وبالسند قال:
614 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) بفتح العين المهملة وتشديد التحتية وشين معجمة آخره، الأَلْهانِي _ بفتح الهمزة وسكون اللام ونون مكسورة قبل ياء النسبة _ الحمصي من كبار شيوخ البخاري.
قال في (( الفتح ) ): لم يلق من الأئمة الستة غيره وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث وأخرجه أحمد في (( مسنده ) )عنه ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدمه على أحمد عنه أخرجه الإسماعيلي من طريقه انتهى.
(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالزاي والحاء المهملة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) ووقع للإسماعيلي: ، وذكر الترمذي أن شعيبًا تفرد به عن ابن المنكدر فهو غريب مع صحته لكن توبع ابن المنكدر عليه عن جابر، وأخرجه الطبراني من طريق أبي الزبير عن جابر بنحوه.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) أي: الأذان فاللام للعهد.
وظاهره: أنه يقول الدعاء الآتي حال سماع الأذان وليس بمراد إذ هو مسنون بعد الفراغ من الأذان، ويدفع بأن المراد من النداء تمامه إذ المطلق يحمل على الفرد الكامل، وأيد بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم بلفظ: (( قولوا مثل ما يقول المؤذن ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله تعالى لي الوسيلة ) ).
وفيه دلالة على تقديم الإجابة ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم الدعاء بقوله: اللهم رب ... إلخ، واستدل الطحاوي بظاهر حديث جابر هذا على أنه لا يتعين إجابة المؤذن بمثل ما يقول ليكفي ما فيه من الدعاء المذكور، ورد بأن حديث ابن عمرو المذكور مبين للمراد.
واستدل به أيضًا ابن بزيزة على عدم وجوبها ورد بأن لفظ مسلم دال على الوجوب وبه قالت الحنفية وابن وهب المالكي، وخالف الطحاوي الحنفية فقال بعدم وجوبها موافقة للجمهور.
(اللَّهُمَّ رَبَّ) بحذف حرف النداء فيهما لكن الميم في (( اللهم ) )عوض عنه، وقال العيني: يجوز رفع (( رب ) )على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنت رب.
(هَذِهِ الدَّعْوَةِ) وزاد البيهقي: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة، و (( الدَّعوة ) )بفتح الدال وكسرها، ما يدعى إليه وقيل: بفتحها الدعاء إلى الطعام، وبكسرها في النسب، وبضمها في الحرب والمراد بها هاهنا الألفاظ التي يدعى بها إلى الصلاة.
(التَّامَّةِ) وصفت بذلك لما تقدم في بدء الأذان أنها جامعة للعقائد كلها، وقيل: المراد بالدعوة التوحيد ووصف بالتمام لأن الشركة نقص وقيل: معنى التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل بل هي باقية
ج 2 ص 396
إلى يوم القيامة.
وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو لا إله إلا الله وقيل: التامة الكاملة وكمالها أن لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس، وقيل: معنى التمام كونها محمية عن النسخ باقية إلى يوم القيامة.
وقال الطيبي: من أول الأذان إلى قوله: محمد رسول الله هي الدعوة التامة.
(وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ) أي: الصلاة الدائمة التي لا تغيرها علة ولا تنسخها شريعة فإنها قائمة ما دامت السماوات والأرض.
قال في (( الفتح ) ): ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء وبالقائمة الدائمة من قام على الشيء إذا داوم عليه وعلى هذا فقوله: والصلاة القائمة بيان للدعوة التامة ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ أظهر انتهى.
(آتِ) فعل دعاء من آتى يؤتي أي: أعط (مُحَمَّدًا) صلى الله عليه وسلم (الْوَسِيلَةَ) هي لغة ما يتقرب به إلى الغير والمنزلة عند الملك يقال: وسل فلان إلى ربه وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل.
وفسرها حديث مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة وقيل: الوسيلة الشفاعة.
(وَالْفَضِيلَةَ) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون الفضيلة منزلة أخرى.
وقال في (( الفتح ) ): ويحتمل أن تكون تفسيرًا للوسيلة.
وتعقبه العيني فقال: لا إبهام في الوسيلة مع أنها بينت في الحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو انتهى.
وقال الشمس الرملي في (( شرحه على المنهاج ) ): ويقال: إن الوسيلة والفضيلة قبتان في أعلى عليين أحدهما من لؤلؤة بيضاء يسكنها محمد وآله، والأخرى من ياقوتة صفراء يسكنها إبراهيم عليه السلام وآله انتهى.
ولم يذكر لذلك مستندًا والحكمة في طلبه صلى الله عليه وسلم أن يسألوها له مع تيقنه أنها له حصول الثواب لأمته وإظهار شرفه ورفعة منزلته لهم عند الله تعالى.
(وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) أي: يحمد القائم فيه فهو مجاز عقلي في الإيقاع وحقيقته أنه صلى الله عليه وسلم محمود في ذلك المقام.
قال العيني: انتصاب مقامًا على أن يلاحظ معنى الإعطاء في البعث فحينئذ يكون مفعولًا ثانيًا له.
أقول: يعني أنه من باب التضمين ولو عبر به لكان أخصر وأوضح.
وقال في (( الفتح ) ): ونصب على الظرفية؛ أي: أبعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا أو على أنه مفعول به وضمن ابعثه معنى أقمه أو معنى ابعثه أعطه ويجوز أن يكون حالًا أي ابعثه ذا مقام محمود انتهى.
وأقول في قوله على أنه مفعول به وضمن ابعثه معنى أقمه نظر؛ لأن أقم لا ينصب مقامًا على أنه مفعول به بل على أنه مفعول فيه على الظرفية المكانية والمقام المحمود مطلق في كلما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
قال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير كأنه حكاية للفظ القرآن.
وقال الطيبي: إنما نكره؛ لأنه أقحم وأجزل كأنه قيل مقامًا؛ أي: مقام محمودًا بكل لسان، والمراد به عند الجمهور مقام الشفاعة الذي يحمده فيه الأولون والآخرون المختص به المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: (( وبيدي لواء الحمد ولا فخر آدم فمن دونه تحت لوائي فيشفع لجميع الخلائق في فصل القضاء والإراحة من أهوال يوم الموقف ) ).
والآية التي قصد بتنكير مقامًا موافقتها قوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء:79] ، وهو المراد بقوله:
(الَّذِي وَعَدْتَهُ) قال الطيبي: أطلق عليه الوعد لأن عسى من الله تعالى واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره والموصول بدل من مقامًا أو منصوب بتقدير أعني.
وقال في (( الفتح ) ): والموصول إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف وليس صفة للنكرة وفي قوله: أو عطف بيان نظر؛ لأن عطف البيان لا يخالف متبوعه تعريفًا وتنكيرًا قاله في المعنى.
قال: وأما قول الزمخشري: أن مقام إبراهيم عطف على آيات بينات فسهو وجاء المقام في رواية النسائي وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي معرفًا بالألف واللام فلا إشكال في كون الذي نعتا له وجوز الكرماني أن يكون (( الذي ) )صفة لـ: (( مقامًا ) )بدون أل، قال: إن قلنا إن المقام المحمود علم لذلك المقام.
وقال في (( المصابيح ) ): أو صفة لها على رأي: الأخفش القائل بجواز وصفها به إذا تخصصت بوصف أو خبر مبتدأ محذوف انتهى.
وفي (( الفتح ) )
ج 2 ص 397
قال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش، وقيل: على الكرسي.
وحكي كلًا من القولين عن جماعة وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور وأن يكون الإجلاس هو المنزلة المعبر عنها بالوسيلة والفضيلة.
ووقع في (( صحيح ) )ابن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعًا: (( يبعث الله الناس فيكسوني ربي حلة خضراء فأقول: ما شاء الله أن أقول ) )، فذلك المقام المحمود ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة وأن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة ويشعر قوله في آخر الحديث: (( حلت له شفاعتي ) )بأن الأمر المطلوب له الشفاعة انتهى.
وقال ابن حجر المكي في (( شرح المنهاج ) ): وقول مجاهد هو أن يجلسه معه على العرش أطال الواحدي في رده لغة إذ البعث لا يطلق حقيقة على القعود بل هو ضده ولاسيما وقد أكد بـ: (( مقامًا ) )على أنه يوهم ما تعالى الله عنه علوًا كبيرًا انتهى.
قال القسطلاني: وللكشميهني مما ليس في الفرع كأصله: (( الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ) ).
(حَلَّتْ) أي: وجبت واستحقت أو نزلت عليه يقال حل مُحل _ بالضم _ إذا نزل واللام بمعنى على ويؤيده راوية مسلم: (( حلت عليه ) ).
ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود: (( وجبت له ) )ولا يجوز أن يكون حلت من الحل لأنها لم تكن قبل محرمة كذا في (( الفتح ) ).
(لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال في (( الفتح ) ): استشكل بعضهم جعل ذلك ثوابًا لقائل ذلك مع ما ثبت أن الشفاعة للمذنبين.
وأجيب: بأن له صلى الله عليه وسلم شفاعات أخرى كإدخال الجنة بغير حساب وكرفع الدرجات فيعطى كل واحد ما يناسبه.
ونقل عياض عن بعض شيوخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلصًا مستحضرًا إجلال النبي صلى الله عليه وسلم لا من قصد بذلك مجرد الثواب وهو تحكم غير مرضي ولو كان إخراج الغافل اللاهي لكان أشبه.
وقال المهلب: في الحديث الحض على الدعاء في أوقات الصلوات؛ لأنه حال رجاء الإجابة انتهى.
وفي العيني: فإن قلت: هل الإتيان بهذه الألفاظ المذكورة سبب لاستحقاق الشفاعة أو غيرها يقوم مقامها؟ قلت: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من مسلم يقول إذا سمع النداء فيكبر المنادي فيكبر ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا رسول الله فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعط محمدًا الوسيلة واجعل في الأعلين درجته وفي المصطفين محبته وفي المقربين ذكره، إلا وجبت له شفاعتي يوم القيامة ) ).
وروى الطحاوي من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: (( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا أم سلمة! إذا كان عند أذان المغرب فقولي ... ) ).
وأخرجه أبو داود ولفظه: (( اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي ) ).
وأخرجه الطبراني في (( الكبير ) ): (( وكانت إذا تعارت من الليل تقول: رب اغفر وارحم واهد السبيل الأقوم ) ).
وروى أبو الشيخ من حديث ابن عباس يرفعه: (( من سمع النداء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أبلغه الدرجة والوسيلة عندك واجعلنا في شفاعته يوم القيامة إلا وجبت له الشفاعة ) )انتهى.
وأخرج السيوطي في كتابه (( سهام الإصابة في الدعوات المستجابة ) )أحاديث كثيرة منها: ما رواه الترمذي والحاكم وأبو داود عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( الدعاء مستجاب ما بين النداء والإقامة ) ).
ومنها: ما أخرجه الحاكم عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء فمن نزل به كرب أو شدة فليتحر المنادي فيجيبه ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة الصادقة المستجابة المستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى أحينا عليها وأمتنا عليها وابعثنا عليها واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا ثم يسأل الله حاجته ) ).
ومنها: ما رواه الطبراني بسند فيه لين عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاث ساعات للمرء المسلم ما دعا فيهن إلا استجيب له ما لم يسأل قطيعة رحم أو مأثمًا حين يؤذن المؤذن بالصلاة حتى يسكت، وحين يلتقي الصفان
ج 2 ص 398
حتى يحكم الله بينهما، وحين ينزل المطر حتى يسكن )) .
ومنها ما رواه الديلمي عن أبي أمامة مرفوعًا: (( خمس ليال لا ترد فيهن دعوة أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الجمعة وليلتا العيد ) )، وغير ذلك من الأحاديث المذكورة.
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في التفسير وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في الصلاة.