فهرس الكتاب
وبالسند قال:
647 - (حَدَّثَنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد العبدي (قَالَ: حَدَّثَنا الأَعْمشُ قَالَ: سَمِعتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ) وللحموي والكشميهني: بالتنكير (تُضَعَّفُ) قال القسطلاني: بضم الفوقية وتشديد العين؛ أي: تزاد.
(عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَ) على صلاته (فِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) وفي رواية للبخاري: (( خمسًا وعشرين جزءًا ) )، ووجه حذف التاء من خمسًا تأويل الضعف بالدرجة أو بالصلاة.
وقال الكرماني: إن التزام التاء حيث ذكر المميز وإلا فيستوي حذفها وإثباتها. انتهى.
وتبعه على ذلك العيني والقسطلاني.
قال القسطلاني: وهو هنا غير مذكور فجاز الأمران. انتهى.
وأقول: فيه نظر، إذ التمييز هنا مذكور وهو ضعفًا، ولا تمييز له غيره، وأما النيف وهو الخمس هنا فلا تمييز له، وإنما التمييز لمجموع العقد والنيف كما في العدد المركب كخمسة عشر رجلًا، ولو كان محذوفًا؛ لجاز ذكره، ولم تتلفظ به العرب قط.
وإنما الجواب ما ذكره البدر الدماميني في (( المصابيح ) ): أن الضعف أنث بتأويل الدرجة كما في الرواية الأخرى، وقد روي: (( خمس وعشرين ) )بالجر على تقدير الباء؛ أي: بخمس وعشرين مثل قوله: أشارت كليب بالأكف الأصابع، كذا وجهه ابن مالك وهو شاذ لا يقاس عليه.
ومقتضى إطلاق قوله: (( أو في سوقه ) )كما قال ابن دقيق العيد: أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت، وفي السوق جماعة وفرادى.
قال: والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردًا؛ لأن الغالب أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا، وبهذا يرتفع إشكال من استشكل تسوية الصلاة في البيت والسوق. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): ولا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التسوية المذكورة، إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل، وكذا لا يلزم منه أن الصلاة جماعة في
ج 2 ص 436
البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفردًا بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختص بالجماعة في المسجد، فالصلاة في البيت مطلقًا أولى منها في السوق؛ لما ورد: أن الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعة في البيت وفي السوق أولى من الانفراد، وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد العام مع تقرير الفضل في غيره.
وروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أوس المغافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل، قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاة، قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون. انتهى.
(وَذَلِكَ) أي: التضعيف المذكور (أَنَّهُ) أي: بأنه أي: بسبب أنه (إِذَا تَوَضَّأَ) أي: المصلي المذكور (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ) أي: من منزله (إِلَى الْمَسْجِدِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ) أي: أداء الصلاة المكتوبة في جماعة، فاللام للعهد، ولا بد من اجتماع هذه الأمور؛ لأن المترتب على متعدد لا يوجد إلا بوجوده إلا بدليل.
نعم: في معنى المسجد نحو المصلى مما يظهر به الشعار.
(لَمْ يَخْطُ) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وضم الطاء (خَطْوَةً) قال في (( الفتح ) ): ضبطناه: بضم أوله، ويجوز الفتح.
وقال الجوهري: الخُطوة بالضم ما بين القدمين، وبالفتح: المرة الواحدة، وجزم اليعمري: أنها هنا بالفتح.
وقال القرطبي: أنها في روايات مسلم بالضم.
(إِلاَّ رُفِعَتْ) بالبناء للمفعول (لَهُ بِهَا) أي: بالخطوة (دَرَجَةٌ) نائب فاعل رفعت (وَحُطَّ) بترك التاء مبنيًا للمفعول أيضًا (عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى) قال ابن أبي جمرة: أي: صلاة تامة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: (( ارجع فصل فإنك لم تصل ) )، قاله في (( الفتح ) ).
(لَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ) بضم الميم المكان الذي يصلى فيه.
قال العيني تبعًا لصاحب (( الفتح ) ): وهذا خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام في بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة كان كذلك. انتهى.
(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) أي: لم تزل الملائكة تصلي عليه حال كونهم قائلين: يا الله ارحمه، وزاد ابن ماجه: (( اللهم تب عليه ) )وتقدم في باب مسجد السوق: (( اللهم اغفر له ) ).
(وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ) أي: ثوابها (مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ) وفي الحديث دليل على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال؛ لأن فيها صلاة الملائكة على فاعلها، ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة، وعلى أفضلية صالحي الناس على الملائكة؛ لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم، والملائكة يشتغلون بالاستغفار والدعاء لهم.
قال العيني: وهذا ليس على إطلاقه، فإن خواص بني آدم الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة وعوامهم أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم.
وفيه دليل على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة؛ لأن قوله: على صلاته وحده يقتضي صحة صلاته منفردًا؛ لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التفاضل، فذلك يقتضي وجود الفضيلة في صلاة المنفرد؛ لأن ما لا يصح من الصلاة لا فضيلة فيه، وفيه رد على داود ومن تبعه في اشتراطهم الجماعة في صحة الصلاة.
قال في (( الفتح ) ): واستدل به على تساوي الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أم قلَّت؛ لأن الحديث دل على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة، كذا قال بعض المالكية، وقوَّاه بما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة لهم التضعيف خمسًا وعشرين. انتهى.
وهو مسلم في أصل الحصول، لكن لا ينفي مزيد الفضل لما كان أكثر لاسيما مع وجود النص المصرح به، وهو ما رواه أحمد وأصحاب (( السنن ) )وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث أبي بن كعب مرفوعًا: (( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى ) ).
ويترتب على الخلاف المذكور أن من قال بالتفاوت استحب إعادة الجماعة مطلقًا؛ لتحصيل الأكثرية، ولم يستحب ذلك الآخرون، ومنهم من فصل فقال: تعاد مع الأعلم والأورع، أو في البقعة الفاضلة، ووافق مالك على الأخير، لكن قصره على المساجد الثلاثة، والمشهور عنه المكي والمدني.