فهرس الكتاب

الصفحة 979 من 1465

وبالسند قال:

608 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وتخفيف النون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) ولأبي ذر: .

(قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ) أي: لأجلها، ولمسلم في رواية: (( بالصلاة ) ) (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) أي: جنس الشيطان، والأظهر أن المراد به إبليس اللعين ويحصل المراد من الجنس أيضًا؛ لأنه إذا أدبر على هذه الحالة فإدبار غيره من جنوده وأعوانه بالطريق الأولى.

(لَهُ ضُرَاطٌ) جملة اسمية وقعت حالًا مرتبطة بالضمير ولا ضعف في الارتباط بالضمير وحده؛ خلافًا لابن الحاجب، وفي رواية الأصيلي: بالواو، والضمير وهي للمصنف من وجه آخر في بدء الخلق.

وفي (( الفتح ) )قال عياض: يمكن حمله على ظاهره؛ لأنه جسم ذو منفذ يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنه عبارة عن شدة نفاره ويقويه رواية مسلم: (( له حُصاص ) )بمهملات مضموم الأول.

فقد فسره الأصمعي وغيره بشدة العدو، وقال: شبه شغل نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع فيمنعه عن سماع غيره ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له وعلى حمله على حقيقته فيحتمل أنه يتعمد إخراجه إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع الأذان.

ويدل له قوله: حتى؛ أي: كي لا يسمع (التَّأْذِينَ) ، أو يفعل ذلك استخفافًا كما يفعله السفهاء، ويحتمل أن لا يتعمد ذلك بل يحصل له عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث.

واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان لأن قوله: (( حَتَّى لاَ يَسْمَعَ ) )ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: (( حتى يكون مكان الروحاء ) ).

وحكى الأعمش عن أبي سفيان رواية عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلًا هذه رواية قتيبة عن جرير عند مسلم، وأخرجه عن إسحاق عن جرير ولم يسق لفظه.

ولفظ إسحاق في (( مسنده ) ): (( حتى يكون بالروحاء وهي ثلاثون ميلًا من المدينة ) )فأدرجه في الخبر والمعتمد رواية قتيبة، وسيأتي حديث أبي سعيد في فضل رفع الصوت بالأذان بعد كذا في (( فتح الباري ) ).

أقول: وفي فرار الشيطان إلى الروحاء في اتقائه من سماع الأذان خرق عادة؛ لأن بينها وبين المدينة ستة وثلاثين ميلًا ويستحيل عادة أن يسمع صوت من هذه المسافة.

قال الكرماني: فإن قلت: لمَ يهرب الشيطان عند الأذان ولا يهرب عند الصلاة وفيها قراءة القرآن؟ قلت: لما يرى من اتفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد وإقامة شعار الشريعة ومن نزول الرحمة العامة عليهم ومن يأسه أن يرد ما أعلنوا به.

وقيل: لئلا يضطر إلى الشهادة لابن آدم بشهادة اعترافه بالوحدانية يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ) )الحديث انتهى.

وتمام الحديث: (( ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ) )وقيل: إنما يهرب ليأسه عن الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد وفي الصلاة يفتح له أبواب الوساوس، وقيل: لأنه دعا إلى الصلاة التي فيها السجود الذي امتنع من فعله لما أمر به مع إصراره على مخالفة أمر الله فإذا دعا داع إليه فرمته.

وقال ابن الجوزي: على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع فيه رياء ولا غفلة عند النطق به؛ بخلاف الصلاة فإن النفس تحضر فيها فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة وقد ترجم عليه أبو عوانة الدليل على أن المؤذن في أذانه منفي عنه الوسوسة والرياء لتباعد الشيطان منه.

وقال في (( الفتح ) ): وقيل: إن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ هي من أفضل الذكر لا يزاد فيها ولا ينقص منها بل تقع على وفق الأمر فيفر من سماعها.

وأما الصلاة قلما يقع من كثير من الناس فيها من التفريط فيتمكن الخبيث من المفرط فلو قدر أن المصلي وفى بجميع ما أمر به لم يقربه إذا كان وحده وهو نادر، وكذا إذا انضم إليه من هو مثله فإنه يكون أندر أشار إليه ابن أبي جمرة نفع الله ببركته انتهى.

(فَإِذَا قَضَى) أي: المنادي المدلول عليه بنودي (النِّدَاءَ) أي: الأذان أي: فرغ المؤذن من الأذان،

ج 2 ص 386

وللأصيلي وابن عساكر: بضم القاف مبنيًا للمفعول، و (( النداء ) )نائب فاعل (أَقْبَلَ) أي: الشيطان، زاد مسلم في رواية صالح: عن أبي هريرة: فوسوس (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ) بالبناء للمفعول من التثويب، بمثناة فوقية ثم مثلثة (بِالصَّلاَةِ) نائب الفاعل؛ أي: أعيد النداء إليها.

قال في (( الفتح ) ): قيل من ثاب إذا رجع، وقيل: من ثوب إذا أشار بثوبه عند الفراغ لإعلام غيره.

(أَدْبَرَ) قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة وبذلك جزم أبو عوانة في (( صحيحه ) )والخطابي والبيهقي وغيرهم.

وقال القرطبي: ثوب بالصلاة؛ أي: أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان وكل من ردد صوتًا فهو مثوب.

ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: فإذا سمع الإقامة ذهب، وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة.

وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة وزعم أنه تفرد به، لكن في (( سنن أبي داود ) ): عن ابن عمر أنه كره التثويب بين الأذان والإقامة فهذا يدل على أن له سلفًا في الجملة، ويحتمل أن يكون الذي تفرد به القول الخاص.

قال الخطابي: لا تعرف العامة التثويب إلا قول المؤذن في الأذان الصلاة خير من النوم، لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة انتهى.

(حَتَّى إِذَا قَضَى) أي: المثوب (التَّثْوِيبَ) وللأصيلي وابن عساكر: بالبناء للمفعول ورفع التثويب (أَقْبَلَ) أي: الشيطان ساعيًا في إحباط الصلاة على المصلين (حَتَّى يَخْطُرَ) قال في (( الفتح ) ): بضم الطاء.

قال عياض: كذا سمعنا من أكثر الرواة وضبطناه عن المتقنين بالكسر وهو الوجه ومعناه يوسوس، وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن المرور؛ أي: يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله، وضعف الهجري في (( نوادره ) )الضم مطلقًا وقال: هو يخطر بالكسر في كل شيء.

(بَيْنَ الْمَرْءِ) أي: الشخص (وَنَفْسِهِ) أي: قلبه.

قال الزمخشري: نفس الشيء ذاته وحقيقته ويقال للروح؛ لأن النفس تحيا به وللقلب؛ لأنه محل الروح أو متعلقه وللدم؛ لأن به قوامها وللماء لشدة حاجتها إليه وللرأي في قولهم فلأن يؤامر نفسه انتهى.

(يَقُولُ) أي: الشيطان للمصلي (اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا) ولكريمة: بواو العطف، وكذا لمسلم كالمؤلف في سجود السهو (لِمَا) بكسر اللام؛ أي: لشيء (لَمْ يَكُنْ المصلي يَذْكُرُ) أي: يذكره قبل دخوله في الصلاة.

قال في (( الفتح ) ): وفي رواية لمسلم (( لما لم يكن يذكر من قبل ) )ومن ثم استنبط أبو حنيفة للذي شكى إليه أنه دفن مالًا ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي ويحرص على أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا ففعل فذكر مكان المال في الحال انتهى.

أقول: وهذا من كمال حذق أبي حنيفة رحمه الله فإنه علم أن الشيطان حريص على إشغال المصلي وتنقيص ثوابه بالخواطر الدنيوية، فلما رأى أن المصلي جمع همه وخواطره الدنيوية وأقبل على صلاته لم يجد له مساغًا إلى تنقيص ثوابه إلا تذكيره بالمال وإن كان له فيه فائدة دنيوية لكن يفوت عليه فائدة أخروية، وهذه القضية ضد قوله تعالى حكاية عن فتى موسى: {وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف:63] فأحال أبو حنيفة على الشيطان واضطره إلى تذكير الرجل بالمال.

(حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظاء المعجمة المشالة، فعل ناقص من أخوات كان ومعناه هنا بصير كقوله تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء:4] ، وللأصيلي من غير اليونينية: بكسر الضاد؛ أي: ينسى الرجل.

(لاَ يَدْرِي) خبر على الرواية الأولى وحال من الفاعل على الرواية الثانية، وجملة: (كَمْ صَلَّى) في محل نصب سادة مسد مفعولي (( يدري ) )معلق عنها العمل بـ: (( كم ) )الاستفهامية.

قال في (( الفتح ) ): وفي رواية له في صلاة السهو إِن يدري بكسر همزة (( إن ) )وهي نافية بمعنى لا.

وحكى ابن عبد البر عن الأكثر في (( الموطأ ) ): فتح الهمزة ووجهه بما تعقبه عليه جماعة.

وقال القرطبي: ليست رواية الفتح بشيء إلا مع رواية الضاد الساقطة فتكون أن مع الفعل بتأويل المصدر مفعول صل؛ أي: بإسقاط حرف الجر؛ أي: يضل عن درايته انتهى.

وقال في (( المصابيح ) ): إِن _ بكسر الهمزة _ نافية على وفق الرواية الأخرى: ويروى بفتحها.

وقال ابن عبد البر هي رواية أكثرهم قال في (( المفهم ) )وكذا ضبطها الأصيلي في البخاري: (( أن ) )بالفتح وليست بشيء إلا مع رواية الضاد فيكون أن مع الفعل بتأويل المصدر مفعول (( يضل ) )بإسقاط حرف الجر؛ أي: يضل عن درايته وينسي عدد ركعاته.

قلت: بل هي شيء حسن مع رواية الظاء المعجمة، ووجهها أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة الكلام عليه، والتقدير: حتى يظل الرجل جاهلًا درايته بعدد الركعات ولا يقدر حرفه أو حتى يظل الرجل ساهيًا عن أن يدري والحرف محذوف، وهذا مثل ما خرج عليه مع كون يضل _ بالضاد _ والمعنى واحد انتهى فتأمله.

وقال الكرماني: تكرر لفظ: (( حتى ) )في الحديث خمس مرات الأولى والرابعة والخامسة بمعنى كي، والثانية والثالثة وخلقًا على الجملتين الشرطيتين وليستا للتعليل انتهى.

ووجه المطابقة للترجمة ظاهر، وقد ورد في فضل الأذان أحاديث كثيرة ذكر المصنف بعضها مفرقًا، واقتصر هنا على هذا الحديث؛ لأنه تضمن فضلًا لا ينال بغير الأذان؛ بخلاف غيره من الأخبار فإن الثواب المذكور فيها يدرك

ج 2 ص 387

بأنواع أخرى من العبادات من ذلك ما في (( صحيحي ) )ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي هريرة: (( المؤذن يغفر له مدى صوته ويستغفر له كل رطب ويابس ) ).

وزاد أحمد: (( ويصدقه كل رطب ويابس سمعه ) )، وأبو الشيخ: (( كل مدرة وصخرة سمعت صوته ) ).

وفي كتاب (( الفضائل ) )لابن زنجويه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (( يكتب للمؤذن عند أذانه أربعون ومائة حسنة، وعند الإقامة عشرون ومائة حسنة ) ).

وفي كتاب أبي القاسم الجوزي عن أبي سعيد وغيره: (( ثلاثة يوم القيامة على كثب من مسك أسود لا يهولهم فزع ولا ينالهم حساب ) )الحديث.

وفيه: (( ورجل أذن ودعا إلى الله عز وجل ابتغاء وجه الله ) ).

وروى مسلم: (( المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة ) )، ومعنى أطول الناس أعناقًا: أكثرهم رجاء؛ لأن الراجي للشيء يمتد عنقه إليه، وروى: بكسر الهمزة؛ أي: إسراعًا إلى الجنة من العنق وهو نوع من السير سريع.

وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة بسند جيد: (( المؤذنون أطول الناس أعناقًا لقولهم لا إلا إله إلا الله ) )وفي لفظ: (( يعرفون بطول أعناقهم ) ).

وروى أبو الشيخ: (( من أذن خمس صلوات إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )، وفي كتاب الصحابة لأبي موسى من حديث كثير بن مرة الحضرمي مرفوعًا: (( أول من يكسى من حلل الجنة بعد النبيين عليهم السلام والشهداء بلال وصالح المؤذنين ) ).

ولأبي الشيخ بسند صالح من حديث جابر يرفعه: (( قيل: يا رسول الله من أول الناس دخولًا؟ قال: الأنبياء ثم الشهداء ثم مؤذنوا الكعبة ثم مؤذنوا بيت المقدس ثم مؤذنوا مسجدي هذا ثم سائر المؤذنين ) ).

وروى السراج بسند صحيح عن ابن جرير الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين.

فائدة: اختلفوا هل أذن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه أو لا؟ فروى الترمذي عن أبي هريرة: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم السماء من فوقهم والبلة من أسفلهم ) ).

قاله السهيلي لكن اعترضه صاحب (( التلويح ) )بأن هذا الحديث لم يخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة كما ذكره السهيلي، وإنما هو عنده من حديث عمر بن الرماح عن يعلى بن مرة الثقفي وهو ممن بايع تحت الشجرة.

وقال الترمذي: هذا حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح البلخي لا يعرف إلا من حديثه ومن هذه الطريقة خرجه البيهقي وضعفه وكذا ابن العربي، وخرجه الإمام أحمد وابن منيع والطبراني والخطيب البغدادي وغيرهم.

وقال الأسنوي في (( شرح المنهاج ) ): وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن مرة في سفر راكبًا كما رواه الترمذي بإسناد جيد كما قاله النووي في (( شرح المهذب ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت