وبالسند قال:
625 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة (قال: حدّثنا غُنْدَرٌ) ربيب شعبة (قال: حدّثنا شُعْبَةُ) بن الحجاج (قال: سَمِعْتُ عَمْرَو) بفتح العين (ابنَ عامِرٍ الأَنْصارِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه.
(قَالَ: كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ) أي: للمغرب، وللإسماعيلي: (قَامَ نَاسٌ) بدون همز جواب إذا.
(مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وللنسائي: (( قام كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، وكذا تقدم للمصنف في أبواب سترة المصلي (يَبْتَدِرُونَ) أي: يستبقون.
(السَّوَارِيَ) جمع سارية وهي الاسطوانة وكانوا يسارعون إليها ليستتروا بها عن من يمر بين أيديهم (حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي: من بيته للصلاة جماعة.
(وَهُمْ كَذَلِكَ) جملة حالية مقترنة بالواو والضمير، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ، أي: الأصحاب بتأويل الجماعة يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إليهم وهم على تلك الحالة من ملازمة السواري لا يفارقونها.
(يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ) ولابن عساكر: والجملة خبر بعد خبر أو حال من الضمير في (( كذلك ) )أو مستأنفة (قَبْلَ الْمَغْرِبِ) أي: قبل صلاة فرض المغرب.
وزاد مسلم عن أنس: (( فيجيء الغريب فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها ) ).
(وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ) من كلام أنس؛ أي: كثير لما سيأتي قريبًا، فالتنوين للتكثير.
قال في (( الفتح ) ): وبهذا يندفع قول من ظن أن هذه الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة بل هي مبنية فإن نفي الكثير يفيد إثبات القليل.
أقول: لأن النفي
ج 2 ص 409
إذا ورد على كلام مقيد بقيد كان متوجهًا إلى نفي القيد غالبًا نحو ما جاء زيد راكبًا ثم قال: وأخرجها الإسماعيلي عن شعبة بلفظ: (( وكان بين الأذان والإقامة قريب ) ).
وقال ابن المنير: يجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا والإثبات للقليل على الحقيقة.
وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره فقال: دل قوله ولم يكن بينهما شيء: على أن عموم قوله: (( بين كل أذانين صلاة ) )مخصوص بغير المغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بينهما بل كانوا يسرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه.
ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبد الله عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مثل الحديث الأول وزاد في آخره: (( إلا المغرب ) )انتهى.
وفي قوله: يفرغون مع فراغه نظر؛ لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك، وأما رواية حَيَّان وهو بفتح المهملة والتحتانية فشاذة؛ لأنه وإن كان صدوقًا عند البزار وغيره لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناده الحديث ومتنه.
وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيلي: (( وكان بريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب ) )فلو كان الاستثناء محفوظًا لم يخالفه بريدة راويه، وقد نقل ابن الجوزي في الموضوعات عن الفلاس أنه كذب حيانًا المذكور.
وقال القرطبي وغيره: ظاهر حديث أنس وغيره: أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب أمر أقر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب إلى آخر ما أطال به في استحباب الركعتين قبل المغرب.
وقال العيني: فيه جواز الصلاة بين كل أذانين يعني بين الإقامة والأذان، والحاصل: أن الوصل بينهما مكروه؛ لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا للصلاة بالطهارة فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة وبالوصل ينتفي هذا المقصود.
ثم اختلف أصحابنا في حد الفصل فذكر التمرتاشي في (( جامعه ) ): أن المؤذن يقعد مقدار ركعتين أو أربع أو مقدار ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والحاقن من قضاء حاجته، وقيل: مقدار ما يقرأ عشر آيات ثم يثوب ثم يقيم كذا في (( المجتبى ) ).
وفي (( شرح الطحاوي ) ): يفصل بينهما مقدار ركعتين يقرأ في كل ركعة نحوًا من عشر آيات وينتظر المؤذن الناس ويقيم للضعيف المستعجل ولا ينتظر رئيس المحلة وكبيرها، وهذا كله إلا في صلاة المغرب عند أبي حنيفة؛ لأن تأخيرها مكروه فيكتفي بأدنى الفصل وهو سكتة يسكت قائمًا ساعة ثم يقيم.
فإن قلت: ما مقدار السكتة عنده؟ قلت: قدر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة.
وروي عن أبي حنيفة مقدار ما يخطو ثلاث خطوات، وقال أبو يوسف ومحمد: يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين، ومذهب الشافعي ما ذكره النووي فإنه قال: يستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها فصلًا يسيرًا بقعدة أو سكوت أو نحوهما، وهذا لا خلاف فيه عندنا.
ونقل صاحب الهداية عن الشافعي: أنه يفصل بركعتين اعتبارًا بسائر الصلوات وفيه نظر.
وقال أحمد: يفصل بينهما بصلاة ركعتين اعتبارًا بسائر الصلوات انتهى.
(قَالَ) ولابن عساكر: (عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ) بفتح الجيم والباء الموحدة؛ أي: ابن أبي رواد ابن أخي عبد العزيز ابن أبي رواد (وَأَبُو دَاوُدَ) قال في (( الفتح ) ): هو الطيالسي فيما يظهر لي وليس هو الحَفَري _ بفتح المهملة والفاء _ نسبة إلى الحفر محلة بالكوفة.
(عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي: بين الأذان والإقامة للمغرب (إِلاَّ قَلِيلٌ) فيه تقييد للإطلاق السابق في قوله: (( لم يكن بينهما شيء ) )فالشيء المنفي في السابق الكثير كما مر والمثبت هنا القليل، ولا منافاة بين نفي الكثير وإثبات القليل كما تقدم.