فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 1465

وبالسند قال:

466 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) : بكسر السين المهملة ثم نونين بينهما ألف (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) : بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة، ابن سليمان (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) : بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالم بن أبي أمية (عَنْ عُبَيْدِ) : الله.

(بْنِ حُنَيْنٍ) : بالتصغير فيهما أبي عبد الله المدني المتوفى بالمدينة سنة مائة وخمس (عَنْ بُسْرِ) : بضم الموحدة وإسكان المهملة (بْنِ سَعِيدٍ) : بكسر العين، المدني العابد مولى بن الحضرمي توفي بالمدينة سنة مائة.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) : وهذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية أبي ذر والأصيلي: (( عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد الخدري ) )بإسقاط بسر بن سعيد.

قال في (( الفتح ) ): وهو صحيح في نفس الأمر لكن محمد بن سنان إنما حدث به كالذي وقع في بقية الروايات.

فقد نقل ابن السكن عن الفربري عن البخاري أنه قال: هكذا حدث محمد بن سنان وهو خطأ، وإنما هو عن عبيد بن حنين وعن بسر بن سعيد يعني بواو العطف، فعلى هذا يكون أبو النضر سمعه من شيخين حدثه كل منهما به عن أبي سعيد.

وقد رواه مسلم كذلك عن سعيد بن منصور،

ج 2 ص 258

عن فليح، عن أبي النضر، عن عبيد وبسر جميعًا، عن أبي سعيد وتابعه يونس بن محمد، عن فليح أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عنه.

ورواه أبو عامر العقدي، عن فليح، عن أبي النضر، عن بسر وحده، أخرجه المصنف في مناقب أبي بكر فكأن فليحًا كان يجمعهما مرة ويقتصر مرة على أحدهما.

وقد رواه مالك عن أبي النضر عن عبيد وحده عن أبي سعيد أخرجه المصنف أيضًا في الهجرة.

وهذا مما يقوي أن الحديث عند أبي النضر عن شيخين ولم يبق إلا أن محمد بن سنان أخطأ في حذف الواو العاطفة مع احتمال أن يكون الخطأ من فليح حال تحديثه له به.

ويؤيد هذا الاحتمال: أن المعافى بن سليمان الحراني رواه عن فليح كرواية محمد بن سنان، وقد نبه المصنف على أن حذف الواو خطأ فلم يبق للاعتراض عليه سبيل.

قال الدارقطني: رواية من رواه عن أبي النضر عن عبيد عن بسر غير محفوظة. انتهى.

ومراده بذلك الاعتراض على المؤلف وهو مندفع بتنبيه المصنف: على أن حذف الواو خطأ.

(قَالَ) : أي: أبو سعيد الخدري رضي الله عنه (خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) : أي: في مرضه الذي توفي فيه كما يفيده حديث ابن عباس الآتي (فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ) : سبحانه (خَيَّرَ عَبْدًا) : أي: أطلق له أن يختار ما يحب لنفسه ومراده بالعبد المخير نفسه ولكن أورده منكرًا مبهمًا على السامعين ليظهر فضل من يتفطن لذلك من أهل الفهم والمعرفة على غيره.

(بَيْنَ الدُّنْيَا) : أي: البقاء فيها إلى وقت يرى فيه ما وعده الله تعالى من الفتوحات على أمته (وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) : أي: الله تعالى مما أعد له في الدار الآخرة من الإكرامات وسني المقامات.

(فَاخْتَارَ) : ذلك العبد (مَا عِنْدَ اللَّهِ) : سقط عند الأصيلي وابن عساكر قوله: (( فاختار ما عند الله ) )وضرب عليه عند أبي الوقت.

(فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وللأصيلي زيادة: وقوله: (فَقُلْتُ فِي نَفْسِي) : إلى قوله: أعلمنا من كلام أبي سعيد الخدري (مَا) : استفهامية مبتدأ وقوله: (يُبْكِي) : بضم أوله، من الإبكاء خبره.

(هَذَا الشَّيْخَ) : في محل النصب مفعولًا لـ (( يبكي ) )، وقول القسطلاني نصب على المفعولية فيه مسامحة؛ لأنه مبني (إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا) : كذا في رواية الأكثرين بكسر همزة (( إن ) )وهي الشرطية وجزاؤها محذوف يدل عليه السياق؛ أي: أي شيء يجعل هذا الشيخ باكيًا إن كان الله خير عبدًا له بين الدنيا وبين ما عنده.

وتقدير الجزاء فما يبكيه لدلالة ما يبكي عليه كقولك: أقوم إن قام زيد، وهذا معنى قول الكرماني: والجواب محذوف يدل عليه السياق.

وقول العيني: قلت: لا حاجة إلى هذا بل الجزاء قوله: (( فاختار ما عند الله ) ).

فيه نظر إذ يصد عنه أمران بعده عن السوق واقترانه بالفاء؛ لأن الجزاء إذا كان فعلًا ماضيًا لا يقترن بالفاء؛ لأنه يصلح لمباشرة الأداة.

ثم رأيت صاحب (( المصابيح ) )جنح إلى ذلك فقال: والجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم ففيه ورود الشرط مضارعًا مع حذف الجواب، وللكشميهني: (( إن يكن لله عبد خير ) )ببناء خير للمجهول.

وفي (( المصابيح ) ): ووقع في بعض النسخ: (( إن يكون الله خير عبدًا وإن يكن الله عبدًا خير ) )بتقديم المفعول مع كسر إن وفتحها. انتهى. ولم يتعرض لتوجيهها.

وأقول: توجيه رواية: (( إن يكون ) )على حذف لام التعليل قبل أن المصدرية؛ أي: لأن يكون الله خير عبدًا، وأما رواية: (( إِن يكن الله عبدًا خير ) )بكسر همزة إن فهي إن الشرطية وجوابها مدلول عليه بالسوق _ كما تقدم _، وأما رواية: فتح همزة (( أَن ) )وجزم (( يكن ) )فهي مشكلة.

قال الكرماني في التقصي عن هذا الإشكال: قال المالكي في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( لن ترع ) )فيه إشكال ظاهر؛ لأن لن يجب انتصاب العمل بها وقد وليها في هذا الكلام بصورة المجزوم، والوجه فيه أن يقال: سكن عين تراع للوقف ثم شبه بسكون الجزم فحذفت الألف قبله كما تحذف قبل سكون الجزم، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فيوجه فيما نحن فيه مثله. انتهى.

وأقول: يجوز أن يكون جاء على لغة من يجزم بأن كقوله:

~إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب

لكن في كونها لغة خلاف فانظر (( المغني ) ).

وقوله: (بَيْنَ الدُّنْيَا) : متعلق بـ (( خير ) ) (وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْعَبْدَ) : المخير بالنصب على تقدير كون هو ضمير فصل، ويجوز الرفع بجعل هو مبتدأ والعبد خبره والجملة خبر كان، وسقط هنا أيضًا: (( فاختار

ج 2 ص 259

ما عند الله )) للأصيلي وابن عساكر وضرب عليه أبو الوقت.

(وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) : الصديق رضي الله عنه (أَعْلَمَنَا) : أي: أكثرنا علمًا وأدقنا نظرًا وفهمًا لفهمه مراد الرسول بقوله: (( خير عبدًا فبكى حزنًا على فراقه وقال: بل نفديك بأموالنا وأولادنا فلما رأى صلى الله عليه وسلم جزعه أراد أن يسليه ) ).

(فقال) : ولغير الأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني: (يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ تَبْكِ) : بفتح الفوقية، ثم ذكر ما يدل على عظيم منزلته ورفيع مكانته عنده فقال: (إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ) : بنصب (( أمن ) )اسمًا لـ (( أن ) )في أكثر الروايات.

