وبالسند قال:
458 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) : بالموحدة آخره الأزدي الواشحي بشين معجمة ثم حاء مهملة البصري قاضي مكة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) : بن درهم الأزدي الحمصي البصري (عَنْ ثَابِتٍ) : البناني (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) : نُفَيع _ بضم النون وفتح الفاء _ الصائغ التابعي لا الصحابي.
قال في (( الفتح ) ): هو تابعي كبير، ووهم بعض الشراح، فقال: إنه أبو رافع الصحابي.
وقال: هو من رواية صحابي عن صحابي. وليس كما قال فإن ثابتًا البناني لم يدرك أبا رافع الصحابي.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) .
قال في (( الفتح ) ): الشك فيه من ثابت؛ لأنه رواه عنه جماعة هكذا، أو من أبي رافع، وسيأتي بعد باب من وجه آخر عن حماد بهذا الإسناد قال: ولا أراه إلا امرأة ورواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فقال: (( امرأة سوداء ) )ولم يشك.
ورواه البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن بريدة عن أبيه: (( فسماها أم محجن ) )وأفاد أن الذي أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق.
وذكر ابن منده في الصحابة: (( خرقاء امرأة سوداء كانت تقم المسجد ) )وقع ذكرها في حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس، وذكرها ابن حبان في الصحابة بذلك بدون ذكر السند، فإن كان محفوظًا فهذا اسمها وكنيتها أم محجن. انتهى.
(كَانَ يَقُمُّ) : بضم القاف؛ أي: يكنس (الْمَسْجِدَ) : ويرفع القمامة؛ أي: الزبالة منه. قال في (( المصابيح ) ): حذف أو كانت تقم المسجد للدلالة عليه. انتهى.
أقول: وكذلك ما بعده من الضمائر المذكرة يقدر بعدها مثل ذلك ولك أن تجعل تذكير الضمير بتأويل المذكور أو الشخص فتستغني عن ذلك، واستشكل بأنه ليس في الحديث ما يطابق التقاط الخرق
ج 2 ص 247
وما عطف عليها.
وأجاب الكرماني: بأنه يعلم حكمه بالقياس على الكنس والجامع بينهما التنظيف.
وقال في (( الفتح ) ): والذي يظهر لي من تصرف البخاري أنه أشار بكل ذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا، ففي طريق العلاء المتقدمة: (( كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد ) ).
وفي حديث بريدة المتقدم: (( كانت مولعة بلقط القذى من المسجد ) )، ثم قال وتكلف من لم يطلع على ذلك فزعم أن حكم الترجمة يؤخذ من إتيان النبي صلى الله عليه وسلم القبر حتى صلى عليه، قال: فيؤخذ من ذلك الترغيب في تنظيف المسجد. انتهى.
(فَمَاتَ) : أي: أو ماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ) : أو عنها الصحابة فالمفعول محذوف (فَقَالُوا) : أي: المسؤولون منهم (مَاتَ) : أي: أو ماتت، وفي رواية البيهقي: أن الذي أجاب النبي صلى الله عليه وسلم الصديق.
(قَالَ) : ولأبوي ذر والوقت: (أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ) : قال الكرماني وتبعه العيني والقسطلاني: لا بد من مقدر بعد الهمزة؛ أي: إذا دفنتم فلا كنتم أعلمتموني بموته بهمزة واحدة قبل ذال إذا.
والظاهر أنه سقط من قلم الناسخ إحدى الهمزتين في الشروح الثلاثة وإلا فالصواب أإذا بهمزتين إحداهما همزة الاستفهام والأخرى التي من بنية الكلمة والأولى مفتوحة والثانية مكسورة على أنه يتراءى عدم مناسبة تقدير: إذا دفنتم؛ لأن ما بعد الهمزة في حيز الإنكار أو التوبيخ والدفن ليس واحدًا منهما فالمناسب نحو أأخفيتم أو كتمتم عني فلا آذنتموني كقوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا} [الزخرف:5] .
فإنهم قدروا أنهملكم فنضرب وهذا على رأي الزمخشري ومن وافقه من تقدير معطوف عليه لحرف العطف.
ومذهب الجمهور أن الهمزة قدمت من تأخير تنبيهًا على أصالتها في التصدير وقد بسط ذلك في (( المغني ) )وقال: أن ما ذهب إليه الزمخشري غير مطرد وأنه اضطر في بعض المواضع إلى موافقة الجمهور وسبب عدم إيذانه صلى الله عليه وسلم ما ذكره المصنف في الجنائز أنهم حقروا شأنه.
ولابن خزيمة: (( قالوا: مات في الليل فكرهنا أن نوقظك ) )، زاد مسلم من طريق حماد بهذا الإسناد في آخره: (( ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم ) )ولم يخرج البخاري هذه الزيادة؛ لأنها مدرجة في الإسناد من مراسيل ثابت كما نبه على ذلك أصحاب حماد بن زيد.
وقال البيهقي: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت أو من رواية ثابت عن أنس ووقع في (( مسند الطيالسي ) )عن ثابت بهذه الزيادة وزاد بعدها: (( فقال رجل من الأنصار إن أبي أو أخي مات أو دفن فصل عليه فانطلق معه رسول الله ) )الحديث.
(دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ قَبْرِهَا) : بالشك كما تقدم (فَأَتَى) صلى الله عليه وسلم (قَبْرَهُ) : ولابن عساكر: (فَصَلَّى عَلَيْهِ) : وفي نسخة: .
وفي (( صحيح ابن حبان ) )من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت قال: (( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما ورد البقيع إذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقيل: فلانة فعرفها وقال: ألا آذنتموني بها فإن صلاتي عليه رحمة له، ثم أتى القبر فصفنا خلفه فكبر عليه ) ).
قال مغلطاي: هذا يحتاج إلى تأمل؛ لأن يزيد قتل باليمامة سنة ثنتي عشرة وخارجة توفي سنة مائة أو أقل وسنه سبعون فلا يتجه سماعه منه بحال كذا في العيني وفي القسطلاني.
وزاد الطبراني من حديث ابن عباس: (( وقال: إني رأيتها في الجنة تلقط القذى من المسجد ) ). انتهى.
وهذا مشكل؛ لأن رؤيته صلى الله عليه وسلم لها إنما كانت بعد موتها والالتقاط كان في حياتها.
ووجد على هامش نسخة معزوًا للعجيمي ما نصه: قوله تلقط كذا في النسخ بالتاء الفوقية ولعله بلقط بالباء الموحدة؛ أي: بسبب لقطها. انتهى.
وأقول: يمكن أن يكون مثل له حالها كما مثل له ليلة المعراج حال تاركي الصلاة والزناة وأكلة الربا ونحوهم فليتأمل.
قال ابن بطال: فيه الحض على كنس المساجد وتنظيفها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، إنما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك.
ثم قال: وفيه خدمة الصالحين ولعله بالقياس على خدمة المسجد.
وفيه: السؤال عن الخادم والصديق إذا غاب.
وفيه: المكافأة بالدعاء والترحم على من نصب نفسه لنفع المسلمين ومصالحهم.
قال الكرماني: وفيه أن على الراوي التنبيه على شكه فيما رواه مشكوكًا.
وفيه: الترغيب في شهود جنائز الصالحين.
وفيه: جواز الصلاة على القبر وأنها لا تجوز على من دفن إلا عند حضور قبره.
قال العيني: وهي مسألة خلافية جوزه طائفة منهم: علي، وأبو موسى،
ج 2 ص 248
وابن عمر، وابن مسعود، وعائشة رضي الله عنهم وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ومنعه النخعي، والحسن البصري، والثوري وهو قول أبي حنيفة، والليث، ومالك، ومنهم من قال: إنها تجوز إذا لم يصل الولي ثم اختلف من قال بالجواز إلى كم يجوز فقيل: إلى شهر وقيل: ما لم يبل وقيل: أبدًا. انتهى.
وفيه استحباب الإعلام بالموت ولعل ذلك مستند ما يفعله أهل زماننا من الإعلام بموت العلماء ونحوهم في المنارات.