وبالسند قال:
465 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) : بالمثلثة المفتوحة والنون المشدة المفتوحة (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) : الدستوائي (قَالَ: حَدَّثَنِي) : بالإفراد (أَبِي) هشام المذكور (عَنْ قَتَادَةَ) : بن دعامة السدوسي الأعمى البصري.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ) : وللأصيلي: (( أنس بن مالك ) ) (أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) : وفي نسخة: (( من أصحاب رسول الله ) ) (صلى الله عليه وسلم) : هما عباد بن بشر وأسيد بن حضير كما عند المصنف في المناقب.
وقال السفاقسي: عباد بن بشر وعويم بن ساعدة.
قال الكرماني: وكان عباد من فضلاء الصحابة وقتل يوم اليمامة وأسيد بصيغة التصغير فيه وفي أبيه.
(خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) : أي: بعد ما كانا معه في المسجد (فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) : بكسر اللام، من أظلم الليل (وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ) : أي: نور كنور المصباحين والجملة حالية مرتبطة بالواو والضمير.
(يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا) : يضيء يجيء لازمًا ومتعديًا كقوله تعالى: {أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ} [البقرة:17] والأقرب هنا اللزوم، ويجوز أن يكون متعديًا والمفعول به محذوف؛ أي: يضيآن الطريق بين أيديهما وهذه كرامة لهما ببركة نبيهما آية له _ عليه السلام _ إذ خص بعض أتباعه بمثل هذه الكرامة عند حاجتهم للنور.
وفيها إظهار سر قوله: (( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) )، فعجل لهما بعض ما ادخر لهما في الآخرة.
(فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) : نور (وَاحِدٌ) : يضيء له وحده فقوله: (( واحد ) )اسم صار قدم عليه خبرها.
وقال العيني: وارتفاعه على أنه فاعل صار وفيه نظر؛ لأنها ناقصة اللهم إلا أن يقال: إنه أطلق عليه أنه فاعل مجازًا.
(حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ) : أي: منزل أهله غاية لقوله: (( صار ) ).
قال الكرماني: وكان البخاري يصلح له أن يترجم لهذا الحديث بباب قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور:40] يشير إلى أن الآية عامة في معناها لاسيما وقد ذكر الله النور في المشكاة {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ} [النور:36] .
ويستدل: بأن الله تعالى يجعل لمن يسبح في تلك المساجد نورًا في قبورهم وفي جميع أعضائهم وبين أيديهم وخلفهم في الدنيا والآخرة فهما مما جعل لهما من النورين بين أيديهما يستضيآن به في ممشاهما مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) ).
فعجل لهما منه في الدنيا ليزدادا إيمانًا بالنبي صلى الله عليه وسلم ويوقنا أن ذلك مما وعدهم الله به من النور الذي بين أيديهم يوم القيامة برهانًا لمحمد صلى الله عليه وسلم على صدق ما وعد به أهل الإيمان الملازمين للبيوت التي أذن الله أن ترفع. انتهى.
وقال العيني:
ج 2 ص 257
وفي الحديث دلالة ظاهرة لكرامات الأولياء، وفيه رد على من ينكر ذلك، وقد وقع مثل هذا قديمًا وحديثًا:
أما قديمًا: فمن ذلك ما ذكره ابن عساكر وغيره عن قتادة بن النعمان: (( أنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عرجون فأضاء العرجون ) ).
وفي (( دلائل البيهقي ) )من حديث ميمون بن زيد عن أبي عبس: (( حدثني أبي أن أبا عبس كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات ثم يرجع إلى بني حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة فنورت له عصاه حتى دخل دار بني حارثة ) ).
ومن حديث كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة عن عمرة الأسلمي، عن أبيه قال: (( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفرنا في ليلة مظلمة فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير، وفي لفظ نفرت دوابنا ونحن في مشقة ) )الحديث.
وأما حديثًا: فمن ذلك ما ثبت بالتواتر عن جماعة من طلبة العلم الثقات أنهم كانوا مع الشيخ العلامة حسام الدين الرهاوي أحد مشايخي الذين انتفعت بهم وهو مصنف (( درر البحار ) )وغيره في وليمة بمدينة عنتاب في ليلة مظلمة شاتية.
فلما تفرقوا أراد جماعة أن ينوروا على الشيخ إلى باب داره لشدة الظلمة فما رضي بذلك فرجعوا وتبعه جماعة من بعد فقالوا وهم يحلفون: أنهم شاهدوا نورين عظيمين مثل الفوانيس أحدهما عن يمين الشيخ والآخر عن يساره فلم يزالا معه إلى أن وصل إلى باب داره فلما فتح الباب ودخل الشيخ ارتفع النوران. انتهى.
وأخرجه المؤلف أيضًا في علامات النبوة وفي مناقب أسيد بن حضير وعباد بن بشر.