فهرس الكتاب

الصفحة 990 من 1465

وبالسند قال:

615 - (حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرنَا مَالِكٌ) بن أنس الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضم المهملة وفتح الميم وتشديد المثناة التحتية آخره (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزيات.

(عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) رضي الله تعالى عنه: (أنَّ رَسُولَ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) أي: الأذان (وَ) لو يعلم الناس ما في (الصَّفِّ الأَوَّلِ) وهو الذي يلي الإمام فحذف منهما المفعول الثاني اختصارًا؛ أي: من الخير والبركة كما لأبي الشيخ.

وقال الطيبي: أطلق مفعول (( يعلم ) )ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربًا من المبالغة وأنه مما لم يدخل تحت الوصف والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة وإلا فقد ميزت في الرواية الأخرى بالخير والبركة.

وقال ابن الملقن: وفضل الصف الأول باستماع القراءة والتكبير عقب تكبيرة الإمام والتأمين معه انتهى.

أقول: ويؤخذ من هذا أنه لو كان الصف الأول ممتدًا بحيث لو دخل في أحد طرفيه لا يسمع قراءة الإمام أنه يدخل في الصف الثاني وراء ظهر الإمام ليسمع القراءة والتكبير بمقتضى هذا التعليل ولكن لم نر من صرح به (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) شيئًا من وجوه الأولوية بأن يقع التساوي، ولأبي ذر والأصيلي: .

وحكى الكرماني: أن في رواية: (( ثم لا يجدوا ) )ووجهها بحذف النون تخفيفًا.

قال في (( الفتح ) ): ولم أقف على هذه الرواية وقد أثبتها العيني تبعًا للبرماوي والأنصاري.

(إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا) بتخفيف الميم؛ أي: يقترعوا (عَليهِ) قال ابن عبد البر: الضمير عائد على الصف الأول لقربه.

قال في (( الفتح ) ): ونازعه القرطبي وقال: أنه يلزم منه أنه يبقى النداء ضائعًا لا فائدة له قال: والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم ومثله قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان:68] ؛ أي: جميع ما ذكر.

قلت: وقد روى عبد الرزاق عن مالك بلفظ: لاستهموا عليهما، فهذا مفصح بالمراد من غير تكلف انتهى.

(لاسْتَهَمُوا) جواب (( لو ) )؛ أي: لاقترعوا عليه.

وهذا موضع المطابقة للترجمة وعبر بـ (( يعلم ) )دون علم الذي هو الأكثر المطرد في شرط (( لو ) )لإفادة استمرار العلم كما في قوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ} [الحجرات:7] .

قال في (( الفتح ) ): وزعم بعضهم: أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام وأنه خرج مخرج المبالغة واستأنس بحديث: (( لتجالدوا عليه بالسيوف ) )ولكن الذي فهمه البخاري أولى ولذلك استشهد بقصة سعد ويدل عليه رواية مسلم: (( لكانت قرعة ) ).

واستدل به بعضهم لمن قال: بالاقتصار على مؤذن واحد وليس بظاهر لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة مثل ذلك ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة توليته من قبل الإمام لما فيه من المزية (ولَو يَعْلَمُونَ)

ج 2 ص 399

أي: الناس (مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي: التبكير إلى الصلوات.

قال في (( الفتح ) ): وحمل الخليل وغيره على ظاهره فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت لأن التهجير مشتق من الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار وهو أول وقت الظهر.

وإلى ذلك مال المصنف كما سيأتي ولا يرد على ذلك مشروعية الإبراد لأنه أريد به الرفق وأما من ترك قاتلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ما له من الفضل انتهى.

وأقول: لا يخفى ما فيه إذ كيف يكون له زيادة فضل مع مخالفته لسنة الإبراد وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم به فليتأمل.

ثم رأيت في كلام صاحب (( المنحة ) )ما يزيل الإشكال ونص عبارته ما في التهجير؛ أي: التبكير بكل صلاة ولا يعارضه بالنسبة للظهر الإبراد به؛ لأنه تأخير قليل والتهجير يمتد إلى قرب العصر انتهى.

فظهر من كلامه أنه لا منافاة بين التهجير والإبراد (لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) أي: لتسابقوا فالافتعال هنا بمعنى التفاعل ليفيد أن كلًا منهم يريد أن يسبق الآخر.

قال العارف بالله ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنى لا حسًا؛ لأن المسابقة على الإقدام حسًا تقتضي السرعة في المشي وهو ممنوع منه انتهى.

(وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا في العَتْمَةِ) أي: في صلاة العشاء جماعة (والصُّبحِ) أي: وما في الصبح كذلك (لأَتُوهُمَا ولَو) كان الإتيان إليهما (حَبْوًا) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة؛ أي: سعيًا على الركبتين واليدين أو على المقعدة يقال: حبا الصبي إذا مشى على أربع يديه ورجليه.

ويقال يديه وركبتيه منحة لما في الجماعة فيهما من مزيد الثواب باعتبار ما في السعي إليها من المشقة وفي إطلاق العتمة على العشاء في الحديث دليل على الجواز وأن النهي عن تسميتها بها للتنزيه كما تقدم.

وقيل: لأن استعمال العتمة هنا لمصلحة لأن العرب كانت تستعمل لفظ العشاء في المغرب فلو قال: ولو يعلمون ما في العشاء لحملوها على المغرب فيفوت المطلوب ويفسد المعنى.

قال الطيبي: وقدم الأذان دلالة على تهييئ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة انتهى.

وقد دل حديث الطبراني على أن الصف الثاني أفضل من الثالث وهلم جرًا، ونص الحديث: (( استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للصف الأول ثلاث مرات وللثاني مرتين وللثالث مرة ) ).

وروى مسلم: (( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ) ).

والظاهر أن محل هذا إذا كن مع الرجال؛ بخلاف ما إذا كن وحدهن وأمتهن واحدة منهن فإن حكم صفوفهن حينئذ حكم صفوف الرجال في أن الأول خير الصفوف والآخر شرها.

وفي الحديث الحث على منصب الأذان والصف الأول والتهجير للصلاة والعتمة والصبح لما فيها من الفضائل ولما في العتمة والصبح من المشقة على النفوس.

وفيه مشروعية القرعة وتسمية العشاء عتمة وإن ورد النهي عنها فهذا لبيان الجواز وأن النهي ليس للتحريم.

والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الشهادات ومسلم والنسائي والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت