وبالسند قال:
595 - (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) بفتح الميم، أبو الحسن البصري الآدمي (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء، ابن غَزْوان _ بفتح الغين وسكون الزاي المعجمتين _ الكوفي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) مصغرًا الواسطي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعي بن بلدة الأنصاري رضي الله عنه.
(قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ) وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً) قال في (( الفتح ) ): كان ذلك في رجوعه من خيبر كذا جزم به بعض الشراح معتمدًا على ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة.
وفيه نظر لما بينته في (( باب الصعيد الطيب ) )من كتاب التيمم.
ولأبي نعيم في (( المستخرج ) )من هذا الوجه في أوله: (( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسير بنا ) ).
وزاد مسلم من طريق عبد الله بن رباح عن أبي قتادة في أول الحديث قصة له في مسيره مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نعس حتى مال عن راحلته، وأن أبا قتادة دعمه ثلاث مرات، وأنه في الأخيرة مال عن الطريق فنزل في سبعة أنفس فوضع رأسه ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا ولم يذكر ما وقع عند البخاري من قول بعض القوم: لو عرست بنا ولا قول بلال أنا أوقظكم انتهى.
(فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ) قيل: هو عمر.
وقال في (( الفتح ) ): لم أقف على تسمية (لَوْ عَرَّسْتَ) بتشديد الراء من التعريس، وهو نزول المسافر آخر الليل للاستراحة؛ أي: لو نزلت (بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي: لاسترحنا فجواب لو محذوف، ويحتمل أن تكون للتمني فلا حذف.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلاَةِ) أي: صلاة الفجر فيخرج وقتها وأنتم نائمون، ففيه أنه ينبغي لمن لا يثق بالانتباه أن يعتمد على من يوقظه لإدراك الصلاة في وقتها.
(قَالَ) ولأبي ذر والأصيلي: (بِلاَلٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ) وفي بعض الروايات: (فَاضْطَجَعُوا) بفتح الجيم بصيغة الماضي.
(وَأَسْنَدَ بِلاَلٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ) أي: دابته التي يرتحلها؛ أي: يركبها (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) للسرخسي:
ج 2 ص 368
بدون ضمير (فَنَامَ) بلال.
(فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) من منامه (وَقَدْ طَلَعَ) بفتح اللام (حَاجِبُ الشَّمْسِ) أي: طرفها الأعلى الذي أول ما يظهر منها.
ولمسلم: (( فكان أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره ) )، وللمصنف في التيمم: (( فما أيقظنا إلا حر الشمس وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان يسميهم أبو رجاء فنسي عوف ثم عمر بن الخطاب.
وللطبراني من رواية عمر ابن أمية قال ذو مخبر: (( فما أيقظني إلا حر الشمس فجئت أدنى القوم فأيقظتهم وأيقظ الناس بعضهم بعضًا حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ) ).
أقول: وظاهر هذه الأخبار التعارض، وأقرب ما يحمل عليه تعدد الواقعة فليحرر.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَا بِلاَلُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ) أي: أين الوفاء بقولك: أنا أوقظكم، وأراد صلى الله عليه وسلم تنبيهه على أن الجزم بالأمور المستقبلة التي لم يقم على وقوعها دليل مما لا ينبغي.
(قَالَ) بلال معتذرًا عن ذلك (مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ) بتشديد التحتية (نَوْمَةٌ) نائب فاعل (( ألقيت ) ).
(مِثْلُهَا) بالرفع نعت لنومة، وصح نعت النكرة بها؛ لأنها لا تتعرف بالإضافة.
(قَطُّ) بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة في أفصح لغاتها (قَالَ) صلى الله عليه وسلم تطييبًا لقلب بلال وبيانًا لعذره.
(إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ) أي: قطع تعلقها بأبدانكم وتصرفها فيها ظاهرًا (حِينَ شَاءَ) أي: أراد (وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ) عند اليقظة (حِينَ شَاءَ) وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر:42] .
قال في (( الفتح ) ): ولا يلزم من قبض الروح الموت، فإن الموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط.
قال في (( الكشاف ) ): توفيها إماتتها وهو أن يسلب ما هي به حية حساسة دراكه من صحة إجرائها وسلامتها؛ لأنها عند سلب الصحة كان ذاتها قد سلبت {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر:42] يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها؛ أي: يتوفاها حين تنام تشبيهًا للنائمين بالموتى.
ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} [الأنعام:60] حيث لا تميزون ولا تتصرفون كما أن الموتى كذلك فيمسك الأنفس التي قضى عليها الموت الحقيقي؛ أي: لا يردها في وقتها حية ويرسل الأخرى النائمة إلى أجل مسمى إلى وقت ضربه لموتها.
وقيل: يتوفى الأنفس يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهي أنفس التمييز.
قالوا: فالتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة؛ لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس ورودًا عن ابن عباس: (( في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس ) )، فالنفس التي بها العقل والتمييز والروح التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه، والصحيح ما ذكرت أولًا انتهى.
وللسهيلي في (( الروض ) ): الأنفس تحقيق نفيس في أن الروح هي النفس أو أنها متغاير أن ينبغي مراجعته.
قال في (( الفتح ) ): حين شاء في الموضعين ليس لوقت واحد، فإن نوم القوم لا يتفق غالبًا في وقت واحد بل يتتابعون فتكون حين الأولى خبرًا عن أحيان متعددة انتهى.
وأقول: ليتأمل في تخصيصه حين الأولى بذلك فإن الاستيقاظ أيضًا كان في أحيان متعددة؛ لأنهم لم يستيقظوا دفعة بل بالتدريج فلان ثم فلان كما في بعض الروايات.
(يَا بِلاَلُ، قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلاَةِ) بالموحدتين في الموضعين مع تشديد ذال فأذن، وللكشميهني والمستملي: بمد الهمزة من باب الأفعال وحذف الباء من الناس، وللأصيلي: بالمد للناس بلام مكان الموحدة، وهذا موضع المطابقة للترجمة وهو للأذان الفائتة.
قال العيني: واختلف العلماء فيه فقال أصحابنا: يؤذن للفائتة ويقيم واحتجوا في ذلك بحديث عمران بن حصين رواه أبو داود وغيره وفيه: (( ثم أمر مؤذنًا فأذن فصلى ركعتين قبل الفجر ثم أقام ثم صلى الفجر ) ).
وبه قال الشافعي في (( القديم ) )وأحمد وأبو ثور وابن المنذر: وإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام وهو مخير في الباقي إن شاء أذن وأقام لكل صلاة من الفوائت، وإن شاء اقتصر على الإقامة لما روى الترمذي عن ابن مسعود: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته يوم الخندق أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء ) ).
(فَتَوَضَّأَ) أي: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأبي نعيم في (( مستخرجه ) ): (( فتوضأ الناس ) ) (فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ) بتشديد الضاد المعجمة بعد الألف؛ أي: صفت (قَامَ) عليه الصلاة والسلام (فَصَلَّى) بالناس الصبح.
وفيه: أن الفائتة بعذر لا يجب قضاؤها فورًا وهو الصحيح ولكن يستحب قضاؤها على الفور.
وأما الفائتة بلا عذر: فالأصح قضاؤها على الفور، وقيل له التأخير كما في الأول.
قال العيني: وفيه أن الفوائت لا تقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
واختلف أصحابنا في قدر الوقت الذي يباح فيه الصلاة بعد الطلوع، قال في الأصل: حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين.
وقال أبو بكر بن الفضل: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس لا يباح فيه الصلاة فإذا عجز عن النظر يباح، وفيه دليل على جواز قضاء الصلاة الفائتة بالجماعة.
واحتج به المهلب: على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح قال: لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحد بمراقبة وقت صلاة غيرها، وفيه نظر لا يخفى، وفيه دليل على قبول خبر الواحد واستدل به قوم على ذلك.
قال ابن بزيزة: وليس هو بقاطع فيه لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول بلال بمجرده بل بعد النظر إلى الفجر لو استيقظ مثلًا، وقد استدل به مالك على عدم قضاء سنة الفجر.
وقال أشهب: سئل مالك هل ركع صلى الله تعالى عليه وسلم ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس؟ قال: ما بلغني.
وقال أشهب: بلغني
ج 2 ص 369
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركع، وقال علي ابن أبي زياد قاله غير مالك وهو أحب إلي أن يركع وهو قول الكوفيين والثوري والشافعي.
وقد قال مالك: إن أحب أن يركعهما من فاتته بعد طلوع الشمس فعل، قلت: مذهب محمد بن الحسن إذا فاتته ركعتا الفجر يقضيهما إذا ارتفع النهار إلى وقت الزوال وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يقضيها هذا إذا فاتت وحدها، وإذا فاتت مع الفرض تقضى اتفاقًا.
وفيه أقوى دليل على عدم جواز الصلاة عند طلوع الشمس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة حتى ابياضت ولورود النهي فيه أيضًا انتهى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد وأبو داود والنسائي.