قال في (( الفتح ) )نقلًا عند النووي: قال العلماء معناه أكثرهم جودًا لنا بنفسه وماله، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأن المنة لله ولرسوله في قبول ذلك.

وقال القرطبي: هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره نظيرها لامتن بها، ويؤيده قوله في رواية ابن عباس: (( ليس أحد أمن علي ) ). انتهى.

(فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ) : لأنه بادر بالتصديق وإنفاق الأموال في سبيل الله وبذل النفس حيث وقى الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في الغار وغيره وشدة الحب له والملازمة التامة في الصحبة ولاسيما في الهجرة.

وقد قال بعض المفسرين: قد عاتب الله أهل الأرض جميعًا في قوله: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة:40] إلا الصديق يعني: كان ينبغي إذا هاجر حبيبنا من أرض أن يكون أهل الأرض كلهم في خدمته لا أن يكون معه واحد هو ثان له مع اعترافه رضي الله عنه بأن المنة في ذلك لله ولرسوله حيث قبلا ذلك منه.

ومن المعلوم المقرر: أن قبول الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك لم يكن عن احتياج وإنما هو لإثابة الصديق وإظهار مزيته بأنه لا يقدم على رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ولو كان فيه إتلاف مهجته.

قال في (( المصابيح ) ): ويروى: (( إن من أمن الناس ) ).

قال الزركشي: على حذف اسمها والجار والمجرور صفته؛ أي: إن رجلًا من أمن الناس.

قلت: هذا التركيب هو مثل: من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون فيتأتى فيه القول بزيادة من في الإيجاب ومع المعرفة على رأي الأخفش والقول بأن اسم إن ضمير الشأن وهو محذوف. انتهى.

وروى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: (( ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه بها ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة ) ).

وفي القسطلاني: (( إلا كافيناه بها ) )بالياء مكان الهمزة ووجد على هامش نسخة القسطلاني معزوًا للعجيمي عن الشبراملسي المكافأة بالهمز المجازاة كما في (( القاموس ) )والموجود في الأصول القديمة كافيناه بالياء، والقياس كتابتها بالألف؛ لأن الهمزة المتطرفة تكتب على حسب الحركة قبلها وإن اتصل بها ضمير.

ويمكن توجيه ما في الأصول بأن يقال: أبدلت الهمزة ألفا على خلاف القياس أو أنها سكنت في الوصل بنية الوقف ثم أبدلت ألفا وعوملت تلك الألف معاملة الأصلية المنقلبة عن الياء فقلبت ياء عند اتصالها بالضمير. انتهى.

أقول: ويمكن من الكفاية على بعد أن يكون من الكفاية بمعنى كفيناه مهمه فيؤول إلى معنى كافأناه مهموزًا. فليتأمل.

(وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي) : كذا للأربعة، ولغيرهم: تقديم (( من أمتي ) )على (( خليلًا ) ) (لاَتَّخَذْتُ) : منهم (أَبَا بَكْرٍ) : لكونه أهلًا؛ لأن يتخذ خليلًا لولا المانع وهو امتلاء قلبه بما تخلله من محبة الله تعالى ومراقبته حتى كأنها امتزجت بقلبه فلم يتسع لخلة غير الله تعالى كما قيل:

~قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلا

وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا ومن لم ينته لذلك ممن تعلق القلب به فهو حبيب ولذلك أثبت _ عليه السلام _ لأبي بكر وعائشة أنهما أحب الناس إليه ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة كذا في القسطلاني.

وفي رواية: (( ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر ) )، قال النووي: معناه إن حب الله لم يبق في قلبي موضعًا لغيره.

وقال عياض: أصل الخلة الانقطاع والافتقار فخليل الله؛ أي: المنقطع إليه لقصره حاجته عليه، وقد اختلف العلماء في أيهما أفضل.

