فهرس الكتاب

الصفحة 843 من 1465

وبالسند قال:

516 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) : التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا) : وللأصيلي: (مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن الزبير بن العوام (عَنْ عَمْرِو) : بفتح العين (بْنِ سُلَيْمٍ) : بضم السين.

(الزُّرَقِيِّ) : بضم الزاي وفتح الراء (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) : الحارث بن ربعي (الأَنْصَارِيِّ) : وهذا الإسناد ما عدا عبد الله كلهم مدنيون.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي، وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) : بتنوين حامل ونصب أمامة في أشهر الروايات، وروي بالإضافة كما قرئ بهما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق:3] ويظهر أثر ذلك في قوله: (بِنْتَ زَيْنَبَ) : فيجوز فيها النصب والجر بالاعتبارين.

وأما قوله: (بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ) : وفي رواية: فبالجر لا غير فإنها نعت لزينب.

وأُمامة: بضم الهمزة وتخفيف الميم، وهذا موضع المطابقة للترجمة إذ الحمل شامل للحمل على العنق وعلى غيره والتقييد بالعنق في الترجمة مأخوذ من طريق أخرى مصرحة بذلك كما في مسلم وأبي داود وفي رواية له: (( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه ) )، وفي رواية لأحمد: (( على رقبته ) ).

(وَلأَبِي الْعَاصِ) : عطف على زينب بإظهار اللام المقدرة في المعطوف عليه قاله الكرماني؛ أي: فإن الإضافة على معنى اللام فيصير التقدير بنت لزينب ولأبي العاص.

أقول: وهذا يتوقف على صحة قولك هذا غلام زيد ولعمرو فالأقرب أن يجعل خبر المبتدأ محذوف؛ أي: وهي لأبي العاص ونسبها لأمها أولًا لما قال ابن العطار: أن والدها كان إذ ذاك مشركًا فنسبت إلى أمها تنبيهًا على أن الولد يتبع أشرف أبويه دينًا ثم بين أنها من أبي العاص تحقيقًا لنسبتها إليه نسبًا.

قال في (( الفتح ) ): وهذا السياق لمالك وحده،

ج 2 ص 300

وقد رواه غيره عن عامر بن عبد الله فنسبوها إلى أبيها ثم بينوا أنها بنت زينب كما هو عند مسلم وغيره، ولأحمد من طريق المقبري عن عمرو بن سليم يحمل أمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه. انتهى.

واسم أبي العاص لقيط، وقيل مقسم وقيل القاسم وقيل مهشم وقيل هشيم وقيل ياسر وهو مشهور بكنيته أبي العاص بلا ياء، وأما عمرو بن العاصي فالأشهر والأكثر فيه إثبات الياء.

أسلم قبل الفتح وهاجر ورد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب وولدت له عليًا وأمامة هذه وتزوجها علي بن أبي طالب بعد وفات فاطمة بوصية منها فولدت منه ولدًا سماه محمدًا وتوفيت زينب رضي الله عنها في عصمة أبي العاص سنة ثمان وأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مصاهرته واستشهد يوم اليمامة في خلافة الصديق رضي الله عنهما.

(ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) : قال في (( الفتح ) ): كذا رواه الجمهور عن مالك ورواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو مصعب وغيرهم عن مالك فقالوا ابن الربيع وهو الصواب.

وغفل الكرماني فقال خالف القوم البخاري فقالوا: ربيعة، وعندهم الربيع والواقع أن من أخرجه من القوم من طريق مالك كالبخاري فالمخالفة فيه إنما هي من مالك، وادعى الأصيلي أنه ابن الربيع بن ربيعة فنسبه مالك مرة إلى جده، ورده عياض والقرطبي وغيرهما لإطباق النسابين على خلافه.

نعم قد نسبه مالك إلى جده في قوله ابن عبد شمس وإنما هو ابن عبد العزى بن عبد شمس، أطبق على ذلك النسابون أيضًا.

وقال الكرماني: البخاري نسبه مخالفًا للقوم من جهتين.

قال ربيعة: بحرف التأنيث وعندهم الربيع بدونه، وقال ربيعة بن عبد شمس: وهم قالوا الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس.

وقال العيني: لو اطلع الكرماني على كلام القوم لما قال نسبه البخاري مخالفًا للقوم من جهتين على أن الذي عندنا في نسختنا ابن الربيع بن عبد شمس بالنسبة إلى جده. ثم قال: وأم أبي العاص هدلة وقيل هند بنت خويلد أخت خديجة رضي الله تعالى عنها لأبيها وأمها وأبو العاص أسلم قبل الفتح وهاجر ورد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب وماتت في عصمته.

وقال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بابنتها زينب وكان لا يخالفها وذلك قبل الوحي والإسلام فرق بينهما.

