وبالسند قال:
673 -674 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ) : بالتصغير غير مضاف (بْنُ إِسْمَاعِيلَ) : الهباري (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) : حماد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) : بالتصغير والإضافة هو ابن عمر بن حفص العمري (عَنْ نَافِعٍ) : مولى ابن عمر.
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : عبد الله (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلاَ يَعْجَلْ) أحدكم (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) : ولما كان أحد لفظه مفرد ومعناه جمع فجمع في ابدؤوا وأفرد في يعجل ويفرغ كذا يؤخذ من كلام الطيبي.
وقال البرماوي: النكرة في حيز الشرط تعم فيحتمل أن الجمع لعموم أحد وإضافة عشاء إلى أحدكم ليخرج عشاء غيره فلو اشتغل خاطره به فينبغي أن يتحول إلى مكان آخر ليتفرغ قلبه ويدل له عموم حديث مسلم عن عائشة: لا صلاة بحضرة الطعام أو يتناول مأكولًا يزيل شغل باله ليدخل الصلاة وقلبه فارغ. قاله في (( الفتح ) ).
ثم قال: واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله فابدؤوا على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من شرع ثم أقيمت الصلاة فلا يتمادى بل يقوم إلى الصلاة، قال النووي: وصنيع ابن عمر يبطل ذلك، وهو الصواب. وتعقب بأن صنيع ابن عمر اختيار له وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه، لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما دفع شغل البال به، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية المذكور في الباب بعده، ولعل ذلك هو السر في إيراد المصنف له عقبه. انتهى.
أقول: وينبغي بالنظر إلى المعنى التفصيل بين أن يكون الذي بدأ بالأكل قدرًا استوفى منه ما يكسر به سؤرة الشهوة فينبغي له أن يقوم وبين من بدأ ولم يأكل إلا قدرًا يسيرًا لا يحصل به كسر سؤرة الشهوة فلا يقوم لأن قيام من أكل لقمة مثلًا من الطعام أشق ممن لم يأكل منه شيئًا كما يشهد به الوجدان فليتأمل.
ويؤيد ذلك قول ابن رجب: هذه الأحاديث تدل على أنه إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فإنه يبدأ بالعشاء سواء كان قد أكل منه شيئًا أم لا وأنه لا يقوم حتى يقضي حاجته من عشائه. انتهى.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) : قال في (( الفتح ) ): هو موصول عطفًا على المرفوع، ورواه السراج من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع فذكر المرفوع ثم قال قال نافع: وكان ابن عمر إذا حضر عشاؤه وسمع
ج 2 ص 468
الإقامة وقراءة الإمام لم يقم حتى يفرغ ورواه ابن حبان من طريق ابن جريج عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس. وكان أحيانًا يلقاه وهو صائم فيقدم له عشاؤه وقد نودي للصلاة ثم تقام وهو يسمع فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتى يقضي عشاءه، ثم يخرج فيصلي انتهى، وهذا أصرح ما ورد عنه في ذلك. انتهى.
(يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ) : عشاء كان أو غيره (وَتُقَامُ الصَّلاَةُ) : أي صلاة كانت (فَلاَ يَأْتِيهَا) : أي: الصلاة (حَتَّى يَفْرُغَ) : من أكله (وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ) : وللكشميهني: بلام التوكيد في أوله.
(وَقَالَ زُهَيْرٌ) : بضم أوله مصغرًا ابن معاوية الجعفي.
قال في (( الفتح ) ): وطريقه هذه موصولة عند أبي عوانة في (( مستخرجه ) ).
(وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ) : قال في (( الفتح ) ): ذكر المصنف أن إبراهيم بن المنذر رواها يعني رواية وهب عنه، وإبراهيم من شيوخ البخاري، وقد وافق زهيرًا ووهبًا أبو ضمرة عند مسلم وأبو بدر عند أبي عوانة والدراوردي عند السراج كلهم عن موسى بن عقبة. انتهى.
(عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلاَ يَعْجَلْ، حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) : أي من الطعام (وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، رَوَاهُ) : أي: الحديث المذكور، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: .
(إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) : شيخ المصنف عن وهب بن عثمان المتقدم (وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ) : بياء بعد الدال وآخره ياء نسب وفي رواية: بإسقاط الياء الأولى وفتح الدال، نسبة إلى المدينة فيهما.
قال العيني: فإن قلت: ما فائدة ذكر البخاري نسبة وهب بقوله مديني أو مدني؟
قلت: لم يظهر لي شيء يجدي إلا أنه أشار إلى أنه مدني كما أن إبراهيم بن المنذر الذي روى عنه مدني أيضًا. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): قال النووي: في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلتحق به ما في معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز التأخير، وحكى المتولي وجهًا أنه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته. انتهى.
وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة ويستحب الإعادة عند الجمهور.
وادعى ابن حزم أن في الحديث دليلًا على امتداد الوقت في حق من وضع له الطعام ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثل ذلك في حق النائم والناسي، واستدل النووي وغيره بحديث أنس على امتداد وقت المغرب، واعترضه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر، وإن أريد به مطلق التوسعة فمسلم لكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدرًا بزمان يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع.
واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب، لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة في الجماعة، وفيه نظر لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذرًا في ترك الجماعة فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقًا، وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت.