وبالسند قال:
461 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) : ابن راهويه (قَالَ: أَخْبَرَنَا) : وللأصيلي: (رَوْحٌ) : بفتح الراء، بن عُبادة _ بضم العين _ (وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) : المشهور بغندر كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) : بن الحجاج.
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) : بكسر الزاي وتخفيف التحتية، القرشي الجمحي مولى عثمان بن مظعون (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ إِنَّ عِفْرِيتًا) : بكسر العين وسكون الفاء، وزنه فعليت وهو من الجن المارد القوي.
وفي (( القاموس ) ): العفريت والعفرين وتشدد راؤه مع كسر الفاء النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء وفي القرآن: {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ} [النمل:39] وقرئ عفرية.
قال في (( الصحاح ) ): إذا سكنت الياء صيرت الهاء تاء وإذا حركتها فالتاء هاء في الوقف من الجن صفة لعفريت وبيان له.
قال ابن سيده: الجن نوع من العالم والجمع جنان وهم الجنة والجن منسوب إلى الجن أو الجنة والجنة طائفة الجن وأرض مجنة كثيرة الجن والجان أبو الجن وهو اسم جمع. انتهى.
وقوله: (مِنَ الْجِنِّ) صفة مبينة لعفريت إن كان لا يطلق إلا على الجن ومخصصة إن كان يطلق على القوي مطلقًا.
وقال العيني: اعلم أن الموجود الممكن الذي ليس بمتحيز ولا صفة للمتحيز هو الأرواح وهي إما سفلية أو علوية فالسفلية إما خيرة وهم صالحو الجن أو شريرة وهم مردة الشياطين والعلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية أو غير متعلقة بالأجسام وهي الأرواح المطهرة المقدسة. انتهى.
وأقول: الظاهر أن هذا التقسيم مبني على مذهب الحكماء لأن أهل الكلام لا يثبون للأفلاك أرواحًا لعدم ورود الشرع بذلك والملائكة عندهم أجسام نورانية وليس أرواحًا مجردة كما هو مقتضى كلامه.
(تَفَلَّتَ) : بالفاء وتشديد اللام.
قال في (( الفتح ) ): أي: تعرض فلتة؛ أي: بغتة.
وقال القزاز: يعني توثب.
وقال الجوهري: أفلت الشيء فانفلت وتفلت بمعنى.
(عَلَيَّ) : بتشديد الياء (الْبَارِحَةَ) : ظرف لتفلت.
قال صاحب (( المنتهى ) ): كل زائل بارح ومنه سميت البارحة، وهي أدنى ليلة زالت عنك.
وفي (( القاموس ) ): أقرب ليلة مضت.
(أَوْ) : قال صلى الله عليه وسلم (كَلِمَةً) : أي: جملة (نَحْوَهَا) : أي: نحو تفلت.
قال في (( الفتح ) ): قال الكرماني: الضمير راجعٌ إلى البارحة أو إلى جملة تفلت علي البارحة.
قلت: رواه شبابة عن شعبة بلفظ: (( عرض لي فشد علي ) )أخرجه المصنف في أواخر الصلاة، وهو يؤيد الاحتمال الثاني.
ووقع في رواية عبد الرزاق: (( عرض لي في صورة هر ) )ولمسلم من حديث أبي الدرداء: (( جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي ) ).
وللنسائي من حديث عائشة: (( فأخذته فصرعته فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي ) )وفهم ابن بطال وغيره منه: أنه كان حين عرض له غير متشكل بغير صورته الأصلية فقال: إن رؤية الشيطان على صورته التي خلق عليها خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما غيره من الناس فلا لقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف:27] . انتهى.
(لِيَقْطَعَ) : بفتح التحتية والطاء وسكون القاف، بفعله (عَلَيَّ) : بتشديد الياء (الصَّلاَةَ) : لم يقع في شيء من الشروح التي رأيناها تعيين تلك الصلاة والأقرب أنها من نافلة الليل؛ لأن المكتوبات كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم جماعة.
(فَأَمْكَنَنِي) : بنونين الأولى لام الفعل والثانية للوقاية (اللَّهُ مِنْهُ) : وذلك بما تقدم في حديث عائشة من قوله: (( فأخذته فصرعته ) )الحديث.
(فَأَرَدْتُ) : بالفاء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: بالواو (أَنْ أَرْبِطَهُ) : بكسر الموحدة الخفيفة وتضم.
(إِلَى سَارِيَةٍ) : أي: معها كقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء:2] وهي الأسطوانة (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) النبوي، وهي الآن على ما ذكره العلامة القليوبي في (( رسالة ) )له: مائتان وستة وتسعون أسطوانة.
(حَتَّى تُصْبِحُوا) : أي: تدخلوا في الصباح فهي هنا تامة (وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ) : توكيد للضمير المرفوع.
قال ابن الملقن: وهل كانت إرادته لربطه بعد تمام الصلاة أو فيها؛ لأنه يسير احتمالان (فَذَكَرْتُ) : أي: تذكرت (قَوْلَ أَخِي) : في النبوة (سُلَيْمَانَ) : بن داود عليهما السلام ( {رَبِّ اغفر لي وهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص:35] ) .
قال في (( الفتح ) ):
ج 2 ص 251
كذا في رواية أبي ذر وفي بقية الروايات هنا رب هب لي. قال الكرماني: لعله ذكره على طريق الاقتباس لا على قصد التلاوة.
قلت: ووقع عند مسلم كما في رواية أبي ذر على نسق التلاوة فالظاهر أنه تغيير من بعض الرواة.
قال في (( المصابيح ) ): يشير إلى أنه لم يرد مزاحمته فيما أعطيه فتركه مع القدرة عليه قال القسطلاني وزاد في (( حاشية الفرع وأصله ) )بعد قوله: من بعدي مما ليس به رقم علامة أحد من الرواة إنك أنت الوهاب.
(قَالَ رَوْحٌ) : بسنده السابق منفردًا عن رفيقه محمد بن جعفر فهو موصول لا معلق كما جزم به العيني خلافًا لما في الكرماني من التردد في كونه موصولًا أو معلقًا ثم استظهر كونه موصولًا.
(فَرَدَّهُ) : أي: رد النبي صلى الله عليه وسلم العفريت حال كونه (خَاسِئًا) : أي: مطرودًا مبعدًا متحيرًا ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر الذليل، ويحتمل أن يكون فاعل رده هو الله تعالى ويؤيده رواية مسلم من طريق النضر عن شعبة بلفظ فرده الله خاسئًا، ويؤيد الأول رواية المصنف في أحاديث الأنبياء لكن عن محمد بن جعفر وحده فرددته خاسئًا.
وأقول: لا تنافي بين هذه الروايات؛ لأن المراد بحسب الظاهر النبي صلى الله عليه وسلم وبحسب الحقيقة هو الله تعالى كقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} [الأنفال:17] وليس في الحديث ربط الغريم.
لكن قال الكرماني وغيره: إنه يؤخذ من القياس على ربط الأسير، قال الخطابي: وفيه دليل على أن رؤية البشر للجن غير مستحيلة والجن أجسام لطيفة والجسم وإن لطف فدركه غير ممتنع أصلًا.
وأما قول الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف:27] فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم امتحنهم الله تعالى بذلك وابتلاهم ليفزعوا إليه ويستعيذوا به من شرهم ويطلبوا الأمان من غائلتهم، ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده؛ بخلاف ذلك.
وقال الكرماني: أقول: لا حاجة إلى هذا التأويل إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا إذ المفاد منها أن رؤيتهم إيانا مقيدة بهذه الحيثية فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا فقط وتجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت. انتهى.
أقول: ويؤيده ما في البيضاوي حيث قال: ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا. انتهى.
لكن في قوله: وتمثلهم لنا نظر؛ لأن الخلاف إنما هو في رؤيتهم على صورهم الأصلية وأما التمثل في صورة أخرى فلا نزاع فيه.
وفي العيني: ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ} [الأعراف:27] الآية؛ لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته في صورة حية فقتله فمات الرجل به وبين ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: (( إن بالمدينة جنًا قد أسلموا فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا فإن بدا لكم فاقتلوه ) ).
رواه الترمذي والنسائي في (( اليوم والليلة ) )من حديث أبي سعيد الخدري، ثم اعلم أن الجن يتطورون في صور شتى ويتصورون في صورة الإنس والبهائم والحيات والعقارب والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وفي صور الطير.
وقال القاضي أبو يعلى: لا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إذا فعله وتكلم به نقله الله من صورة إلى صورة أخرى.
وأما أن يصور نفسه فذلك محال؛ لأن انتقالها من صورة إلى صورة ينقض البنية ويفرق الأجزاء وإذا انتقضت بطلت الحياة والقول في تشكل الملائكة كذلك. انتهى.
وأقول: ما قاله أبو يعلى لا يتصور فيه نزاع لأحد من أهل السنة فمن لا قدرة له على فعل من أفعال نفسه كيف يقدر على تصوير نفسه في صورة أخرى على خلاف ما يشعر به كلام العيني من أنه قول انفرد به.
والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة والتفسير، وأحاديث الأنبياء وصفة إبليس، ومسلم في الصلاة والنسائي في التفسير.