فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

645 -646 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب، ولغير الأصيلي وابن عساكر: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ) بضم الضاد المعجمة؛ أي: تفوق (صَلاَةَ الْفَذِّ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة؛ أي: المنفرد، يقال: فذ الرجل من أصحابه، إذ بقي منفردًا.

قال العيني: ولغة عبد القيس: الفنذ بالنون وهي غنة لا نون خفيفة. انتهى.

ولم يذكر في (( القاموس ) )

ج 2 ص 433

هذه اللغة، ورواه مسلم بلفظ: (( صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده(بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) .

قال في (( الفتح ) ): قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسًا وعشرين إلا ابن عمر، فإنه قال: (( سبعًا وعشرين ) ).

قلت: لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق، عن عبد الله العمري، عن نافع فقال: (( خمس وعشرون ) )، لكن العمري ضعيف.

ووقع عند أبي عوانة في (( مستخرجه ) )من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع، فإنه قال فيه: بـ (( خمس وعشرين ) )، وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله، وأصحاب نافع وإن كان راويها ثقة، فأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان عن نافع بلفظ: (( بضع وعشرين ) )، فليست مغايرة لرواية الحفاظ؛ لصدق البضع على السبع.

وأما غير ابن عمر: فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة، وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السراج.

وورد أيضًا من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أبي فقال: أربع أو خمس على الشك، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد قال فيها: (( سبع وعشرون ) )، وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف.

وفي رواية لأبي عوانة: (( بضعًا وعشرين ) )وليست مغايرة أيضًا؛ لصدق البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع، إذ لا آخر للشك.

واختلف في أيهما أرجح فقيل: رواية الخمس؛ لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع؛ لأن فيها زيادة من عدل حافظ، ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث، وهو مميز العدد المذكور، ففي الروايات كلها التعبير بقوله: درجة، أو حذف المميز إلا طرق حديث أبي هريرة، ففي بعضها: ضعفًا، وفي بعضها: درجة، وفي بعضها: صلاة.

ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة.

وأما قول ابن الأثير: إنما قال درجة، ولم يقل: جزءًا ولا نصيبًا ولا حظًا ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق، فكأنه بناه على أن الأصل لفظ درجة، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعف.

وقد جمع بين روايتي الخمس والسبع بوجوه:

منها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي، وحكى عن نصه وعلى هذا فقيل: وهو الوجه.

الثاني: لعله صلى الله عليه وسلم أخبر بالخمس، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بالسبع، وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه، لكن إذا فرعنا على المنع تعين تقدم الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص.

ثالثها: أن اختلاف العددين باختلاف مميزهما، وعلى هذا فقيل: الدرجة أصغر من الجزء، وتعقب بأن الذي روى عنه الجزء روى عنه الدرجة.

وقال بعضهم: الجزء في الدنيا والدرجة في الآخرة وهو مبني على التغاير.

رابعها: الفرق بقرب المسجد وبعده.

خامسها: الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع.

سادسها: الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره.

سابعها: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره.

ثامنها: الفرق بإدراكها كلها أو بعضها.

تاسعها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم.

عاشرها: السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر، والخمس بما عدا ذلك.

حادي عشرها: السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية، وهذا الوجه عندي أوجهها لما سأبينه؛ أي: من أن الخمسة والعشرين خصلة تختص بالجماعة مطلقًا، وتزيد الجهرية خصلتين.

ثم إن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى.

ونقل الطيبي عن التوربشتي ما حاصله: أن ذلك لا يدرك بالرأي، بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرت علوم الأولياء عن إدراك حقيقتها كلها، ثم قال: ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة، والاقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك.

وكأنه يشير إلى ما قدمته عن غيره، وغفل عن مراد من زعم أن هذا الذي ذكره لا يفيد المطلوب، لكن أشار الكرماني إلى احتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا، فأريد المبالغة في تكثيرها، فضربت في مثلها فصارت خمسًا وعشرين، ثم ذكر السبع مناسبة أيضًا

ج 2 ص 434

من جهة عدد ركعات الفرائض، ورواتبها.

وقال غيره: الحسنة بعشر للمصلي منفردًا، فإذا انضم إليها آخر بلغت عشرين، ثم زيد بقدر الصلوات الخمس، أو يزاد عدد أيام الأسبوع، ولا يخفى فساد هذا.

وقرأت بخط شيخنا البلقيني فيما كتب على (( العمدة ) ): ظهر لي في هذين العددين شيء لم أسبق إليه؛ لأن لفظ ابن عمر صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ.

ومعناه: الصلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة: (( صلاة الرجل في الجماعة ) )وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحقق منها ذلك ثلاثة حتى يكون كل واحد صلى في جماعة، وكل واحد منهم أتى بحسنة، وهي بعشرة، فتحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد، وهو سبعة وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك انتهى.

وظهر لي في الجمع بين العددين: أن أقل الجماعة إمام ومأموم، فلولا الإمام ما سمي المأموم مأمومًا، وكذا عكسه فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجة حمل الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزائد، والخبر الوارد بلفظ: (( سبع وعشرين ) )على الأصل والفضل، وقد خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة.

قال ابن الجوزي: وما جاؤوا بطائل.

وقال المحب الطبري: ذكر بعضهم أن في حديث أبي هريرة يعني ثالث أحاديث الباب إشارة إلى بعض ذلك، ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك، وقد فصلها ابن بطال، وتبعه جماعة من الشارحين.

