وبالسند قال:
581 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين الحوضي (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدستوائي (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ) رُفَيع الرياحي مصغرًا.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي) المراد من الشهادة هنا لازمها وهو الإعلام لا الشهادة عند الحاكم؛ أي: أخبرني وأعلمني (رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ) أي: موصوفون بالصدق والعدالة.
(وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ) بن الخطاب، وللإسماعيلي: شهد عندي رجال مرضيون فيهم عمر، وله من رواية شعبة: (( حدثني رجال أحبهم إلي عمر ) ).
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى) نهي تحريم (عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ) بضم المثناة الفوقية وكسر الراء لأبي ذر؛ أي: تضيء وترتفع، ولغيره: (( تَشرُق ) )بفتح أوله وضم ثالثه بوزن تضرب، يقال: شرقت الشمس؛ أي: طلعت.
(وَبَعْدَ الْعَصْرِ) أي: ونهى عن الصلاة أيضًا بعد العصر (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) وقيده الشافعية في الوقتين بالنفل الذي لا سبب له أو له سبب متأخر، أما ما كان له سبب متقدم كسنة الوضوء وتحية المسجد فلا يمتنع فعله في هذين الوقتين.
وفي (( الفتح ) ): قال النووي: اجتمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها.
واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكر، وصلاة العيد والكسوف، وصلاة الجنائز وقضاء الفائتة، فذهب الشافعي وطائفة إلى جواز ذلك كله بلا كراهة.
ومذهب أبي حنيفة وآخرين: أن ذلك داخل في عموم النهي، واحتج الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر وهو صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى ويلتحق به ما له سبب.
قلت: وما نقله من الإجماع والاتفاق متعقب، فقد حكى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا وأن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم.
وعن طائفة أخرى: المنع مطلقًا في جميع الصلوات، وصح عن أبي بكرة وكعب بن عجرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات.
وحكى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنائز في الأوقات المكروهة وهو متعقب بما سيأتي في بابه وما ادعاه ابن حزم وغيره من النسخ مستند إلى حديث: (( من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى ) )، فدل على إباحة الصلاة في الأوقات المنهية انتهى.
وقال غيرهم: ادعاء التخصيص أولى من ادعاء النسخ فيحمل النهي على ما لا سبب له ويخص منه ما له سبب جمعًا بين الأدلة.
وقال البيضاوي: اختلفوا في جواز الصلاة بعد الصبح والعصر وعند الطلوع والغروب وعند الاستواء، فذهب داود إلى الجواز مطلقًا وكأنه حمل النهي على التنزيه.
قلت: بل المحكي عنه أنه ادعى النسخ كما تقدم.
قال: وقال الشافعي: تجوز الفرائض وماله سبب من النوافل، وقال أبو حنيفة: يحرم الجميع سوى عصر يومه، وتحرم المنذورة أيضًا.
وقال مالك: تحرم النوافل دون الفرائض ووافقه أحمد لكن استثنى ركعتي الطواف.
والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنه قال: (سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ) الرياحي (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَاسٌ بِهَذَا) أي: بهذا الحديث.
قال العيني وتبعه القسطلاني: بهذا الحديث؛ أي: بمعناه وظاهر قوله: بهذا الحديث أنه بلفظه ومعناه، وفي هذا الطريق تصريح
ج 2 ص 360
قتادة بسماعه هذا الحديث من أبي العالية ومتابعة شعبة لهشام.