهى.
ج 2 ص 239
قال العيني: ومراد البخاري من وضع هذه الترجمة هو الإشارة إلى جواز الشعر المقبول في المسجد، والحديث يدل على هذا الوجه فيقع التطابق بين الحديث والترجمة لا محالة. انتهى.
ومراده بقوله: على هذا الوجه ما قدمه من قوله ولكن البخاري روى هذا الحديث في كتاب بدء الخلق، وفيه التصريح: أنه كان في المسجد فقال: (( حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: مر عمر في المسجد وحسان ينشد فلحظ إليه قال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أجب عني اللهم أيده بروح القدس؟ قال: نعم ) )وهما حديث واحد. انتهى.
أي: فتكون المطابقة للترجمة باعتبار تلك الزيادة التي وقعت في كتاب بدء الخلق.
ثم قال العيني: فإن قلت: لم يصح سماع أبي سلمة ولا سماع سعيد من عمر وهذا إنما كان لما أنكر عمر على حسان قلت: الأمر كذلك لكن يحمل ذلك على أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعد أو من حسان أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى فحضر ذلك سعيد فدل على تعدد الاستشهاد.
غاية ما في الباب هنا أن يكون سعيد أرسل قصة المرور ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة وهو مرفوع موصول بلا تردد. انتهى.
(أَنَّهُ) : أي: أبا سلمة (سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ) : بن المنذر بن حرام (الأَنْصَارِيَّ) : يجوز في حسان إن كان مشتقًا من الحسن الصرف وعدمه إن كان مشتقًا من الحس وهو شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم من فحول الشعراء جاهلية وإسلامًا، وعاش مائة وعشرين سنة نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام، وكذلك أبوه وجده وجد أبيه عمر كل منهم مائة وعشرين سنة.
قال أبو نعيم: لا نعرف أربعة تناسلوا من صلب واحد اتفقت مدة أعمارهم هذا القدر غيرهم مات بالمدينة سنة خمسين.
(يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ) : أي: يطلب منه الشهادة؛ أي: الإخبار فأطلق عليه الشهادة مجازًا مبالغة في تقوية الخبر (أَنْشُدُكَ اللَّهَ) : بفتح الهمزة وضم الشين ونصب الجلالة؛ أي: أسألك بالله.
وقال العيني: معناه سألتك بالله ولا يخفى أن المناسب أسألك ليطابق المفسر المفسر.
قال في (( الصحاح ) ): نشدت فلانًا أنشده نشدًا إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله كأنك ذكرته إياه فنشد؛ أي: تذكر.
وقال ابن الأثير: وتعديته إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت حيث قالوا: نشدتك الله وبالله كما قالوا: دعوتك زيدًا وبزيد، أو لأنهم ضمنوه معنى ذكرت فأما أنشدتك بالله فخطأ. انتهى.
(هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) صلى الله عليه وسلم قال العيني: وفي رواية سعيد: أجب عني.
قال في (( الفتح ) ): فيحتمل أن يكون الذي هنا بالمعنى.
وقال الكرماني: فإن قلت: المراد أجب الكفار عن جهة رسول الله فكيف دلالته عليه إذ الظاهر استعمال أجابه وأجاب عن سؤاله غير ذلك؟
قلت: ضمن معنى الدفع؛ أي: أجب دافعًا عن رسول الله أو لفظ الجهة مقدر فإن قلت: أهو لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟ قلت: يحتمل أن يكون حسان نقل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى وكان أصله أجب عني فعبر حسان عنه بلفظ رسول الله تعظيمًا له وأن يكون نقل لفظه بعينه وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك العبارة تربية للمهابة وتقوية لداعي المأمور كما قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} [آل عمران:159] ، وكما يقول الخليفة أمير المؤمنين: يرسم لك مكان أنا أرسم لك. انتهى.
(اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ) : بفتح الهمزة وتشديد الياء من الأيد وهو القوة؛ أي: قوه (بِرُوحِ الْقُدُسِ) : أي: جبريل عليه السلام بدليل حديث البراء عند المصنف بلفظ: (( وجبريل معك ) )وفيه دليل على استحباب الدعاء لمن قال شعرًا من هذا النوع.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ) : أي: سمعته يقول ذلك، بل روى الترمذي عن عائشة أنها قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب لحسان منبرًا في المسجد فيقوم عليه يهجو الكفار ) ).
فإن قلت: ليس في حديث الباب أن حسانًا أنشد شعرًا في المسجد وحينئذ فلا مطابقة بينه وبين الترجمة؛ لأنه لم يذكر أنه أجاب في المسجد.
وقال ابن بطال: ليس في حديث الباب أن حسانًا أنشد شعرًا في المسجد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لكن رواية البخاري في بدء الخلق من طريق سعيد تدل على أن قوله صلى الله عليه وسلم لحسان: (( أجب عني ) )كان في المسجد، وأنه أنشد فيه ما أجاب به المشركين. انتهى.
قال في (( المصابيح ) ): لكن يتجه السؤال عن وجه عدوله عن الاستشهاد بالصريح إلى غيره، وجوابه أن قصده تشحيذ الأذهان بالإشارات لا ملؤ الصحف بما يسبق إلى أذهان العامة.
ووجه ذلك هنا: أن هذه المقالة منه صلى الله عليه وسلم دالة على أن للشعر حقًا يتأهل به صاحبه لأن يؤيد في النطق به بالملائكة وما هذا شأنه يجوز قوله في المسجد قطعًا والذي يحرم إنشاده فيه ما كان من الباطل المنافي لما اتخذت له المساجد من الحق، هذا معنى كلام ابن المنير وهو حسن. انتهى.
قال العيني: وقد اختلف العلماء في جواز إنشاد الشعر
ج 2 ص 240
مطلقًا، فقال الشعبي وعامر بن سعد البجلي، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب، والقاسم، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء ولا نكت عرض من المسلمين ولا فحش.
وقال مسروق بن الأجدع، وإبراهيم النخعي، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري، وعمرو بن شعيب: يكره رواية الشعر وإنشاده، واحتجوا في ذلك بحديث عمر بن الخطاب مرفوعًا قال: (( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا ) )، وما شاكل ذلك من الأحاديث.
وأجاب الأولون عن هذا وقالوا: هذه الأحاديث إنما وردت على خاص من الشعر وهو أن يكون فيه فحش وخناء. انتهى ملخصًا.
وملخص ما قال الجمهور في ذلك: ما ذكره القاضي زكريا في شرحه المسمى بـ (( منحة الباري ) ): والحاصل أن إنشاد الشعر جائز بلا كراهة إن كان حقًا، ومكروه كراهة تحريم إن كان باطلًا، ومكروه كراهة تنزيه إذا غلب عليه الاشتغال به عن القرآن والذكر. انتهى.
وهذا كله إذا لم يكن الشعر هجاء لمسلم ولم يكن تغزلًا في أجنبية معينة أو في امرؤ معين، وإلا فيحرم مطلقًا سواء كان في مسجد أو غيره وفي المسجد أقبح.