وتعقب ابن المنير بعض ما ذكره، واختار تفصيلًا أورده، وقد نقحت ما وقفت عليه من ذلك وحذفت ما لا يختص بصلاة الجماعة فأولها إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة.

سادسها: انتظار الجماعة.

سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.

ثامنها: شهادتهم له.

تاسعها: إجابة الإقامة.

عاشرها: السلامة من الشيطان حين يفر عند الإقامة.

حادي عشرها: الوقوف منتظرًا لإحرام الإمام أو الدخول معه في أيِّ هيئة وجده عليها.

ثاني عاشرها: إدراك تكبيرة الإحرام كذلك.

ثالث عشرها: تسوية الصفوف وسد فرجها.

رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: (( سمع الله لمن حمده ) ).

خامس عشرها: الأمن من السهو غالبًا، وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح، أو الفتح عليه.

سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا.

سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا.

ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به.

تاسع عاشرها: التدرب على تجويد القراءة، وتعلم الأركان، والأبعاض.

العشرون: إظهار شعار الإسلام.

الحادي والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة، والتعاون على الطاعة، ونشاط المتكاسل.

الثاني والعشرون: السلامة من صفة النفاق، ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسًا.

الثالث والعشرون: نية رد السلام على الإمام.

الرابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر، وعود بركة الكامل على الناقص.

الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران، وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات، فهذه خمسة وعشرون خصلة، ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه، وبقي منها: أمران يختصان بالجهرية، وهما الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها، والتأمين عند تأمينه؛ ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية. انتهى.

وقال أيضًا: مقتضى الخصال التي ذكرتها اختصاص التضعيف بالتجميع في المسجد، وهو الراجح في نظري كما سيأتي البحث فيه، وعلى تقدير أن لا يختص بالمسجد، فإنما يسقط مما ذكرته ثلاثة أشياء: وهي المشي، والدخول، والتحية.

فيمكن أن يعوض من بعض ما ذكر مما يشتمل على خصلتين متقاربتين أقيما مقام خصلة واحدة كالأخيرتين؛ لأن منفعة الاجتماع على الدعاء والذكر غير منفعة عود بركة الكامل على الناقص، وكذا فائدة قيام نظام الألفة غير فائدة حصول التعاهد، وكذا أمن المأمومين من السهو غالبًا غير تنبيه الإمام إذا سهى، فهذه ثلاثة يمكن أن يعوض بها الثلاثة المذكورة، فيحصل المطلوب. انتهى.

تتمة: قال في (( الفتح ) ): معنى الدرجة أو الجزء أو الضعف المختلفة باختلاف الروايات حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمجمع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر؛ لأنه قد ورد مبينًا في بعض الروايات. انتهى.

وكأنه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ: (( صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ ) )، وفي أخرى: (( صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده ) ).

وذكر أحاديث أخر دالة على أن المراد بالدرجة والجزء والضعف صلاة أخرى مثل

ج 2 ص 435

صلاة المنفرد وبهذا يندفع ما قاله الكرماني من أن المستفاد من هذه الأحاديث.

وبالسند قال:

(حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذر: بالإفراد (الليثُ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) أي: يزيد، ونسبه لجده الأعلى لشهرته به وإلا فهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى الأنصاري التابعي، ويوافقه عبد الله بن خباب بن الأرت، وليس به إذ لا رواية له في (( الصحيحين ) ).

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ) وللأصيلي: .

(دَرَجَةً) وهذا الحديث ساقط في رواية الأربعة، قاله القسطلاني.

وقال ابن الملقن: وأما حديث أبي سعيد فهو ساقط من بعض النسخ، وثابت في (( الأطراف ) )لأبي مسعود، وخلف دون ... [1] وهو من أفراد البخاري.

وقال في (( الفتح ) ): سقط في رواية كريمة، وثبت للباقين، ثم قال: قوله: (( تفضل صلاة الفذ ) )كذا هو في عدة نسخ من البخاري.

وعزاه إليه ابن الأثير في (( شرح المسند ) )بلفظ: (( على صلاة الفذ ) )ثم أولها: بأن تفضل لما كانت بمعنى تزيد وهو يتعدى بعلى أعطاها معناها فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها.

قال: وأما الذي في مسلم: (( أفضل من صلاة الفذ ) )فجاء بها بلفظة التفضيل؛ للتكثير في المعنى.

زاد ابن حبان وأبو داود من وجه آخر عن أبي سعيد: (( فإن صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين ) ).

ولعل السر فيه: أن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر؛ لوجود المشقة، بل حكى النووي أنه لا يجري فيه الخلاف في وجوبها، لكن نظر فيه بأنه خلاف نص الشافعي، وحكى أبو داود عن عبد الواحد في هذا الحديث: (( إن صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة ) ).

قال في (( الفتح ) ): وكأنه أخذه من إطلاق قوله: (( فإن صلاها ) )لتناوله الجماعة والانفراد، لكن حمله على الجماعة أولى؛ لأنه الظاهر من السياق.

ويلزم على ما قاله النووي: أن ثواب المندوب يزيد على ثواب الواجب، وقد استشكله القرافي على أصل الحديث بناء على أن الجماعة سنة.

وأجيب: بأن الثواب المذكور يترتب على صلاة الفرض وصفته في الجماعة.

[1] بياض في المخطوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت