وبالسند قال:
602 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) السدوسي (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ) بالفوقية المفتوحة بعد العين المهملة الساكنة (ابْنُ سُلَيْمَانَ) التيمي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) سليمان بن طرخان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن النهدي.
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله تعالى عنهما، تقدم في باب نوم الرجل في المسجد (إِنَّ) بكسر الهمزة بتقدير قال، أو بفتحها بتقدير حدثنا (أَصْحَابَ الصُّفَّةِ) بضم الصاد وبفاء مشددة (كَانُوا أُنَاسًا) بضم الهمزة، وسقطت للكشميهني (فُقَرَاءَ) خبر بعد خبر لكان أو نعت.
وقال النووي: أصحاب الصفة رجال من الصحابة زهاد فقراء غرباء كانوا يأوون إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت لهم في آخره صفة وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه، وكانوا يقلون ويكثرون ففي وقت كانوا سبعين وفي وقت غير ذلك، فيزيدون بمن يقدم عليهم وينقصون بمن يموت أو يسافر أو يتزوج.
(وَأَنَّ) بفتح الهمزة أو كسرها (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ) في وقت من الأوقات (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ) يكفيهما (فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) من أهل الصفة ليعشيه معهم فإن طعام اثنين يكفي ثلاثة.
قال ابن الملقن: هذا أصح من رواية مسلم: (( فليذهب بثلاثة ) )، فإن ظاهرها صيرورتهم خمسة وحينئذ لا يمسك
ج 2 ص 376
رمق أحد؛ بخلاف الواحد مع الاثنين فيؤول على أن المراد فليذهب بتمام ثلاثة كما قال تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت:10] أي في تمامها.
(وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ) قال الكرماني: روي بجرها بتقدير: وإن كان عنده طعام أربع فليذهب بخامس أو سادس وبرفعها والتقدير أيضًا كذلك لكن بإعطاء المضاف إليه وهو (( أربع ) )إعراب المضاف وهو طعام، وبإضمار مبتدأ للفظ (( خامس ) )يعني فالمذهوب به خامس، فإن قلت: مقتضى العطف بـ: (( أو ) )أن الواقع بعد الرابع أحدهما، وإذا وقع أحدهما بعد الرابع لا يكون إلا خامسًا فكيف أطلق عليه سادسًا؟.
قلت: أو هنا للإباحة والإباحة لا تمنع اجتماع الاثنين كمجالس الحسن أو ابن سيرين وإذا اجتمعا صار الأخير سادسًا، أو يكون في الكلام وصف مقدر؛ أي: أو سادس مع الخامس، ويحتمل أن يكون المراد وإن كان عنده طعام خمسة فليذهب بسادس فيكون من عطف الجملة على الجملة.
قال ابن مالك: هذا الحديث مما حذف فيه بعد أن، والفاء فعلان وحرفا جر بقي عملهما والتقدير: وإن قام بأربعة فليذهب بخامس أو سادس.
(وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصديق رضي الله تعالى عنه بفتح همزة (( أَن ) )ولأبي ذر: بكسرها (جَاءَ بِثَلاَثَةٍ) من أهل الصفة (فَانْطَلَقَ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: بالواو.
(النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَشَرَةٍ) من أهل الصفة وقال: هنا انطلق؛ لأن الانطلاق هو السير المبعد عن المتكلم وقبله جاء؛ لأن المجيء هو السير المقرب للمتكلم، فإن مجيء أبي بكر رضي الله تعالى عنه بالثلاثة لمنزله مقرب لهم من ابنه عبد الرحمن؛ بخلاف انطلاق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة لمنزله.
واستفيد منه فضيلة الإيثار والمؤانسة وأنه عند كثرة الفقر أو الأضياف يوزعهم الإمام على أهل السعة بما يحتملون ويأخذ هو ما يمكنه.
قال ابن الملقن: ومن هنا أخذ عمر فعله في عام الرمادة إذ كان يكفي على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء ويقول: لن يهلك امرء عن نصف قوته، وكانت الضرورة في ذلك العام أشد، وقد تأول ابن عيينة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة:111] .
ومعناه: أن المؤمنين تلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: إن في المال حقًا سوى الزكاة.
(قَالَ) عبد الرحمن بن أبي بكر (فَهْوَ) أي: الشأن (أَنَا) مبتدأ خبره محذوف؛ أي: في الدار (وَأَبِي وَأُمِّي) ولأبي ذر وأبي الوقت عن الحموي: بالباء من غير ذكر الأم، وللمستملي: بالميم من غير ذكر الأب.
قال أبو عثمان النهدي: (فَلاَ أَدْرِي قَالَ) وللأربعة: ؛ أي: عبد الرحمن (وَامْرَأَتِي) واسمها أميمة بنت عدي بن قيس السهمي (وَخَادِمٌ، بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) الظرف صفة لـ: (( خادم ) )، وقول القسطلاني ظرف لـ: (( خادم ) )مسامحة يعني: أنه مشترك بينهما، وللأربعة: ولأبي ذر: .
(وَأنَّ أَبَا بَكْرٍ) رضي الله عنه (تَعَشَّى) أي: أكل العشاء وهو طعام آخر النهار (عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ لَبِثَ) بكسر الموحدة أي: مكث (حَيْثُ) بالمثلثة.
(صُلِّيَتِ) بالبناء للمفعول (الْعِشَاءُ) وللكشميهني وأبي الوقت: (( حتى ) )، ولابن عساكر في نسخة: بالنون (ثُمَّ رَجَعَ) أبو بكر إلى رسول صلى الله عليه وسلم (فَلَبِثَ) عنده (حَتَّى تَعَشَّى) بالشين، ولمسلم: (( حتى نعس ) ) (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بفتح العين كما في (( القاموس ) ).
وصوب القاضي عياض رواية مسلم لما في رواية البخاري من إيهام تكرر العشاء للنبي صلى الله عليه وسلم الأول مع أبي بكر والثاني وحده وذلك مستبعد انتهى.
أقول: لكن استعمال الصواب في مقابلته أيضًا مستبعد فالتعبير بنحو رجح أولى إذ يمكن تكرر العشاء له صلى الله عليه وسلم بأن يكون أكل في المرة الأولى قليلًا.
(فَجَاءَ) أي: أبو بكر (بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) أم رُومان _ بضم الراء وقد تفتح _ قال السهيلي: اسمها دعد، وقال غيره: زينب بنت عبد دُهْمان _ بضم الدال المهملة وسكون الهاء _ وهو الصحيح.
(وَمَا حَبَسَكَ) وللأربعة: (عَنْ أَضْيَافِكَ، أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ؟) فإن قلت: كانوا ثلاثة فكيف أفردت وقالت: ضيفك، قلت: الضيف يقع على الواحد والكثير قال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} [الذاريات:24] ، كالطفل في قوله تعالى:
ج 2 ص 377
{أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء} [النور:31] .
(قَالَ) أبو بكر لزوجته (أَوَمَا) بهمزة الاستفهام والواو العاطفة على مقدر (عَشَّيْتِيهِمْ) بباء تحتية بعد التاء الفوقية متولدة من إشباع كسره للتاء، وفي بعض النسخ: بحذفها وهو القياس (قَالَتْ: أَبَوْا) بفتح الموحدة؛ أي: امتنعوا من الأكل.
(حَتَّى تَجِيءَ) وامتناعهم من الأكل إما لظنهم أن أبا بكر إذا جاء بعد ما أكلوا ربما لا يجد شيئًا يأكله، أو لقصد التبرك بالأكل معه، وإما لأن العادة جرت بأكل الضيف مع صاحب البيت (قَدْ عُرِضُوا) بالبناء للمفعول وبالضاد المعجمة؛ أي: عرض الطعام عليهم فحذف الجار وأوصل الفعل.
وقيل: هو على القلب كعرضت الناقة على الحوض؛ أي: عرض الطعام عليهم، وفي رواية: _بفتح العين والراء مخففة _؛ أي: عرض الأهل من الزوجة والولد والخادم الطعام على الأضياف (فَأَبَوْا) أن يأكلوا تأكيد لـ: (( أبوا ) )الأول.
(قَالَ) عبد الرحمن: (فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ) بالهم؛ أي: تواريت واختفيت عن أبي بكر خوفًا منه إذ غضب من تأخير عشاء الضيوف، لأنه لم يكن في المنزل رجل غيره يقوم بإكرام الأضياف، ولأن أبا بكر كان أوصاه بهم.
(فَقَالَ) أبو بكر؛ أي: بعد أن ظهر عليه ابنه عبد الرحمن (يَا غُنْثَرُ) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح المثلثة وقد تضم، وهي الرواية المشهورة كما قاله النووي وغيره، وهو الثقيل والجاهل أو الدنيء أو اللئيم.
وفيه روايات أخر ترجع كلها إلى أنها صفات ذم وتنقيص لا يقصد حقيقتها، وإنما تقال عند الحدة والغضب من ارتكاب أمر غير لائق في اعتقاد المتكلم.
(فَجَدَّعَ) بفتح الجيم والدال المهملة المشددة فعين مهملة؛ أي: دعا أبو بكر على ولده عبد الرحمن بالجدع، وهو قطع الأنف والأذن أو الشفة وأكثر استعماله في الأنف (وَسَبَّ) أي: شتم ولده ظنًا منه أنه قصر في حق الأضياف فلما تبين له عدم ذلك أعرض عنه وأقبل على الأضياف (وَقَالَ) لهم: (كُلُوا لاَ هَنِيئًا) تأديبًا لهم لتحكمهم على رب المنزل بالحضور معهم، ولم يكتفوا بولده المأذون له في تقديم الطعام لهم أو هو خبر؛ أي: إنكم لم تهنئوا بالطعام لفوات وقته مع ما انضم إلى ذلك من مشقة الانتظار.
قال البرماوي: وهذا الذي ينبغي الحمل عليه؛ لأنه أليق بأخلاق الصديق رضي الله عنه.
وأقول: يعكر عليه أنها لو كانت كذلك لوجب تكرارها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (( فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ) )وقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة:31] ؛ بخلاف ما إذا كانت دعاء منه فلا يجب تكرارها كقوله:
~ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
وجوز ابن بطال أن يكون خطابًا لأهله لا لأضيافه؛ أي: كلوا مع الأضياف لا هنيئًا لكم حيث أخرتموهم وهو مناسب وإن كان بعيدًا.
(فَقَالَ) أبو بكر: (وَاللَّهِ لاَ أَطْعَمُهُ) بفتح العين؛ أي: لا آكل هذا الطعام المعد للأضياف (أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ) هو من الأسماء التي الهمزة فيها همزة وصل وقد تقطع وفيه لغات أوصلها ابن مالك إلى اثني عشر ونظمها وهي في جميعها للقسم، وجواب القسم قوله: (مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلاَّ رَبَا) بفتح الراء؛ أي: زاد الطعام.
(مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا) بالرفع بدل من الضمير المستتر ويجوز كونه فاعلًا وعلى الرفع اقتصر في اليونينة (قَالَ) عبد الرحمن (يَعْنِي، حَتَّى شَبِعُوا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: ، وفي رواية: (وَصَارَتْ) أي: الأطعمة.
(أَكْثَرَ) بالمثلثة، وفي بعض الأصول: بالموحدة (مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ) أي: الأطعمة أو الجفنة (كَمَا هِيَ) على حالها الأول لم تنقص شيئًا، وفيه إشارة إلى أن الزيادة كانت على قدر المأكول لكن ما سبق من قوله: (( أكثر ) )وما سيأتي من أنها أكثر منها قبل بثلاث مرات صريح في أن الزيادة أكثر مما أكل وهذه كرامة لأبي بكر رضي الله عنه ومعجزة للرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان هو الآمر له بذلك.
(أَوْ) هي (أَكْثَرَ مِنْهَا) (( أو ) )هنا إما للشك أو هي بمعنى بل كما في قوله تعالى: {مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات:147] على تعقب الاحتمالات (فَقَالَ) أبو بكر (لامْرَأَتِهِ) أم رومان (يَا أُخْتَ بَنِيْ فِرَاسٍِ) بكسر الفاء وبالراء والسين المهملة.
قال الكرماني: وقال كذلك؛ لأنها بنت عبد دُهْمان _ بضم المهملة وسكون الهاء _ أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، واسمها زينب وهي مشهورة بأم رُوْمان _ بضم الراء وسكون الواو _ وفي نسبها اختلاف كثير ذكره ابن الأثير.
قال النووي: معناه يا من هي من بني فراس انتهى.
(مَا هَذَا) أي: ما هذا الأمر العجيب، ولابن عساكر: ؛ أي: ما حال هذه الأطعمة التي لم تنقص بل زادت (قَالَتْ) امرأته: (لا وقرَّةِ عَيْنِي) قيل: (( لا ) )زائدة، وقيل: نافية؛ أي: لا شيء غير ما أقول على ما قيل في: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة:1] .
(( وقرة عيني ) ): قال في (( المصابيح ) ): قيل أرادت بقرة عينها النبي صلى الله عليه وسلم ففيه الحلف بالمخلوق لكنه مكروه، ويحتمل وخالق قرة عيني انتهى.
وقرة
ج 2 ص 378
العين قال الكرماني: يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان قيل إنما قال ذلك لأن عينه تقر لبلوغه أمنيته فلا يستشرف لشيء فيكون مشتقًا من القرار، وقيل: مأخوذ من القر وهو البرد؛ أي: أن عينه باردة لسرورها وعدم تغلقها.
قال الأصمعي: أقر الله عينه؛ أي: أبرد دمعه؛ لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة انتهى.
وتعقبه المبرد فقال: كل دمع حار، قال: ومعنى قولهم: هو قرة عيني إنما يريدون هو رضى نفسي.
(لَهِيَ ِإلاَّ أَنْ أَكْثَرَ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ) وللأصيلي: (فَأَكَلَ مِنْهَا) أي: من الأطعمة أو الجفنة (أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ) بكسر الكاف وفتحها (مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي يَمِينَهُ) بقوله: والله لا أطعمه أبدًا، فأرغم الشيطان بالحنث الذي هو خير وأكل وكفر عن يمينه لكونه أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ) )وقيل: المراد: لا أطعمه معكم أو في هذه الساعة أو عند الغضب.
قال الكرماني: هذا مبني على جواز تخصيص العموم بالنية وعلى أن الاعتبار بخصوص المسبب لا بعموم اللفظ.
(ثُمَّ أَكَلَ أبو بكر مِنْهَا) أي: من الأطعمة أو الجفنة أو البقية (لُقْمَةً أخرى) لتطيب قلوب أضيافه وتأكيدًا لدفع الوحشة عنهم.
قاله القسطلاني: لكن الذي قاله الكرماني وغيره أن الأكل كان مرة واحدة، قال الكرماني: فإن قلت: ما الفائدة في تكرار ثم أكل وليس ثم أكلان بل أكل واحد؟ قلت: لما كان أكل الأول مبهمًا أراد دفع الإبهام بأنه أكل لقمة واحدة فهو بيان.
وأقول: المتبادر ما ذكره القسطلاني وما المانع من أكله لقمة أخرى ليحتاج إلى التأويل الذي ذكره الكرماني.
(ثُمَّ حَمَلَهَا) أي: الجفنة أو الأطعمة (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ) قال ابن الملقن: وجاء في بعض طرق الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ) أي: عهد مهادنة (فَمَضَى) أن انقضى (الأَجَلُ) الذي كان بيننا وبينهم.
(فَفَرَّقَنَا) بتشديد الراء وبالقاف من التفريق ومفعوله محذوف؛ أي: فرقناهم (اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) والفاء في (( ففرقناهم ) )عاطفة على فعل مقدر؛ أي: جاؤوا ففرقناهم، والمراد من تفريقهم تمييزهم وجعل كل واحد منهم مع أتباعه فرقة، ولغير الأربعة: بالألف.
وخرج على لغة من يلزم المثنى الألف؛ لأنه منصوب على الحال، ولأبي ذر: بالعين والفاء وتشديد الراء ونسبت لأبي الهيثم؛ أي: جعلناهم عرفاء، وفي اليونينة: بتخفيف الراء للحموي والمستملي.
قال الكرماني: وفي بعضها: (( فقرينا ) )من القرى بمعنى الضيافة.
(مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي الاثني عشر (أُنَاسٌ) الظرف خبر مقدم و (( أناس ) )مبتدأ مؤخر (اللَّهُ أَعْلَمُ) قال الكرماني معترضة وفيه بعد كما لا يخفى والظاهر أنها ومتعلقها وهو قوله: (كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ) أي: منهم كأنه قال: أناس لا يعلمهم إلا الله ومميزكم محذوف؛ أي: كم رجل (فَأَكَلُوا مِنْهَا) أي: من الجفنة التي حملها أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم (أَجْمَعُونَ) تأكيد للواو في (( أكلوا ) )وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) شك من أبي عثمان فيما قاله عبد الرحمن.
ووجه المطابقة بين الترجمة والحديث من اشتغال أبي بكر بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر الأضياف واشتغاله بما دار بينهم من المخاطبة والملاطفة والمعاتبة.
والحديث أخرجه المؤلف في علامات النبوة وقد ترك صاحب (( الفتح ) )الكلام إلى ذلك الباب وذكره مسلم في الأطعمة وأبو داود في الأيمان والنذور، وفوائده كثيرة أشير إلى بعضها في أثناء شرحه من أجلّها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخذًا بأفضل الأمور وسابقًا إلى الجود والسخاء فإنه مع أنه كان عليه نفقة تسعة بيوت مع ما ينضم إلى أزواجه من الخدام والأقرباء والإماء والمترددات فواسى صلى الله عليه وسلم بنحو نصف طعامه، وواسى أبو بكر بنحو ثلث طعامه، وواسى الباقون بدون ذلك.
وفيه ما كان عليه أبو بكر من حب النبي صلى الله عليه وسلم والانقطاع إليه وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأضياف.
وفيه التبرك بالأكل من طعام ظهرت بركته وإهداء ما يرجى بركته لأهل الفضل وفضيلة الإيثار والمواساة وتوزيع الأصناف إذا كثروا وإثبات كرامات الأولياء، وجواز الاختفاء من الوالد عند الخوف من تقصير والدعاء بالتجديع ونحوه على الأولاد وترك الجماعة لعذر وحمل المضيف المشقة على نفسه لإكرام الضيف وتطييب القلوب وجواز ادخار الطعام للغد.
قال في (( الفتح ) ): اشتمل كتاب المواقيت على مائة حديث وسبعة عشر حديثًا المعلق من ذلك ستة وثلاثون حديثًا والباقي موصول الخالص منها ثمانية وأربعون حديثًا، والمكرر منها فيه وفيما تقدم تسعة وستون حديثًا وافقه مسلم على جميعها سوى ثلاثة عشر حديثًا وعددها، وفيه من الآثار الموقوفة ثلاثة آثار والله سبحانه تعالى أعلم.
ج 2 ص 379