فهرس الكتاب

الصفحة 861 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

527 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) : بفتح الواو وكسر اللام (هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) : الطيالسي البصري، وسقط من رواية الأصيلي: هشام بن عبد الملك (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) : بن الحجاج (قَالَ: الْوَلِيدُ) : مبتدأ (ابْنُ الْعَيْزَارِ) : بعين مهملة مفتوحة فياء ساكنة فزاي فراء ابن حُريث: بضم المهملة آخره ثاء مثلثة الكوفي (أَخْبَرَنِي) : بالإفراد خبر الوليد.

وقول صاحب (( الفتح ) ): هو على التقديم والتأخير؛ أي: بحسب المعنى؛ أي: كان الأصل أن يقال أخبرني الوليد على السنن المعروف بين المحدثين فقوله الوليد أخبرني عكس المعروف بينهم لا بحسب اللفظ كما قد يتوهم لأن الصياغة لا تساعده.

(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) : بفتح العين، سعْد: بسكون العين بن أبي إِياس بكسر الهمزة وتخفيف المثناة التحتية.

(الشَّيْبَانِيَّ) : مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام عاش مائة وعشرين سنة، وهو شيخ عاصم القاري قال: أذكر أني سمعت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظمة وتكامل شبابي يوم القادسية فكنت ابن أربعين سنة يومئذ وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود.

(يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) : يعني عبد الله بن مسعود كما صرح به مالك بن مغول عند المصنف في الجهاد (وَأَشَارَ) : أبو عمر الشيباني بيده (إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ) : بن مسعود ففيه أن الإشارة المفهمة تغني عن التصريح (قَالَ) : ابن مسعود (سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) : تعالى (قَالَ) : صلى الله عليه وسلم (الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا) : تقدم آنفًا أن على بمعنى اللام.

قال في (( الفتح ) ): ومحصل ما أجاب به

ج 2 ص 315

العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في بدء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليست على بابها بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة.

وقال ابن دقيق العيد: الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان؛ لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذ بينه وبين حديث أبي هريرة أفضل الأعمال إيمان بالله الحديث.

وقال ابن رجب بعدما ذكر ما تقدم من الأجوبة: وهذا الكلام كله في تفضيل بعض الأعمال على بعض لذاتها، وأما تفضيل بعض الأعمال على بعض لزمانها أو مكانها فإنه قد يقترن بالعمل المفضول من زمان أو مكان ما يصير به فاضلًا، فهذا نذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

(قَالَ) : ابن مسعود قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ أَيُّ) : بالتشديد والتنوين كما سمعه أبو الفرج بن الجوزي من ابن الخشاب، وقال يعني ابن الخشاب: لا يجوز غيره؛ لأنه اسم معرب غير مضاف.

وقال في (( المصابيح ) ): قيده الشيخ تاج الدين الفاكهاني في (( شرح العمدة ) ): بالتشديد وعدم التنوين؛ لأنه موقوف عليه في كلام السائل منتظرًا لجواب منه عليه السلام والتنوين لا يوقف عليه إجماعًا قال: وإنما نبهت على هذا لأني رأيت كثيرًا ينونه ويصله بما بعده وهو خطأ، بل ينبغي أن يوقف عليه وقفة لطيفة ثم يأتي بما بعده.

قلت: هذا عجيب فإن الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعى حال المحكي عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو بما تقتضيه حالته التي هو فيها والاستعمالات الفصيحة تشهد بذلك قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32] .

فهذا الكلام محكي بدئ بهمزة قطع وختم بتنوين ولم يقل أحد بوجوب الوقف على الميم بالسكون كما وقفوا عليه هم، بل يجوز الوصل إجماعًا فتراعى حالته ولا وجه للتوقف في مثله أصلًا وشواهده كثيرة على أن ابن الجوزي قيده في (( مشكل الصحيح ) )بالتشديد والتنوين، وقال: هكذا سمعته من ابن الخشاب وقال: لا يجوز إلا تنوينه لأنه اسم غير مضاف.

قال الزركشي في (( تعليق العمدة ) ): وهو ممنوع لأنه مضاف تقديرًا لوقوعه في الاستفهام والتقدير؛ أي: العمل أفضل فالأولى أن يوقف عليه بإسكان الياء.

قلت: وهذا أيضًا عجيب كأنه فهم أن ابن الخشاب نفى كونه مضافًا مطلقًا حتى أورد عليه أنه مضاف تقديرًا وليس هذا مراد ابن الخشاب قطعًا إذ هو بصدد تعليله إيجاب التنوين فيه وهو يثبت بكونه غير مضاف لفظًا وتقدير الإضافة لا توجب عدم تنوينه، بل ولا تجوزه فما هذا الكلام وفي قوله الأولى أن يقف عليه بإسكان الياء ما مر من الإشكال. انتهى بحروفه.

وأقول: هذا كلامٌ في غاية الجودة والسداد في الرد على من أوجب الحكاية وحكم بالخطأ على من نون ووصل كالفاكهاني وأما من لم يوجبها وقال: إن حذف التنوين لنية المضاف كالزركشي فلا يرد عليه ما ذكره فإن حكاية اللفظ على طبق ما وقع في كلام المحكي عنه شائعة ذريعة.

قال في (( التسهيل ) ): ولا يحكى غالبًا معرفة إلا العلم.

وقال هو في (( شرحه على التسهيل ) ): فإذا قال القائل قام زيد قلت من زيد؟ وإذا قال: رأيت زيدًا قلت من زيدًا؟ وإذا قال مررت بزيد قلت من زيد؟ فالإعراب مقدر في زيد في الأحوال كلها لاشتغال حرف الإعراب بحركات الحكاية. انتهى.

وأما قوله تقدير الإضافة لا توجب عدم تنوينه، بل ولا تجوزه فغير مسلم لما قالوه في قبل وبعد من أن المضاف إليه إذا حذف منويًا ثبوت لفظه أعرب وجر بمن بدون تنوين كقوله:

~ومن قبل نادى كل مولى قرابة

وإذا لم ينو أعرب منونًا كقوله:

~فساغ لي الشراب وكنت قبلًا أكاد أغص بالماء الفرات

وذلك غير خاف عليك أيها المتأمل المنصف وفي قوله فهذا كلام محكي بدئ بهمزة قطع مسامحة

ج 2 ص 316

إذ هي همزة وصل لا همزة قطع وحكم همزة الوصل أنها تثبت في الابتداء وتسقط في الدرج.

(قَالَ) : عليه السلام في جواب السائل (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) : بالإحسان إليهما والقيام بخدمتهما وترك عقوقهما، وللمستملي: (( قال ثم بر الوالدين ) )بزيادة ثم قال في (( الفتح ) ): قال بعضهم: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان:14] ، وكأنه أخذه من تفسير ابن عيينة حيث قال: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ومن دعا لوالديه عقبهما فقد شكر لهما. انتهى.

(قَالَ) : ابن مسعود قلت: (ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ) : عليه السلام (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : لإعلاء كلمة الله وإظهار شعائر الإسلام ببذل النفس والمال وقدم بر الوالدين على الجهاد مع أنه أفضل لتوقف حله على إذنهما.

(قَالَ) : ابن مسعود (حَدَّثَنِي) : أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (بِهِنَّ) : أي: بهذه الثلاثة (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) : أي: طلبت منه الزيادة في السؤال (لَزَادَنِي) : في الجواب.

قال في (( الفتح ) ): يحتمل أن يكون من هذا النوع وهو مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يريد من مطلق المسائل المحتاج إليها، زاد الترمذي من طريق المسعودي عن الوليد فسكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني فكأنه استشعر منه مشقة، ويؤيده ما في رواية لمسلم فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه؛ أي: شفقة عليه لئلا يسأم.

وقال ابن الملقن: إنما كانت هذه الثلاثة أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ لأن من ضيع الصلاة حتى خرج وقتها مع خفة مؤونتها وعظيم فضلها فهو لا شك لغيرها من أمر الدين أشد تضييعًا وتهاونًا واستخفافًا وكذا من ترك بر والديه فهو لغيره من حقوق الله أشد تضييعًا، وكذا الجهاد فمن حافظ على هذه الثلاثة حافظ على غيرها ومن ضيعها كان لغيرها أضيع فلذا خصت بأنها أفضل الأعمال.

وقال ابن بزيزة: الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن؛ لأن فيه بذل النفس، إلا أن الصبر على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على بر الوالدين أمر لازم دائم لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصديقون. انتهى.

فإن قلت: قد جاء في حديث آخر أن إطعام الطعام خير أعمال الإسلام فكيف الجمع بينه وبين حديث الباب؟

قلت: أجيب بأن الجواب اختلف باختلاف أحوال السائلين فأعلم كل قوم بما هو الأهم لهم واللائق بهم فلعل السائل كان مستكملًا لهذه الثلاثة وغيرها من شعائر الدين لكنه كان شحيحًا فأرشده إلى إطعام الطعام وقد مر أن الأفضلية أيضًا تختلف باختلاف الأوقات فلعل السؤال كان في زمن قحط وضيق وشدة.

وفي الحديث: أن أعمال البر يفضل بعضها على بعض.

وفيه: تعظيم حقوق الوالدين.

وفيه: السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد.

وفيه: الرفق بالعالم، والتوقف عن الإكثار عليه خشية ملاله، وما كان عليه الصحابة من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والشفقة عليه، وما كان هو عليه من إرشاد المسترشدين ولو شق عليه.

وفيه: أن الإشارة تنزل منزلة الصريح إذا كانت معينة للمشار إليه مميزة له عن غيره. كذا في (( الفتح ) ).

وقد أخرجه المؤلف أيضًا في الجهاد والأدب والتوحيد ومسلم في الإيمان والترمذي في الصلاة والبر والصلة والنسائي في الصلاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت