وبالسند قال:
510 - (حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) : التنيسي (قَالَ: أَخْبَرنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضَرِ) : بفتح النون وسكون الضاد، سالم بن أبي أمية (مَوْلَى عُمَرَ بنُ عُبَيدِ اللهِ) بضم العين فيهما.
(عن بُسْرِ) : بضم الموحدة وسكون السين المهملة (بِنَ سَعِيدٍ) : بفتح السين الحضرمي المدني الزاهد مات سنة مائة ولم يخلف كفنًا.
قال في (( التقريب ) ): ثقة جليل من الطبقة الوسطى من التابعين أن زيد بن خالد الجهني الصحابي أرسله أي: بعث بسرًا إلى أبي جهيم ابن الحارث بن الصمة الأنصاري الصحابي الذي تقدم حديثه في باب التيمم في الحضر.
قال في (( الفتح ) ): هكذا روى مالك هذا الحديث في الموطأ لم يختلف عليه فيه أن المرسل هو زيد، وأن المرسل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر عند مسلم وابن ماجه وغيرهما وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر فقال عن بسر بن سعيد قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله فذكر الحديث.
قال ابن عبد البر: هكذا رواه ابن عيينة. ثم قال ابن أبي خيثمة: سئل عنه يحيى بن معين فقال: هو خطأ، إنما هو أرسلني زيد إلى أبي جهيم كما قال مالك.
وتعقب ذلك ابن القطان فقال: ليس خطأ ابن عيينة بمتعين، لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرًا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم ليستثبت كل منهما ما عند الآخر.
قلت: تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطأه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيعتمد. ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ، وهو ما يخالف فيه الثقة من هو أرجح منه في حد الصحيح. انتهى.
(يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
ج 2 ص 293
فِي دفع الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي): قال في (( الفتح ) ): أي: أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لأن أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في تحديد ذلك فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، وقيل بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل بينه وبين قدر رمية حجر.
(فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ) : أي: من الإثم كما للكشميهني.
وقاله القسطلاني: وهي ثابتة في اليونينية من غير عزو.
قال في (( الفتح ) ): وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات لغيره، والحديث في الموطأ بدونها.
وقال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا، لكن في (( مصنف ابن أبي شيبة ) )يعني من الإثم فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنها الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ [1] .
وقد عزاها المحب الطبري في (( الأحكام ) )للبخاري وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب (( العمدة ) )في إيهامه أنها من الصحيحين، وأنكر ابن الصلاح في (( مشكل الوسيط ) )على من أثبتها في الخبر فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا.
ولما ذكره النووي في (( شرح المهذب ) )بدونها قال: وفي رواية رويناها: في (( الأربعين ) )لعبد القادر الهروي ماذا عليه من الإثم.
وجملة ماذا عليه من الإثم على هذه الرواية في محل نصب سادة مسد مفعولي يعلم المعلق بالاستفهام.
قال الكرماني: وإنما أبهم الأمر ليدل على الفخامة وأنه لا يقدر قدره ولا يدخل تحت العبارة.
(لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) : قال العيني: لكان جواب لو وكلمة أن مصدرية والتقدير لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي لكان وقوفه أربعين خيرًا له من مروره بين يديه.
وقال الكرماني: جواب لو ليس هو المذكور إذ التقدير لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين ولو وقف أربعين لكان خيرًا له.
قلت: لا ضرورة إلى هذا التقدير وهو تصرف فيه تعسف وحق التركيب ما ذكرناه. انتهى.
وأقول: ويؤيد ما ذكره العيني أن الربط المفهوم من الشرط إنما هو بين العلم وكون الوقوف خيرًا له لا بين العلم والوقوف فقد يعلم الشخص أن الوقوف خير له ولا يقف فتأمله فإنه دقيق.
قال في (( الفتح ) ): أبدى الكرماني لتخصيص الأربعين بالذكر حكمتين:
إحداهما: كون الأربعة أصل جميع الأعداد فلما أريد التكثير ضربت في عشرة.
ثانيهما: كون كمال أطوار الإنسان بأربعين كالنطفة والعلقة والمضغة، وكذا بلوغ الأشد.
ويحتمل غير ذلك. وفي ابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة لكان أن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها. وهذا مشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص عدد معين.
وجنح الطحاوي إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين والمقام مقام زجر وتخويف فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر. ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثبت المدعي، أو ما دونها فمن باب الأولى، وقد وقع في (( مسند البزار ) )من طريق ابن عيينة التي ذكرها ابن القطان لكان أن يقف أربعين خريفًا أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي عن ابن عيينة. انتهى.
وقال العيني بعد نقله كلام الكرماني: قلت: غفل الكرماني عن رواية المائة حيث قصر بيان الحكمة على الأربعين.
وقال بعضهم في التنكيت على الكرماني: بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص عدد معين قلت لا تنافي رواية المائة بيان وجه الحكمة في الأربعين، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كل منهما؛ لأن لقائل أن يقول لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر ولم يذكر الخمسين أو الستين أو نحو ذلك والجواب الواضح الشافي في ذلك أن تعيين الأربعين للوجه الذي ذكره الكرماني، وذكر المائة للوجه الذي ذكره الطحاوي. انتهى ملخصًا.
وقال في (( الفتح ) ): خيرًا في روايتنا بالنصب على أنه خبر كان، ولبعضهم خير بالرفع وهي رواية الترمذي، وأعربها ابن العربي على أنه اسم كان، وأشار إلى تسويغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة.
ويحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن والجملة خبرها. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: وتعسف بعضهم فقال يحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن والجملة خبرها. انتهى.
وأقول: الذي يظهر أنه لا تعسف في ذلك لأن كان كثيرًا ما يكون اسمها ضمير شأن كقوله: بما كان إياهم عطية عودا.
فإنه لو جعل عطية اسم كان للزم أن يليها معمول خبرها وهو غير ظرف ولا جار ومجرور، وذلك ممتنع عند البصريين على أن فيما ذهب إليه تعسفًا أشد وهو جعل النكرة اسمًا والمعرفة خبرًا كقوله:
يكون مزاجها عسل وماء فليتأمل.
قال مالك بالسند السابق: (قَالَ أَبُو النَّضْرِ) : سالم بن أبي أمية (لاَ أَدْرِي، أَقَالَ) : بهمزة الاستفهام، ولأبي ذر: بإسقاطها؛ أي: بسر
ج 2 ص 294
بن سعيد (أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً) : قال في (( الفتح ) ): هو في كلام مالك وليس من تعليق البخاري؛ لأنه ثابت في (( الموطأ ) )من جميع الطرق.
وكذا ثبت في رواية الثوري وابن عيينة كما ذكرنا. انتهى.
وللبزار من طريق ابن عيينة التي ذكرها ابن القطان: لكان أن يقف أربعين خريفًا وجعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة والشك في طريق غيره دالًا على التعدد ورد بأن أحمد وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وغيرهم من الحفاظ رووه عن ابن عيينة عن أبي النضر على الشك أيضًا إلا أن يقال لعله تذكر في الحال فجزم وفيه بعد. قاله في (( الفتح ) ).
واستنبط ابن بطال من قوله صلى الله عليه وسلم: (( لو يعلم أن الإثم مختص بمن يعلم النهي وارتكبه ) ).
قال في (( الفتح ) ): وأخذه من ذلك فيه بعد لكن هو معروف من أدلة أخرى.
وقال العيني: ليس فيه بعد لأن لو للشرط فلا يترتب الحكم المذكور إلا عند وجوده. انتهى.
ثم قال صاحب (( الفتح ) ): وظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مر لا بمن وقف عامدًا بين يدي المصلي أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي فهو في معنى المار. ثم قال: وذكر ابن دقيق العيد أن بعض الفقهاء من المالكية قسم أحوال المار والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المار دون المصلي، وعكسه يأثمان جميعًا، وعكسه.
فالصورة الأولى أن يصلي إلى سترة في غير مشرع وللمار مندوحة فيأثم المار دون المصلي. الثانية أن يصلي في مشرع مسلوك بغير سترة أو متباعدًا عن السترة ولا يجد المار مندوحة فيأثم المصلي دون المار. الثالثة مثل الثانية، لكن يجد المار مندوحة فيأثمان جميعًا. الرابعة مثل الأولى لكن لا يجد المار مندوحة فلا يأثمان جميعًا. انتهى.
وظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقًا ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته.
ويؤيده قصة أبي سعيد السابقة فإن فيها فنظر الشاب فلم يجد مساغًا وقد تقدمت الإشارة إلى قول إمام الحرمين: إن الدفع لا يشرع للمصلي في هذه الصورة وتبعه الغزالي، ونازعه الرافعي.
وتعقبه ابن الرفعة بما حاصله: أن الشاب إنما استوجب من أبي سعيد الدفع لكونه قصر في التأخر عن الحضور إلى الصلاة حتى وقع الزحام. انتهى.
وما قاله محتمل لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأن أبا سعيد لم يعتذر بذلك؛ ولأنه متوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة أو فيها مع احتمال أن يكون وقع ذلك بعدها فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ أوجب لذلك. انتهى.
وفي الحديث الوعيد الشديد للمار المذكور فيقتضي أنه من الكبائر وفيه عموم النهي لكل مصل وتخصيص المالكية بالإمام والمنفرد لا دليل عليه.
وفيه: طلب العلم والإرسال لأجله.
وفيه: جواز الاستنابة.
وفيه: أخذ العلماء بعضهم عن بعض والاقتصار على النزول مع القدرة على العلو لإرسال زيد بن خالد بسر بن سعيد إلى أبي جهيم ولو طلب العلو لسعى هو بنفسه إلى أبي جهيم وفيه قبول خبر الواحد. كذا في العيني.
[1] في هامش المخطوط: (( قف على أن الكشميهني لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ ) ).