وبالسند قال:
475 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) : القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) : إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ عَبَّادِ) : بفتح العين وتشديد الموحدة (ابْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ) : عبد الله بن زيد بن عاصم المازني.
(أَنَّهُ رَأَى) : أي: أبصر (رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَلْقِيًا) : حال من مفعول (( رأى ) )؛ أي: متكئًا على ظهره في المسجد حال كونه (وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى) : حال مترادفة أو متداخلة وفيه مطابقة الحديث للترجمة.
قال الخطابي: فيه بيان جواز هذا الفعل والنهي عن ذلك المروي عن جابر بن عبد الله: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره ) )منسوخ أو محمول على ما إذا خشي أن تبدو عورته والجواز حيث أمن ذلك.
قال في (( الفتح ) ): والثاني أولى من ادعاء النسخ؛ لأنه لا يثبت بالاحتمال، وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين انتهى.
وتعقبه العيني فقال: القائل بالنسخ ما ادعى النسخ بالاحتمال وإنما جزم به فكيف يدعى الأولوية بالاحتمال، ويقوي دعوى النسخ ما روي عن عمر وعثمان: أنهما كانا يفعلان ذلك. انتهى.
قال في (( الانتقاض ) ): ودعوى الأولوية بالاحتمال لا حرج فيها والنسخ لا يثبت إلا بمعرفة التاريخ أو تنصيص الشارع وما يلحق بذلك ومن ادعى النسخ ولم يذكر له مستندًا فلا يقبل منه. انتهى.
أقول: حاصل جوابه: أن جزم القائل بالنسخ لم يقع عن دليل وهو معرفة التاريخ ليكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ، ولا عن تنصيص من الشارع فبقي ادعاء النسخ دعوى بلا دليل، وجزم مدعيه غير معتد به فاندفع قول العيني: أن القائل بالنسخ جازم به إذ جزمه كلا جزم فليتأمل.
قال في (( الفتح ) ): قال المازري: إنما بوب على ذلك؛ لأنه وقع في كتاب أبي داود وغيره، لا في (( الكتب الصحاح ) )النهي عن أن يضع إحدى رجليه على الأخرى، لكنه عام؛ لأنه قول يتناول الجميع واستلقاؤه في المسجد فعل قد يدعي قصره عليه فلا يؤخذ منه الجواز لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصًا به بل هو جائز مطلقًا.
وإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارض فيجمع بينهما، فذكر نحو ما ذكره الخطابي.
ج 2 ص 268
وفي قوله عن حديث النهي: ليس في كتب الصحاح إغفال، فإن الحديث عند البخاري في اللباس من حديث جابر، وفي قوله: ولا يؤخذ منه الجواز نظر؛ لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال.
والظاهر أن فعله صلى الله عليه وسلم كان لبيان الجواز وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام.
قال الخطابي: وفيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة.
وقال الداودي: وفيه أن الأجر الوارد للابث في المسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضًا. انتهى.
(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) : الزهري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) : قال في (( الفتح ) ): هو معطوف على الإسناد المذكور، وقد صرح بذلك أبو داود في روايته عن القعنبي، وهو كذلك في (( الموطأ ) )، وغفل عن ذلك من زعم أنه معلق. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: يريد به الكرماني، والكرماني ما جزم بأنه معلق بل قال: يحتمل وهو صحيح بحسب الظاهر وتصريح أبي داود بذلك في كتابه لا يدل على أن هذا داخل في الإسناد المذكور ههنا قطعًا. انتهى.
قال في (( الانتقاض ) ): وتسليمه التصريح بذلك ثم دعواه عدم الدلالة من الأعاجيب فإذا أورده البخاري محتملًا.
ووجدنا أبا داود قد رواه عن شيخه بالسند بعينه أليس يكفي ذلك في ترجيح أحد المحتملين حتى يصير الاحتمال المرجوح كالعدم. انتهى.
(قَالَ: كَانَ عُمَرُ) : بن الخطاب (وَعُثْمَانُ) : بن عفان (يَفْعَلاَنِ ذَلِكَ) : أي: الاستلقاء المذكور، وزاد الحميدي عن ابن مسعود أبا بكر الصديق وهذا يرد على من قال: إن الاستلقاء من خصائصه صلى الله عليه وسلم.