قال العيني: فذهب الجمهور: إلى أن الخلة أعلى تمسكًا بهذا الحديث وذهب ابن فورك إلى أن المحبة أعلى؛ لأنها صفة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من الخليل، وقيل: هما سواء فلا يكون الخليل إلا حبيبًا ولا الحبيب إلا خليلًا.

وزعم الفراء: أن معناه فلو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس لخصصت أبا بكر؛ لأن الخليل من تفرد بخلة من الفضل

ج 2 ص 260

لا يشركه فيها أحد.

ثم قال: فإن قلت: قال بعض الصحابة: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم قلت: لا بأس في الانقطاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الانقطاع إليه انقطاع إلى الله تعالى. انتهى.

وأقول: هذا غير وارد ليحتاج إلى الجواب؛ لأن الكلام في عدم اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم خليلًا غير ربه لا في عدم اتخاذ أحد إياه خليلًا وأين هذا من ذاك.

(وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ) : بضم الهمزة والخاء وتشديد الواو، وللأصيلي: (( خوة ) )بحذف الهمزة.

قال الكرماني أخذًا من ابن مالك: وتوجيهه أن يقال: نقلت حركة الهمزة إلى النون وحذفت الهمزة فصار: ولكن خوة فعرض بعد ذلك استثقال ضمة بين كسرة وضمة فسكنت النون تخفيفًا فصار: ولكن خوة فسكون النون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي.

قال المالكي: والحاصل: أن فيه ثلاثة أوجه: سكون النون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النون وحذف الهمزة، وسكونه وحذف الهمزة، فالأول أصلي والثاني فرع والثالث فرع فرع. انتهى.

وقال العيني: كل هذا تكلف خارج عن القاعدة، ولكن الوجه أن يقال: إن لكن على حالها ساكنة النون وحذفت الهمزة من أخوة اعتباطًا. انتهى.

وأقول: أن ما ذهب هو إليه أشد تكلفًا مما ذهب الكرماني إليه؛ لأن حذف الهمزة اعتباطًا لا يدخل تحت قياس أصلًا؛ بخلاف نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها فإنه مطرد وتخفيف المضموم بالسكون مطرد في نحو عضد وعنق.

وواقع في أفصح الكلام كقراءة أبي عمرو: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} بسكون الراء، ولكن هنا حرف ابتداء لدخول حرف العطف عليها، و (( أخوة ) )مبتدأ ومضاف إلى الإسلام.

(وَمَوَدَّتُهُ) : عطف عليه والخبر محذوف تقديره: أفضل أو نحوه بدليل حديث ابن عباس الآتي والأفضل المقدر بمعنى فاضل فلا يلزم منه تفضيل الأخوة على الخلة.

وقال الكرماني: فإن قلت: فما الفرق بين الخلة والمودة حيث نفى الأولى وأثبت الثانية؟ قلت: هما بمعنى واحد لكن يختلفان باعتبار المتعلق فالمثبتة مودة هي بحسب الإسلام والدين والمنفية ما كانت بجهة أخرى، ولهذا قال في الحديث الذي بعده بدل لفظ المودة لفظ الخلة حيث قال: (( خلة الإسلام ) ).

وفي العيني: وقد قيل: إن الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة فنفى الخاص وأثبت العام.

وقال الكرماني: فإن قلت: المقصود من السياق أفضلية أبي بكر وكل الصحابة داخلون تحت أخوة الإسلام فمن أين لزم أفضليته؟ قلت: تعلم الأفضلية مما قبله ومما بعده ثم إن المودة الإسلامية متفاوتة وما ذاك إلا بحسب تفاوتهم في إعلاء كلمة الله تعالى وتحصيل كثرة الثواب، وذلك هو معنى الأفضلية أو الأفضل ليس على حقيقته، أو معناه أن مودة الإسلام معه أفضل من مودته مع غيره. انتهى.

(لاَ يَبْقَيَنَّ) : قال الكرماني: بلفظ المجهول ويروى بلفظ المعروف أيضًا. انتهى.

والنهي على هذا راجع للمكلفين لا إلى الباب فكنى بعدم البقاء عن عدم الإبقاء؛ لأنه لازم له كأنه قال: لا يبقه أحد حتى لا يبقى فهو كقولهم: لا أرينك ههنا؛ أي: لا تقعد عندي حتى لا أراك.

(فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ) : فاعل على رواية المعلوم ونائبه على رواية المجهول (إِلاَّ سُدَّ) : قال العيني: استثناء مفرغ تقديره: لا يبقين باب بوجه من الوجوه إلا بوجه السد أو باب أبي بكر أو يكون التقدير إلا بابًا سد حتى لا يقال الفعل وقع مستثنى ومستثنى منه. انتهى.

وأقول: التوجيه الأول هو الوجه؛ لأن الاستثناء من أعم أحوال الباب لا من أعم الأبواب فهو كقولك: لا يحج أحد إلا راكبًا إلا زيدًا؛ أي: لا يحج على حال من الأحوال إلا على حالة الركوب إلا زيدا.

(إِلاَّ بَابُ أَبِي بَكْرٍ) : استثناء من المستثنى؛ أي: لا يبقين باب إلا على صفة السد إلا باب أبي بكر فإنه يبقى على غير تلك الصفة وهي صفة الفتح.

قال العيني كغيره: وفي الحديث دلالة على زيادة الخصوصية من بين الصحابة لأبي بكر، وفيه إشارة ظاهرة: إلى أنه الخليفة بعده إذ قد أفرده وميزه بأمر لم يشاركه فيه غيره وقد أيد ذلك بأمره إياه بالإمامة التي هي منصبه عليه السلام.

قال الخطابي: ولا أعلم في إثبات القياس أقوى من إجماع الصحابة على استخلاف أبي بكر مستدلين على ذلك باستخلافه في أعظم أمور الدين وهو

ج 2 ص 261

الصلاة.

فقاسوا عليها سائر الأمور فأمره عليه السلام بسد أبواب غيره وإبقاء خوخته دون غيره دليل على أنه يقوم بالإمامة بعده فيخرج من خوخته إلى المسجد كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته إليه قاله ابن المنير.

ولا يعكر على ذلك حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: سدوا الأبواب إلا باب علي لأن الترمذي قال إنه غريب.

وقال ابن عساكر: إنه وهم وقال الحاكم: انفرد به مسكين بن بكير الحراني عن شعبة.

وقال البخاري: حديث إلا باب أبي بكر أصح.

لكن قيل لحديث علي طرق يقوي بعضها بعضًا بل قال الحافظ ابن حجر في بعضها إسناده قوي وفي بعضها رجاله ثقات.

أقول: وعلى كل تقدير فلا يعارض حديث البخاري على أن الجمع ممكن باختلاف الوقت فأمر صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب أولًا إلا باب علي، ثم عند وفاته أمر بسدها إلا باب أبي بكر ولم أر أحدًا من الشراح تعرض لذلك.

وفيه: كما قال ابن بطال: التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤهم، خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزن.

وفيه: أنه لا يستحق أحد الوصف بالعلم حقيقة إلا من فهم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ عالم بالنص لا بالمعنى.

وفيه: دليل على أن أبا بكر أعلم الصحابة.

وفيه: الحض على اختيار ما عند الله تعالى والزهد في الدنيا والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين.

وفيه: أن على السلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله، واختصاصه بالفضيلة التي لم يشارك فيها.

وفيه: تأليف النفوس بقوله ولكن أخوة الإسلام.

وفيه: أن المساجد تصان عن تطرق الناس إليها من غير أبوابها المألوفة إلا من حاجة مهمة.

وأخرجه المؤلف أيضًا في مناقب أبي بكر ومسلم في الفضائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت