وبالسند قال:
457 - (حَدَّثَنَا) : بالجمع، ولابن عساكر: بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) : المسندي الجعفي (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) : _ بضم العين _ البصري العبدي (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) : بن يزيد الأيلي (عَنِ) : ابن شهاب.
(الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) : الأنصاري السَّلمي _ بفتح السين _ المدني (عَنْ) : أبيه (كَعْبٍ) : الشاعر أحد الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك (أَنَّهُ تَقَاضَى) : أي: طالب، يتعدى لمفعول واحد وهو هنا.
(ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) : فقوله: (دَيْنًا) : منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدين قاله الكرماني أي: لا يتقاضى؛ لأنه مطاوع قاضي المتعدي لاثنين.
وقد ذكر أهل التصريف: أن تفاعل ينقص عن فاعل مفعولًا واحدًا فإن كان فاعل متعديًا لواحد صار بعد نقله إلى تفاعل لازمًا نحو ضارب زيد عمرًا وتضارب زيد وعمرو وإن كان فاعل متعديًا لاثنين صار بعد نقله إليه متعديًا لواحد كما هنا وكما في قولك: جاذبته الحديث وتجاذبنا الحديث.
وابن أبي حدرد بمهملات هو عبد الله بن سلامة الأسلمي يكنى أبا محمد صحابي على الأصح مات سنة إحدى وسبعين.
قال ابن عبد البر: واختلف في اسم أبي حدرد فقيل: سلامة بن عمير، وقال أحمد بن حنبل: أن اسمه عبد الله يعد في أهل الحجاز روى عنه ابنه عبد الله ومحمد بن إبراهيم التيمي وأبو يحيى الأسلمي وهو في الأصل القصير.
قال الجوهري وغيره: لم يأت من الإسماعيلي قطع بتكرير العين غير حدرد.
(كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) : جملة في محل النصب صفة لـ (( دينًا ) )؛ أي: كان لكعب على ابن أبي حدرد وكان الدين أوقيتين كما أخرجه الطبراني من طريق الزهري عن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه وهو ملازم رجلًا في أوقيتين فقال له النبي هكذا؛ أي: (( ضع الشطر فقال الرجل: نعم يا رسول الله فقال: أد إليه ما بقي من حقه ) ).
(فِي الْمَسْجِدِ) : النبوي متعلق بتقاضي (فَارْتَفَعَتْ) : أي: علت (أَصْوَاتُهُمَا) : الجمع فيه كما في قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4] أو باعتبار أنواع الصوت (حَتَّى سمعهما) : أي: الرجلين على حذف مضاف؛ أي: صوتيهما، ولغير الأصيلي وأبي ذر: ؛ أي: الأصوات.
(رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ فِي بَيْتِهِ) : جملة حالية (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) : عليه الصلاة والسلام، وللأعرج فمر بهما ولا تعارض بينهما لاحتمال أنه خرج لأجلهما فمر بهما.
قال في (( الفتح ) ): وجمع
ج 2 ص 245
بعضهم بينهما باحتمال أن يكون مر بهما أولًا ثم إن كعبًا أشخص خصمه للمحاكمة فسمعهما النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا وهو في بيته.
قلت: وفيه بعد؛ لأن في الطريقين أنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى كعب بالوضيعة وأمر غريمه بالقضاء فلو كان أمره بذلك تقدم لهما لما احتاج إلى الإعادة والأولى فيما يظهر لي أن يحمل المرور على أمر معنوي لا حسي. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: الذي استبعد هنا فقد أبعد؛ لأن إعادته لذلك قد تكون للتأكيد؛ لأن الوضيعة أمر مندوب والتأكيد فيها مطلوب ثم قال: هذا القائل والأولى فيما يظهر لي أن يحمل المرور على أمر معنوي لا حسي.
قلت: إن أراد بالأمر المعنوي الخروج ففيه إخراج اللفظ عن معناه الأصلي بلا ضرورة والأولى أن يكون اللفظ على معناه الحقيقي، ويكون المعنى أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع صوتهما خرج من البيت لأجلهما ومر بهما والأحاديث يفسر بعضها بعضًا ولا سيما في حديث واحد روي بوجوه مختلفة. انتهى.
(حَتَّى كَشَفَ) : بفتحات (سِجْفَ) : بكسر السين وتفتح وسكون الجيم؛ أي: ستر (حُجْرَتِهِ) : وقال العيني: قال ابن سيده: هو الستر وقيل: هو الستران المقرونان بينهما فرجة وكل باب ستر بسترين مقرونين فكل شق منه سجف والجمع أسجاف وسجوف والتسجيف إرخاء السجف، زاد في (( المخصص ) )و (( الجامع ) )وبيت مسجف.
وفي (( الصحاح ) )أسجفت الستر أي: أرسلته.
(فَنَادَى) : عليه السلام (يَا كَعْبُ قَالَ) : كعب (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) : تثنية لب بمعنى الإقامة والمراد منه التكثير أي: أنا مقيم على إجابتك وطاعتك إقامة بعد إقامة (فقال) صلى الله عليه وسلم (ضَعْ) : أي: حط (مِنْ دَيْنِكَ هَذَا) : عن صاحبه أي: حط بعض دينك هذا كقوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} [نوح:4] .
قال البيضاوي: أي: بعض ذنوبكم فيكون اسم الإشارة نعتًا لدينك.
(وَأَوْمَأَ) : بهمزة في أوله وآخره (إِلَيْهِ) : أي: إلى كعب (أي: الشَّطْرَ) : تفسير للبعض الذي دل عليه قوله من دينك، وقال العيني: أي: الشطر تفسير لقوله: هذا؛ أي: ضع عنه الشطر؛ أي: النصف وجاء لفظ النصف مصرحًا به في رواية الأعرج على ما يجيء وهو منصوب لأنه تفسير للمنصوب وهو قوله هذا لأنه منصوب بقوله ضع. انتهى.
وهو في ذلك تابع للكرماني.
وفيه: جواز الاعتماد على الإشارة وأنها تقوم مقام النطق إذا فهمت لدلالتها عليه.
(قَالَ) : كعب (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) : ما أمرت به فيه التأكيد بالقسم الدالة عليه اللام، وقد الدالة على التحقيق مبالغة في امتثال أمره وفي كلام بعضهم أن من جملة المؤكدات التعبير بالماضي عن المستقبل.
وهذا يقتضي أن الفعل مستقبل عبر عنه بالماضي وأن الأصل سأفعل وليس كذلك لأنه فعل الحط حقيقة وأخبر عنه؛ لأنه ترك بعض حقه ووقع ذلك عقب إشارة الرسول فهو ماض لفظًا ومعنى ويجوز أن يكون قوله قد فعلت إنشاء كبعت فلا يكون خبرًا لا ماضيًا ولا مستقبلًا فتأمل.
(قَالَ) : عليه السلام لابن أبي حدرد (قُمْ فَاقْضِهِ) : أمران للوجوب والقرينة تقتضي فورية القضاء للحط وأنه لا يجتمع الحط والتأجيل؛ لأن رب الدين يتضرر بالوضيعة والمطل.
قال في (( الفتح ) ): فإن قيل: التقاضي ظاهر من حديث الباب دون الملازمة أجاب بعض المتأخرين فقال: كأنه أخذه من كون ابن أبي حدرد لزم خصمه [1] في وقت التقاضي فكأنهما كانا ينتظران النبي صلى الله عليه وسلم ليفصل بينهما. قال: فإذا جازت الملازمة في حال الخصومة فجوازها بعد ثبوت الحق عند الحاكم أولى. انتهى.
قلت: والذي يظهر لي من عادة تصرف البخاري أنه أشار بالملازمة إلى ما ثبت في بعض طرقه وهو ما أخرجه هو في: باب الصلح وغيره من طريق الأعرج: عن عبد الله بن كعب، عن أبيه أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي مال فلقيه فلزمه فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما. ويستفاد من هذه الرواية أيضًا تسمية ابن أبي حدرد ونسبته. انتهى.
قال العيني: وفي الحديث جواز المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة بالديون قاله ابن
ج 2 ص 246
بطال.
وفيه دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش لعدم الإنكار منه صلى الله عليه وسلم وقد أفرد له البخاري بابًا يأتي عن قريب.
فإن قلت: قد ورد أحاديث تدل على منع رفع الصوت في المسجد قلت: أجيب بأنها أحاديث ضعيفة فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض. ولكن هذا الجواب لا يعجبني؛ لأن الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخرجها والأولى أن يقال أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش.
وقال مالك: لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينًا وأما التجارة والصرف فلا أحبه.
وفيه جواز الاعتماد على الإشارة لقوله هكذا؛ أي: الشطر وأنها بمنزلة الكلام إذا فهمت لدلالتها عليه.
وفيه: إشارة الحاكم إلى الصلح على جهة الإرشاد.
وفيه: الملازمة في الاقتضاء.
وفيه الشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم وحسن التوسط بينهم.
وفيه: قبول الشفاعة في غير معصية.
وفيه: إسبال الستور عند الحجرة. انتهى.
ونقل عن الإمام مالك منع رفع الصوت في المسجد مطلقًا وعنه التفرقة بين رفع الصوت في العلم والخير وما لا بد منه فيجوز وما لا فلا.
وقال المهلب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لما تركهما النبي صلى الله عليه وسلم ولبين لهما ذلك.
وأجاب في (( الفتح ) )بأن لمن منع ذلك أن يقول لعله تقدم نهيه عن ذلك فاكتفى به واقتصر على الصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت. انتهى.
والحديث أخرجه المؤلف في الصلح والملازمة، ومسلم في البيوع، وأبو داود والنسائي في القضاء، وابن ماجه في الأحكام.
[1] في هامش المخطوط قوله: (( لزم خصمه كذا رأيناه في عدة نسخ ولعل صواب العبارة قاله خصمه ) ).