فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 1465

46 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:

قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس الأصبحي المدني، المتوفى سنة ست وعشرين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) وللأصيلي: بالجمع (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) وسقط عند الأصيلي وابن عساكر (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ) مصغر سهل واسمه نافع (بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر وهو من اللطائف، إذ يروي إسماعيل عن خاله عن عمه عن أبيه.

(أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير ابن عثمان بن عمرو القرشي التيمي المكي المدني أحد العشرة المبشرة بالجنة، والثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والستة أصحاب الشورى، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق رضي الله تعالى عنهم، شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بدرًا فإنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طريق الشام يتجسس الأخبار وقدم من الشام بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من بدر فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهمه فقال له: (( لك سهمك ) )قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: (( وأجرك ) ).

وسماه عليه السلام: طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفياض، ويقال: طلحة الطلحات أيضًا، وليس هو طلحة الطلحات الذي قيل فيه:

~رحم الله أعظمًا دفنوها بسجستان طلحةَ الطلحاتِ

لأن هذا خزاعي مدفون بسجستان.

وكان الصديق رضي الله عنه إذا ذكر يوم أُحُد يقول: ذاك يوم كله لطلحة، وجعل يومئذ طلحة نفسه وقاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها أربعة.

قتل يوم

ج 1 ص 320

الجمل سنة ست وثلاثين، وهو ابن أربع وستين سنة، قيل: اعتزل يوم الجمل في بعض الصفوف فرمي بسهم فقطع من رجله عرق النِّسا، فلم يزل دمه ينزف منه حتى مات، وأقر مروان بن الحكم أنه رماه، والتفت إلى أبان بن عثمان فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك.

وقالت عائشة رضي الله عنها: طلحة ممن {قَضَى نَحْبَهُ} ، {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} .

قال ابن قتيبة: دفن بقنطرة قرة ثم رأته بنته بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنه يشكو إليها النداوة، فأمرت به فاستخرج طريًا، ودفن في دار الهجرتين بالبصرة، وقبره مشهور، كذا في الكرماني.

(يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ) هو ضِمام بكسر المعجمة بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، وقيل: غيره (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) ولأبي ذر: هو في الأصل كل ما ارتفع من الأرض ضد الغور، والمراد به هنا: بلاد معروفة من أرض العرب وهي ما ارتفع من تِهامة إلى أرض العراق.

(ثَائِرُ الرَّأْسِ) بالمثلثة؛ أي: متفرق شعر الرأس؛ لعدم الرفاهية بترجيله فحذف المضاف للقرينة العقلية على حد: {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ} [الفتح:27] ، أو أطلق اسم المحل على الحال؛ لأنه ينبت منه كما يطلق اسم السماء على المطر أو مبالغة بجعل الرأس كأنها المنتفشة و (( ثائر ) )بالرفع صفة لرجل ويجوز نصبه على الحال من رجل لوصفه بقوله: من أهل نجد وإضافته لفظية فلا تقدح في مجيئه حالًا.

(نسْمَعُ) بالنون فيه وفي (( ولا نفقه ) )للجمهور، ورواهما ابن عساكر: بالتحتية والبناء للمفعول (دَوِيُّ صَوْتِهِ) بفتح الدال المهملة وكسر الواو وتشديد الياء على المشهور، وروي: بضم الدال.

لكن قال عياض: أنه خلاف الصواب، والدوي: بُعد الصوت في الهواء وعلوه، ومعناه: صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل، قاله الكرماني.

وقال الخطابي: هو صوت مرتفع متكرر لا يفهم.

(وَلاَ نفْقَهُ) أي: لا نفهم منه (مَا يَقُولُ) لندائه إياهم من بعيد.

قال في (( الفتح ) ): وهذا الرجل جزم ابن بطال وآخرون بأنه ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر، والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم لقصته عقب حديث طلحة، ولأن في كل منهما أنه بدوي وأن كلًا منهما قال في آخر حديثه: (( لا أزيد على هذا ولا أنقص ) ).

لكن تعقبه القرطبي: بأن سياقهما مختلف وأسئلتهما متباينة.

قال: ودعوى أنهما قصة واحدة دعوى فرط وتكلف شطط من غير ضرورة، والله أعلم.

وقوَّاهُ بعضهم: بأن ابن سعد وابن عبد البر وجماعة لم يذكروا لضمام إلا الدوي وهذا غير لازم. انتهى.

(حَتَّى دَنَا) أي: قرب منا ففهمنا قوله، وهذا يدل على أن عدم فهم كلامه كان لبعده (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ) قال في (( الفتح ) ): أي: عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر الشهادة؛ لأنه علم أنه يعلمها أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكرها فلم ينقلها الراوي لشهرتها، وإنما لم يذكر الحج، إما لأنه لم يكن فرض بعد، أو الراوي اختصره.

ويؤيد هذا الثاني: ما خرجه المصنف في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث: (( فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام ) )فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات. انتهى.

وقال الكرماني: ويمكن أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وقد ذكر له الشهادة فلم يسمعها طلحة؛ لبعد موضعه أو لم ينقله لشهرته.

قال العيني: قلت: هذا بعيد، إذ لو كان السؤال عن حقيقة الإسلام لما كان الجواب مطابقًا للسؤال، وفيه نسبة الراوي الصحابي إلى التقصير في تبليغ كلام الرسول، وقد ندب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ضبط كلامه وحفظه وبلاغه مثل ما يسمعه منه في الحديث المشهور. انتهى.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : مجيبًا له (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) هو وما بعده مرفوع والمبتدأ محذوف؛ أي: الإسلام، كذا في (( المصابيح ) ).

وجوز العيني النصب على تقدير: خذ أو هاك أو نحوهما، والجر على أنه بدل من الإسلام وفيه حذف أيضًا تقديره إقامة خمس صلوات؛ لأن الصلوات ليست عين الإسلام بل إقامتها من شرائع الإسلام.

(فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) صفة لخمس على الاحتمالات السابقة، قيل: فيه دليل على أن الصلوات الخمس واجبة على الكفار، وأنهم مخاطبون بفروع الشريعة.

أقول: وفيه نظر، إذ احتمال كون السؤال عن فروع الشريعة متأتٍّ، بل هو الظاهر كما تقدم ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، ويؤيد ذلك رواية إسماعيل بن جعفر أنه قال في سؤاله: أخبرني

ج 1 ص 321

ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: (( الصلوات الخمس ) )فظهر بهذا أن السائل كان مسلمًا، وظهر بلا تكلف مطابقة الجواب للسؤال.

قال في (( الفتح ) ): ويستفاد من سياق مالك أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس خلافًا لمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحى، أو صلاة العيد، أو الركعتين بعد المغرب. انتهى.

أقول: وفيه تأمل؛ لأن السؤال إما عن فرائض الإسلام، أو عن حقيقته، ولا ينافيه إثبات الوجوب لشيء مما عدا المذكورات فكأنه قال: هل علي غيرها من أركان الإسلام أو فرائضه؟ …فقال: لا أي: ليس عليك شيء من أركانه، أو من فرائضه غير المذكورات، فليتأمل.

(فَقَالَ) أي: الرجل، ولابن عساكر: بإسقاط الفاء (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) مبتدأ قدم خبره عليه، ويجوز أن يكون فاعلًا بالظرف لاعتماده، والظاهر: أنه أراد بغيرها ما هو من جنس الصلاة؛ لئلا ينافي ما بعده من الصيام والزكاة (قَالَ) عليه الصلاة والسلام (لاَ) أي: لا شيء عليك غيرها من جنسها.

قال القسطلاني: وهو حجة على الحنفية حيث أوجبوا الوتر.

وعلى الإصطخري من الشافعية حيث قال: إن صلاة العيدين فرض كفاية. انتهى.

وجوابه: يعلم مما مر آنفًا.

(إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ) يروى: بتشديد الطاء والواو من باب التفعل بإدغام إحدى التاءين في الطاء؛ لأن أصله تتطوع بتاءين، ويروى: بتخفيف الطاء وحذف إحدى التاءين، واختلف في المحذوف منهما فقيل: الثانية وهي تاء المطاوعة؛ لأن الثقل حصل عندها، وقيل: الأولى؛ لأن الثانية أتي بها لمعنى وحذفها يخل به وهو المنصدر [1] ويجوز إثباتهما على الأصل من غير إدغام.

قال العيني: وهذا الاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا بمعنى: لكن، ويجوز أن يكون متصلًا واختار الشافعية الانقطاع.

والمعنى: لكن يستحب لك أن تتطوع واختار الحنفية الاتصال، فإنه الأصل في الاستثناء، ويستدل به: على أن من شرع في صلاة نفل، أو صوم نفل وجب عليه إتمامه، وبقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] .

وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم بالشروع ولمّا حملته الشافعية على الانقطاع قالوا: لا تلزم النوافل بالشروع ولكن يستحب له إتمامها ولا يجب بل يجوز له قطعها.

وقال الطيبي: الحديث مستمسك لنا في أصلين:

أحدهما: في شموله عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث كعدم وجوب الوتر.

والثاني: أن الشروع غير ملزم؛ لأنه نفي وجوب شيء آخر مطلقًا شرع فيه، أو لم يشرع، وتمسك الخصم به على أن الشروع ملزم؛ أنه نفى وجوب شيء آخر إلا ما تطوع به والاستثناء من النفي إثبات فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوع به وهو المطلوب.

قال: وهذا مغالطة؛ لأن هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان:56] ؛ أي: لا يجب شيء إلا أن تطوع وقد علم أن التطوع ليس بواجب فلا يجب شيء آخر.

قلت: أما الأول فلا نسلم شمول عدم الوجوب مطلقًا بل الشمول بالنظر إلى تلك محالة وتلافيًا [2] وقت الإخبار والوتر لم يكن واجبًا حينئذ يدل عليه أنه لم يذكر الحج فالوتر مثله وأما الثاني فليس من وادي قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان:56] على أن يكون المعنى لا يجب شيء إلا أن تطوع، بل معنى إلا أن تطوع أن تشرع فيه فيصير واجبًا كما يصير واجبًا بالنذر.

وقال بعضهم: وحرف المسألة دائر على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع احتاج إلى دليل، والدليل عليه: ما روى النسائي وغيره: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر ) ).

وفي البخاري: (( أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه ) )فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي.

قلت: من العجب أن هذا القائل كيف لم يذكر الأحاديث الدالة على استلزام الشروع في العبادة الإتمام وعلى القضاء بالإفساد وقد روى أحمد في (( مسنده ) )عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين وأهديت لنا شاة فأكلنا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال: (( صوما يومًا مكانه ) )وفي لفظ آخر: (( أبدلا ) )أمر بالقضاء والأمر للوجوب، فدل على أن الشروع ملزم وأن القضاء بالإفساد واجب.

وروى الدارقطني عن أم سلمة رضي الله عنها: (( أنها صامت يومًا تطوعًا فأفطرت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقضي يومًا مكانه ) ).

وحديث النسائي لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ترك القضاء بعد الإفطار، وإفطاره ربما كان عن عذر، وحديث جويرية إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار كالضيافة، وكل ما جاء من أحاديث هذا الباب محمول على مثل هذا، ولو وقع التعارض بين الأخبار، فالترجيح معنا لثلاثة أوجه:

أحدها: إجماع الصحابة.

والثاني: أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نافية، والمثبت مقدم على النافي.

والثالث: أنه احتياط في باب العبادة فافهم. انتهى.

وأقول: في نقله إجماع الصحابة

ج 1 ص 322

توقف، إذ لو ثبت إجماع الصحابة لما تأتى للشافعي مخالفتهم وخرق إجماعهم فليتأمل.

قال في (( المصابيح ) ): ولا يخفى أن هذا الرجل إنما وفد بالمدينة وأقل ما قيل فيه أنه وفد سنة خمس، وقد تقرر في ذلك الزمن النهي عن أمور كالزنا والقتل والعقوق والظلم والسرقة، فثبت أن عليه وظائف أخر غير الصلاة والصيام والزكاة.

وأجاب ابن المنير: بأنه عليه الصلاة والسلام كان يجيب بما يقتضيه الحال وبالأهم فالأهم، إذ لا يمكن بيان الشريعة دفعة واحدة لاسيما لحديثِ عهدٍ بالإسلام. انتهى.

(قَالَ) ولأبي الوقت والأصيلي: (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَصِيَامُ رَمَضَانَ) عطفًا على (( خمس صلوات ) )، ولأبي ذر: (قَالَ) أي: الرجل (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟) أي: غير صيام رمضان (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) أي: ليس عليك غير صيام رمضان مما هو من جنسه (إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ) يجري فيه نظير ما تقدم (قَالَ) أي: طلحة بن عبيد الله (وَذَكَرَ لَهُ) بواو العطف على ما تقدم.

قال الكرماني: هذا قول الراوي كأنه نسي ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التبس عليه، فقال: (( وذكر له ) )الزكاة وهو يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروعة في الرواية فإذا التبس عليه يشير في لفظه إلى ما ينبئ عنه كما فعل راوي هذا الحديث.

وقال في (( الفتح ) ): في رواية إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فتضمنت هذه الرواية في القصة أشياء منها بيان نصب الزكاة فإنها لم تفسر في الروايتين وكذا أسماء الصلوات وكان السبب فيها شهرة ذلك عندهم.

(رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، قَالَ) أي: الرجل، وللأصيلي وأبي ذر: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) مما هو من جنسها (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) أي: ليس عليك غيرها (إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ) بالتشديد والتخفيف كما تقدم (قَالَ) أي: طلحة رضي الله عنه (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ) من الإدبار وهو التولي (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حالية من فاعل أدبر (وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ) .

قال في (( المصابيح ) ): أحسن ما يقال فيه: أن المعنى أبلغها قومي على ما سمعتها من غير زيادة ولا نقص؛ لأنه كان وافدًا لهم يتعلم ويعلمهم قاله ابن المنير.

فإن قلت: في كتاب الصيام والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا فهذا مما يدفع هذا التأويل؟.

قلت: راوي ما في الصيام هو طلحة وما هنا من رواية أنس وقد مر قريبًا أن القرطبي جعلها قضيتين فتأمله. انتهى.

أقول: قد انقلب عليه الأمر فإن الذي هنا من رواية طلحة وما في الصيام من رواية أنس كما هو ظاهر، وقيل: المعنى لا أزيد في التصديق والقبول ولا أنقص منهما.

(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَفْلَحَ) أي: الرجل المذكور من الفلاح وهو الفوز، وقيل: الظفر وإدراك البغية قالوا وليس في لغة العرب كلمة أجمع للخير من الفلاح (إِنْ صَدَقَ) جواب الشرط محذوف لدلالة أفلح عليه على مذهب البصريين على حد قولك أنت ظالم إن فعلت وقال الكوفيون هو نفس الجواب.

قال ابن الملقن: فيه استعمال الصدق في الخبر المستقبل.

وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي والخلف مخالفته في المستقبل، فعلى هذا يكون الصدق في الخبر عن الماضي والوفاء في المستقبل وهذا الحديث يرد عليه مع قوله تعالى: {ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] .

وقال ابن بطال: هذا الحديث حجة في أن الفرائض تسمى سلامًا، ودل قوله: (( أفلح إن صدق ) )على أنه إن لم يصدق في التزامها فليس بمفلح، وفيه رد على المرجئة، إذ شرط في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة.

وفي العيني: فإن قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر المنهيات ولا جميع الواجبات؟.

وأجيب: بأنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص مما فرضه الله عليّ شيئًا فعلى عموم قوله بشرائع الإسلام وقوله بما فرض الله عليّ يزول الإشكال في الفرائض وأما النوافل فقيل يحتمل أن هذا كان قبل شرعها ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض وأما المنهيات فإنها داخلة في شرائع الإسلام. انتهى.

وأجاب ابن بطال: باحتمال أن يكون ذلك ورد قبل ورود النهي ورده في (( الفتح ) )فقال: وهو عجيب منه؛ لأنه جزم بأن السائل ضمام وأقدم ما قيل فيه أنه وفد سنة خمس، وقيل: بعد ذلك وقد كان أكثر المنهيات واقعًا.

والصواب: أن ذلك داخل

ج 1 ص 323

في عموم قوله فأخبره بشرائع الإسلام كما أشرنا إليه، فإن قيل: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح وأما بأن لا يزيد فكيف يصح؟.

أجاب النووي: بأنه أثبت له الفلاح؛ لأنه أتى بما عليه وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحًا؛ لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى فإن قيل كيف أقره على حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا.

أجيب: بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحًا منه.

وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه على سبيل المبالغة في التصديق والقبول؛ أي: قبلت كلامك قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من طريق القبول.

وقال ابن المنير: يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالإبلاغ؛ لأنه كان وافد قومه ليتعلم ويعلمهم.

قلت: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر فإن نصها: (( لا أتطوع شيئًا ولا أنقص ) ). أي: لا أغير صفة الفرائض كمن ينقص الظهر مثلًا ركعة أو يزيد المغرب.

قلت: ويعكر عليه أيضًا لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر والله أعلم، كذا في (( الفتح ) ).

وقال الكرماني بعدما ذكر الأجوبة المتقدمة: واعلم أنه سقط بهذه التقديرات بهذه الوجوه الثمانية ثلاثة اعتراضات:

الأول: أن مفهوم الشرط أنه إذا زيد عليه لا يفلح.

الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقره على حلفه، وقد جاء النكر على من حلف أن لا يفعل خيرًا.

الثالث: كيف قال لا أزيد وليس فيه جميع الواجبات ولا المنهيات ولا المندوبات، وأقره عليه السلام، بل زاد عليه حيث قال: (( أفلح ) ).

واعلم أيضًا: أنه لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج فقيل؛ لأنه لم يفرض حينئذ، أو أن الرجل سأل عن حاله حيث قال: هل علي غيرها؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بما عرف من حاله، ولعله ممن لم يكن الحج واجبًا عليه.

وقيل: لم يأت في هذا الحديث الحج كما لم يذكر في بعضها الصوم، وفي بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصًا، وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظ فأداه، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في (( الصحيح ) )لما عرف أن زيادة الثقة مقبولة.

والقاعدة الأصولية فيها: أن الحديث إذا رواه راويان، واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قبلت، وحمل ذلك على نسيان الراوي أو ذهوله أو اقتصاره على المقصود منه في صورة الاستشهاد، وإن كانت مغيرة تعارضت الروايتان، وتعين طلب الترجيح، ولأصحاب الحديث فيه تفاصيل. انتهى.

وجاء في بعض الروايات: (( أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق ) ).

فإن قيل: ما التوفيق بينه وبين حديث: (( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ) )؟.

فالجواب: أن ذلك كان قبل النهي، أو أن ذلك ليس حلفًا، وإنما هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامهم غير قاصدين بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد في من قصد الحقيقة لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله تعالى.

وفي الحديث كما قال النووي: أنه لا يجب صوم يوم عاشوراء ولا غيره سوى رمضان، وهذا مجمع عليه، واختلفوا أن صوم عاشوراء كان واجبًا قبل رمضان أم لا؟.

فعند الشافعي: في الأظهر ما كان واجبًا وعند أبي حنيفة كان واجبًا وهو وجه للشافعي، وفيه جواز قول رمضان من غير ذكر شهر وفيه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وفيه جواز الحلف في الأمر المهم من غير استحلاف ولا ضرورة؛ لأن الرجل حلف بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكره، وفيه أن السفر لتعلم العلم مشروع قال تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ} [التوبة:122] الآية.

ورجال الحديث كلهم مدنيون وفيهم التسلسل بالأقارب كما تقدم.

وقد أخرجه المؤلف في الصوم وفي ترك الخيل، وأخرجه مسلم في الإيمان، وأبو داود في الصلاة، والنسائي فيها، وفي الصوم.

[1] كذا في الأصل.

[2] كذا اتضحت معنا في الأصل صفحة (( 170/أ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت