وبالسند قال:
589 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) بضم النون، محمد بن الفضل السدوسي قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزدي الجهضمي نسبة إلى الجهاضم بطن من الأزد ومحلة لهم بالبصرة (عَنْ أَيُّوبَ) السختياني.
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب (قَالَ: أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ) أي: وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم وأقرهم على ذلك إن كان في حياته عليه السلام، أو أراد بذلك إجماعهم إن كان بعد وفاته عليه السلام؛ لأن الإجماع لا ينعقد في حياته لإمكان الرجوع إليه إذ الحجة قوله أو فعله.
(لاَ أَنْهَى) بفتح الهمزة
ج 2 ص 364
والهاء؛ أي: لا أمنع (أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلاَ نَهَارٍ) وللكشميهني: ، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: (مَا شَاءَ) أي: أراد أن يصلي (غَيْرَ أَنْ لاَ تَحَرَّوْا) بحذف إحدى التاءين ونصب (( غير ) )على الحال.
(طُلُوعَ الشَّمْسِ) أي: وقت طلوعها (وَلاَ غُرُوبَهَا) أي: ولا وقت غروبها وهذا يدل بظاهره على أنه لا منع من الصلاة في غير هذين الوقتين ومنه الاستواء، فقد روى ابن أبي شيبة: (( أن مسروقًا كان يصلي نصف النهار فقيل له: إن أبواب جهنم تفتح نصف النهار فقال: الصلاة أحق ما استعيذ بها من جهنم حين تفتح أبوابها ) )، ومنعه الأكثرون ومنهم الشافعي وأبو حنيفة وأحمد لما تقدم.
قال في (( الفتح ) ): ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تكره فيها الصلاة أنها خمسة: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء، وترجع بالتحقيق إلى ثلاثة من بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس فتدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس.
وكذا من بعد صلاة العصر إلى أن تغرب ولا يعكر على ذلك أن من لم يصل الصبح مثلًا حتى بزغت الشمس يكره له التنفل حينئذ؛ لأن الكلام إنما هو جار على الغالب المعتاد، وأما هذه الصورة النادرة فليست مقصودة وبالجملة عدها أربعة أجود وبقي خامس وهو الصلاة وقت استواء الشمس.
وكأنه لم يصح عند المؤلف على شرطه فترجم لنفيه، وفيه أربعة أحاديث: حديث عقبة بن عامر وهو عند مسلم ولفظه: (( وحين يقوم قائم الظهيرة ) ).
وحديث عمرو بن عنبسة وهو عند مسلم أيضًا ولفظه: (( حين يستقل الظل بالرمح فإذا أقبل الفيء فصل ) )، وفي لفظ لأبي داود: (( حين يعدل الرمح ظله ) ).
وحديث أبي هريرة وهو عند ابن ماجه والبيهقي ولفظه: (( حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح فإذا زالت فصل ) ).
وحديث الصنابجي وهو في (( الموطأ ) )ولفظه: (( ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها ) )وفي آخره: (( ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات ) )، وهو حديث مرسل مع قوة رجاله، وفي الباب أحاديث أخر ضعيفة وبقضية هذه الزيادة قال عمر بن الخطاب: (( فنهى عن الصلاة نصف النهار ) ).
وعن ابن مسعود قال: (( كنا ننهى عن ذلك ) )، وعن أبي سعيد المقبري: قال: (( أدركت الناس وهم يتقون ذلك ) )، وهو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك فقال: (( ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار ) ).
قال ابن عبد البر: وقد روى مالك حديث الصنابجي فإما أنه لم يصح عنده وإما أنه رده بالعمل الذي ذكره انتهى.
وقد استثنى الشافعي ومن وافقه من ذلك يوم الجمعة وحجتهم في ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى التبكير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام كما سيأتي في بابه، وجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلا بعد الزوال، فدل على عدم الكراهة.
وجاء فيه حديث عن أبي قتادة مرفوعًا: (( أنه صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة ) )، وفي إسناده انقطاع، وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضمت قوي الخبر.
وقد فرق بعضهم بين حكمة النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح والعصر، وعن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فقال: تكره في الحالتين الأوليتين وتحرم في الحالتين الأخيرتين.
وممن قال بذلك: محمد بن سيرين، ومحمد ابن جرير الطبري، واحتج بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أنه صلى بعد العصر فدل على أنه لا يحرم وكأنه يحمل فعله صلى الله عليه وسلم على بيان الجواز.
وسيأتي ما فيه في الباب الذي بعده وروى عن ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وإباحتها بعد العصر حتى تصفر.
وبه قال ابن حزم واحتج بحديث علي أنه صلى الله عليه وسلم: (( نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة ) ).
رواه أبو داود بإسناد صحيح قوي والمشهور إطلاق الكراهة فقيل: هي كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه انتهى كلام (( الفتح ) ).
تتمة: قال بعض العلماء: المراد بحصر الكراهة
ج 2 ص 365
في الأوقات الخمسة إنما هو بالنسبة للأوقات الأصلية وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل في وقت إقامة الصلاة ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة.
وفي حال أداء المكتوبة جماعة لمن لم يصلها، وقبل صلاة العيدين، وبين صلاتي الجمع بعرفة ومزدلفة، وعند مدافعة الأخبثين، ووقت حضور طعام تاقت نفسه إليه وغير ذلك مما هو مذكور في كتب الفروع، وقد أوصلها بعض متأخري الحنفية إلى نيف وثلاثين وقتًا.