54 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:
قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام القعنبي (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية ابن عساكر: (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التيمي (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) الليثي (عَنْ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بجمع الأعمال، وإفراد النية، وإسقاط إنما من أوله من رواية مالك، وقد رواه مسلم عن القعنبي عبد الله بن مسلمة المذكور هنا بإثبات إنما، والتركيب مفيد للحصر على إسقاطها أيضًا؛ لتعريف الطرفين وهو من حصر المبتدأ في الخبر والتقدير كل عمل بنية؛ أي: صحة الأعمال أو كمالها بالنية.
قال العلامة ابن نجيم في (( الأشباه والنظائر ) ): هذا الحديث من باب المقتضى، إذ لا يصح بدون تقدير؛ لكثرة وجود الأعمال بدون النية فقدروا مضافًا؛ أي: حكم الأعمال، وهو نوعان:
أخروي: وهو الثواب واستحقاق
ج 1 ص 379
العقاب، ودنيوي: وهو الصحة والفساد، وقد أريد الأخروي بالإجماع للإجماع على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية، فانتفى الآخر أن يكون مرادًا إما؛ لأنه مشترك ولا عموم له، أو لاندفاع الضرورة به من صحة الكلام، فلا حاجة إلى الآخر.
والثاني أوجه؛ لأن الأول لا يسلمه الخصم؛ لأنه قائل بعموم المشترك، فحينئذ لا يدل على اشتراطهما في الوسائل للصحة ولا على المقاصد أيضًا، وإنما شرطت في العبادات بالإجماع أو بآية: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] .
والأول أوجه؛ لأن العبادة فيها بمعنى التوحيد بقرينة عطف الصلاة والزكاة فلا تشترط في الوضوء والغسل ومسح الخفين وإزالة النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن والمكان والأواني للصحة إلى آخر ما ذكره من الفروع، وقيد عدم الاشتراط بقوله للصحة، إذ لا بد منها لنيل الثواب، إذ لا ثواب إلا بنية.
(وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) هذه الجملة تفيد الحصر أيضًا بتقديم الظرف؛ لأن تقديم ما حقه التأخير من طرق الحصر، فتطابق هذه الرواية الرواية المتقدمة في صدر الكتاب الثابت فيها إنما في الجملتين، ومفاد هذه الجملة غير مفاد الأولى، فإن الأولى: منبهة على أن العمل لا يصير سببًا لثواب وعقاب إلا بالنية، والثانية: منبهة على أن العامل يكون له من العمل على قدر نيته.
ولهذا أخرت الثانية عن الأولى؛ لترتبها عليها.
وقدره الشيخ عز الدين بن عبد السلام إنما يحصل لكل امرئ ثواب العمل الذي نواه، وعلى هذا فالجملة الأولى؛ لبيان ما يجزئ من الأعمال الدنيوية، والثانية: لبيان ما ترتب عليه من الثواب في الآخرة.
وقال الخطابي: أفادت الثانية اشتراط تعيين المنوي، فلا يكفيه في الفائتة مجرد نية الفائتة، بل لا بد أن يعينها ولولا الثانية لاقتضت الأولى صحة النية بلا تعيين، أو أوهمت ذلك، ثم من الأعمال ما لا يشترط فيه النية كقضاء الدين، ومنها: ما يشترط فيه كالصلاة.
قال ابن المنير: وضابطه أن العمل الذي مقصوده الثواب في الآخرة هو محل الاشتراط والعمل الذي تظهر فائدته ناجزًا وتتقاضاه الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما لا ليشترط فيه النية، فمن الأول: التيمم، ومن الثاني: إزالة النجاسة.
وقد يختلف في بعض الصور؛ لتحقيق مناط التفرقة كالوضوء حيث لا تشترط النية في نحو إزالة النجاسة ورد الوديعة وقضاء الدين، فإنها تشترط لمن يريد مع الغرض العاجل الثواب الآجل.
قال العلماء: والنية والإيمان مما يطلب به الثواب الآجل مع أنه لا يشترط نيتهما، وما ذلك إلا لما يفضي إليه الاشتراط في النية من التسلسل، وفي الإيمان من الدور.
قال: فالحق أن النية نفسها تتعلق بنفسها، وبالمنوي فهي كالعلم الذي يتعلق بنفسه، وبالمعلوم فلا تسلسل.
وأما الإيمان؛ فلأنه نفسه حضور وتعظيم للحق فهو متميز بنفسه كالخوف والرجاء والمحبة والتوكل، فلا تحتاج إلى نية تشترط فيها شرعًا هذا معنى كلامه.
قال في (( المصابيح ) )بعد نقل ما تقدم: قلت: وقد جعل القرافي النية مما صورته كافية في تحصيل مصلحته، إذ مصلحتها التمييز وهو حاصل بها مع القصد وبدونه. انتهى.
وقد تقدم في صدر الكتاب في الكلام على هذا الحديث زيادة بسط، فراجعه إن شئت.
(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) نية وعقدًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا ونحو هذا التقدير في قوله الآتي: (( ومن كانت هجرته إلى دنيا ... إلخ ) )لئلا يتحد الشرط والجزاء اللذان لا بد من تغايرهما، فلا يقال: من أطاع الله أطاع الله، وإنما يقال: من أطاع الله نجا، وهنا وقع الاتحاد، فاحتيج إلى التقدير المذكور.
ج 1 ص 380
قال في (( المصابيح ) ): مأول على إقامة السبب مقام المسبب؛ لاشتهار المسبب؛ أي: فقد استحق الثواب العظيم المستقر للمهاجرين.
وقد زاد ابن دقيق العيد: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وعقدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا.
ورده الزركشي: بأن المقدر حينئذ حال مبنية فلا تحذف، واستند إلى نقل ذكره عن الزبيدي في (( شرح الجمل ) ).
قلت: ظاهر نصوصهم جواز الحذف.
ويؤيده: أن الحال خبر في المعنى أو صفة، وكلاهما يسوغ حذفه لدليل، فلا مانع في الحال أن تكون كذلك، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، إذ الأصل فهجرته إليهما، وفيه وجهان:
أحدهما: قصد الاستلذاذ بذكره، ولهذا لم يعده في الثانية إعراضًا عن تكرير لفظ الدنيا هذا معنى كلام الفاكهاني في (( شرح العمدة ) ).
وثانيهما: خشية الجمع بينهما في ضمير، وفيه بحث قد مر. انتهى.
(وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) منتهية (إلى دُنْيَا) بضم الدال، وحكي كسرها بالمنع من الصرف لألف التأنيث المقصورة، وروي عن الكشميهني: تنوينها، وفي رواية غير أبوي ذر والوقت وابن عساكر: باللام وهي بمعنى إلى، وقد استشكل تأنيث دنيا مع أن أفعل التفضيل إذا خلا عن أل والإضافة لزم الإفراد والتذكير.
وأجاب ابن مالك: بأن دنيا انسلخت عن الوصفية، وأجريت مجرى الأسماء، ولذلك لا يقدر لها موصوف.
(يُصِيبُهَا) أي: ينالها (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) أي: ينكحها كما في الرواية السابقة في صدر الكتاب وهي من ذكر الخاص بعد العام كما ذكره الزركشي في (( شرح عمدة الأحكام ) )وإن نوزع في ذلك تنبيهًا على سبب الحديث أو دلالة على أنها من أعظم فتن الدنيا لقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء} [آل عمران:14] ، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ).
(فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) أفرد الضمير رعاية للفظ ما وهو الأفصح وإن كانت واقعة على شيئين ولا يحتاج إلى التأويل بالمذكور وهذا الحديث ساقه المصنف هنا تامًا، وساقه في صدر الكتاب من رواية الحميدي مخرومًا أي محذوفا منه: (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ) )وقد تقدم البحث في جواز الخرم والسبب فيه هناك.
فذكر الكرماني له هنا استطرادًا، ثم إن غرض المؤلف من إيراد هذا الحديث هنا: الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان قول باللسان دون عقد القلب فبين أنه لا بد له من نية وعقد قلب.
ورجال هذا الحديث كلهم مدنيون.
وقد أخرجه المؤلف في مواضع تقدم ذكرها في صدر الكتاب.