وقال ابن كثير: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة وكان أبو العاص في غزوة بدر مع المشركين ووقع في الأسر.

قال ابن هشام: وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام.

وقال ابن إسحاق: عن عائشة رضي الله عنها لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال وبقلادة لها كانت خديجة رضي الله تعالى عنها أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذي لها فافعلوا قالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.

وقال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب يعني: أن تهاجر إلى المدينة فوفى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها وأقام أبو العاص بمكة على كفره واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة ثم آخر الأمر أسلم وخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن ابن عباس رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئًا، وسنذكر حقيقة هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى انتهى.

(فَإِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَهَا) : كذا لمالك (وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) : قال في (( الفتح ) ): ورواه مسلم من طريق عثمان بن أبي سليمان ومحمد بن عجلان، والنسائي من طريق الزبيدي، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي العميس كلهم عن عامر بن عبد الله شيخ مالك فقالوا: إذا ركع وضعها ولأبي داود من طريق

ج 2 ص 301

المقبري عن عمرو بن سليم حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها مكانها.

وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه لا منها بخلاف ما أوله الخطابي حيث قال: يشبه أن تكون الصبية كانت قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها. قال: هذا وجهه عندي.

وقال ابن دقيق العيد: من المعلوم أن لفظ حمل لا يساوي لفظ وضع في اقتضاء فعل الفاعل؛ لأنا نقول: فلان حمل كذا ولو كان غيره حمله، بخلاف وضع، فعلى هذا فالفعل الصادر منه هو الوضع لا الرفع فيقل العمل. قال: وقد كنت أحسب هذا حسنًا إلى أن رأيت في بعض طرقه الصحيحة فإذا قام أعادها. قلت: وهي رواية لمسلم.

ورواية أبي داود التي قدمناها أصرح في ذلك وهي ثم أخذها فردها في مكانها ولأحمد من طريق ابن جريج وإذا قام حملها فوضعها على رقبته.

قال القرطبي: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، وهو تأويل بعيد، فإن ظاهر الأحاديث أنه كان في فريضة.

وسبقه إلى استبعاد ذلك المازري وعياض، لما ثبت في مسلم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة على عاتقه.

وقال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال وبأن هذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة.

وذكر عياض عن بعضهم: أن ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم لكونه كان معصومًا من أن تبول وهو حاملها، ورد بأن الأصل عدم الاختصاص وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك.

وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه غير متوال لوجود الطمأنينة في أركان صلاته.

وقال النووي: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه كان لضرورة وكل ذلك دعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لبيان الجواز. انتهى ملخصًا.

وقال العيني: تكلم الناس في حكم هذا الحديث ومذهب أبي حنيفة في هذا ما ذكره صاحب (( البدائع ) ): في بيان العمل الكثير الذي يفسد الصلاة والقليل الذي لا يفسدها فالكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك وذكر لهما صورًا حتى قال إذا أخذ قوسًا ورمى فسدت صلاته وكذا لو حملت امرأة صبيها فأرضعته لوجود العمل الكثير وأما حمل الصبي بدون الإرضاع فلا يوجب الفساد ثم روى الحديث المذكور ثم قال: وهذا الصنيع لم يكره منه صلى الله عليه وسلم لأنه كان محتاجًا إلى ذلك لعدم من يحفظها أو لبيانه الشرع بالفعل وهذا غير موجب فساد الصلاة ومثل هذا أيضًا لا يكره لواحد منا عند الحاجة أما بدون الحاجة فمكروه.

وقال الفاكهاني: كأن السر في حمله أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن وخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول. انتهى ملخصًا.

وفي الحديث كما أشار إليه الشافعي دليل على ترجيح العمل بالأصل على الغالب وبحث فيه ابن دقيق العيد بأن حكايات الأحوال لا عموم لها.

وفيه دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد وعلى أن لمس صغار الصبايا غير مؤثر في الطهارة.

ويحتمل أن يفرق بين ذوات المحارم وغيرهن وعلى صحة صلاة من حمل آدميًا وكذا من حمل حيوانًا طاهرًا وللشافعية تفصيل بين المستجمر وغيره.

وقد يجاب عن هذه القصة بأنها واقعة حال فيحتمل أن تكون أمامة كانت حينئذ قد غسلت كما يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يمسها بحائل. كذا في (( الفتح ) ).

وأقول: لا يخفى ما فيه فإن أمامة محرم له صلى الله عليه وسلم بنت بنته فأي حاجة إلى الحمل على الحائل فليتأمل.

وفيه: تواضعه صلى الله عليه وسلم وشفقته على الأطفال وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.

وقد أخرجه المؤلف أيضًا في الأدب ومسلم في الصلاة وكذا أبو داود والنسائي.

ج 2 ص 302

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت