وبالسند قال:
509 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) : بفتح الميمين عبد الله بن معمر المقعد
ج 2 ص 291
البصري المتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) : بن سعيد العنبري المتوفي سنة ثمانين ومائة (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) : بن عبيد بالتصغير بن دينار البصري المتوفي سنة تسع وثلاثين ومائة.
(عَنْ حُمَيْدِ) : مصغرًا (بْنِ هِلاَلٍ) : بكسر الهاء وتخفيف اللام العدوي التابعي الجليل (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) : ذكوان السمان (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) : سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ح) : مهملة إشارة إلى التحويل على الأصح وهي ساقطة من اليونينية.
قال الكرماني: ولا يضر في التحويل كون المحول إليه فيه زيادة قصة والتفاوت بين الإسنادين بأن الأول فيه عن أبي صالح وأن أبا سعيد، والثاني قال أبو صالح: ورأيت أبا سعيد والثاني أقوى فإن الاعتبار بالحديث ولا تفاوت فيه فيهما.
قال البخاري: (وَحَدَّثَنَا آدَمُ) : ولغير أبي ذر والأصيلي: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) : القيسي البصري.
قال في (( الفتح ) ): ذكر أبو مسعود وغيره أن البخاري لم يخرج لسليمان بن المغيرة شيئا موصولًا إلا هذا الحديث.
ولفظه بلفظ سليمان لا بلفظ يونس الواقع في المحول عنه.
وقال العيني: فيه أن في الثاني ذكر قصة ليست في الأول وقد ساق البخاري هذا الحديث في بدء الخلق بالإسناد الذي ساقه هنا من رواية يونس بعينه وههنا من لفظ سليمان بن المغيرة لا من لفظ يونس.
(قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) : بضم الميم، قيل: هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما أخرجه أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب الصلاة وقيل: غيره.
(أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ) : بالجيم والزاي من الجواز؛ أي: المرور (فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ) : الخدري، وفي بعض النسخ: (( فدفعه ) )بالضمير (فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) : بفتح الميم وبالغين المعجمة؛ أي: طريقًا يمكنه المرور منها.
(إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ) : أي: الشاب (لِيَجْتَازَ) : أي: ليمر (فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الدفعة الأُولَى، فَنَالَ) : الشاب بالفاء والنون.
(مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) : أي: شتمه وآذاه بالكلام (ثُمَّ دَخَلَ) : الشاب (عَلَى مَرْوَانَ بن الحكم) : الأموي وهو أمير على المدينة من قبل معاوية، قيل: إن مروان هذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه شيئًا وكان عمره لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين مات بدمشق وهو ابن ثلاث وستين سنة.
(فَشَكَا) : الشاب (إِلَيْهِ) : إلى مروان (مَا لَقِيَ) : بكسر القاف (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) : من دفعه في صدره مرتين (وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ) : مروان لأبي سعيد (مَالَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ) : في الإسلام لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] .
(يَا أَبَا سَعِيدٍ) : وهذا يدل على أن المار غير الوليد بن عقبة لأن أباه قتل كافرًا فكيف يطلق عليه مروان أنه أخ لأبي سعيد (قَالَ أبو سعيد: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ) : بالأخف الأسهل بإشارة أو تسبيح.
(فَإِنْ أَبَى) : أي: امتنع المار من الرجوع (فَلْيُقَاتِلْهُ) : قال في (( الفتح ) ): أي: يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول.
قال القرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها والخشوع فيها انتهى.
وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة واستبعد ابن العربي ذلك في (( القبس ) )وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة.
وأغرب الباجي فقال: يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن والتعنيف.
وتعقب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة وهو مبطل، بخلاف الفعل اليسير. ويمكن أن يكون أراد أنه أراد أنه يلعنه داعيًا لا مخاطبًا، لكن فعل الصحابي يخالفه، وهو أدرى بالمراد.
وقد رواه الإسماعيلي بلفظ فإن أبى فليجعل يده في صدره وليدفعه وهو صريح في الدفع باليد.
ونقل البيهقي عن الشافعي أن المراد بالمقاتلة دفع أشد من الدفع الأول، وما تقدم عن ابن عمر يقتضي أن المقاتلة إنما تشرع إذا تعينت في دفعه، وبنحوه صرح أصحابنا وقالوا: يرده بأسهل الوجوه فإن أبى فبأشد، ولو أدى إلى قتله. فلو قتل فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها.
ونقل عياض وغيره أن عندهم خلافًا في وجوب الدية في هذه الحالة.
ونقل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته؛ لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور.
وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر ولم يدفعه فلا ينبغي أن يرده؛ لأن فيه إعادة للمرور، وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وغيره أنه له ذلك، ويمكن حمله على ما إذا رده فامتنع وتمادى، لا حيث يقصر المصلي في الرد. انتهى.
وقال النووي: لا أعلم
ج 2 ص 292
أحدًا من الفقهاء أوجبه.
قال العيني: قلت قال أهل الظاهر بوجوبه لظاهر الأمر فكأن النووي ما اطلع على هذا أو ما اعتد بخلافهم.
وقال ابن بطال: اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة، فأما إذا صلى إلى غير سترة فليس له ذلك لأن التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلى فيه، فلم يستحق أن يمنعه إلا ما قام عليه الدليل من السنة.
وقوله: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) : تعليل لمقاتلته وهذا تشبيه بليغ؛ أي: هو كالشيطان في فعله في التشويش على المصلي والقرينة على ذلك ظهور كونه إنسانًا، ويجوز أن يراد به حقيقة الشيطان إن لم يخص الشيطان بالمارد من الجن، بل كان هو الخبيث المارد جنيًا كان أو إنسيًا قال تعالى: {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام:112] ، ويؤيد الاحتمال الأول ما وقع في رواية الإسماعيلي فإن معه الشيطان ولمسلم فإن معه القرين.
وقال الخطابي: معناه أن الشيطان يحمله على ذلك ويحركه عليه.
قال ابن أبي جمرة: وهل مقاتلته لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور أو لدفع الإثم عن المار الظاهر الثاني.
وقال غيره: بل الأول أظهر لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره، فقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته وروى أبو نعيم عن عمر لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس وهذان الأثران وإن كانا موقوفين فحكمهما الرفع لأنهما لا يقالان من قبل الرأي.
وأقول: لو كان المقصود دفع الإثم عن المار لما أمر المصلي بقتاله إذ ليس للإنسان أن يقاتل غيره لتقصيره في عمله أو تفويت نفع يعود عليه.
قال ابن بطال: وفي الحديث: أنه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين: شيطان.
وأن الحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنه يستحيل أن يصير المار شيطانًا بمروره بين يدي المصلي.
قال في (( الفتح ) ): وهو مبني على أن لفظ الشيطان يطلق حقيقة على الجني ومجازًا على الإنسي وفيه بحث يعلم من كلام الخطابي. انتهى.
والحديث أخرجه المؤلف في صفة إبليس وأبو داود في الصلاة.