58 -وبه قال:
(حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السَّدُوسي بفتح السين الأولى نسبة إلى سدوس بن شيبان البصري المعروف بعَارم بمهملتين المختلط بآخر عمره، المتوفى بالبصرة سنة أربع عشرة ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين والنون، واسمه الوضاح اليشكري.
(عَنْ زِيَادِ) بكسر الزاي وبالتحتية المخففة (بْنِ عِلاَقَةَ) بكسر العين المهملة وبالقاف، ابن مالك الثعلبي بالثاء المثلثة الكوفي أبو مالك.
قال يحيى بن معين: ثقة، توفي سنة خمس وعشرين ومائة.
أنه: (قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) البجلي الأحمسي المتقدم ذكره آنفًا والمسموع هو كلامه فلما حذف وقع ما بعده تفسيرًا وهو قوله (يَقُولُ) .
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ} [آل عمران:193] : أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة.
(يَوْمَ) بالنصب على الظرفية، ويجوز أن تكون الفتحة فيه فتحة بناءٍ لإضافته إلى جملة فعلها مبني وهو قوله: (مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بل هو الأرجح كما في قوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا، وكان موت المغيرة سنة خمسين من الهجرة، وكان واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، واستناب عند موته ولده عروة، وقيل: استناب جريرًا بدليل أنه خطب والخطبة عادة الأمراء.
(قَامَ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا عن يقول الذي هو بمعنى قال كأنه قيل: فماذا قال؟ فأجيب بقوله: قام (فَحَمِدَ اللَّهَ) ويجوز أن تكون بدلًا من الجملة السابقة؛ لأنها أوفى منها بتأدية المراد وعطف قوله: (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) على حمد الله عطف تفسير أو الأولى وصف بالتحلي بصفات الكمال والثانية بالتخلي عن النقائص فالأولى إشارة إلى الصفات الوجودية والثانية إلى الصفات العدمية وهي التنزيهات.
(وَقَالَ) أي: جرير (عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ) أي: استمسكوا بتقواه بأن تجعلوا بينكم وبين معاصيه وقاية (وَحْدَهُ) منصوب على الحال؛ أي: حال كونه منفردًا باستحقاق العبادة.
وجملة: (لاَ شَرِيكَ لَهُ) مؤكدة لما في وحده من معنى التفرد (وَالْوَقَارِ) أي: الرزانة وهو بفتح الواو مجرورًا عطفًا على اتقاء الله (وَالسَّكِينَةِ) أي: السكون وعدم الاضطراب والمخالفة أشار باتقاء الله تعالى إلى ما يتعلق بمصالح الدين وبالوقار والسكينة إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا وقدم الاتقاء؛ لأنه ملاك الأمر ورأس كل خير وإنما أمرهم بذلك على وجه النصيحة؛ لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الفتنة والاضطراب المؤديين إلى الهرج والمرج.
(حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) أي: بدل أميركم المغيرة المتوفى، ومفهوم الغاية من حتى هنا وهو أن المأمور به؛ أي: الاتقاء
ج 1 ص 388
ينتهي بمجيء الأمير غير مراد؛ لأنها مطلوبة الامتثال سواء أتى أمير أم لم يأت (فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ) قال الكرماني: إما أن يراد بالآن حقيقته فيكون ذلك الأمير جريرًا نفسه لما روي أن المغيرة استخلفه على الكوفة عند موته، وقيل: ابنه عروة أو يريد به المدة القريبة من الآن فيكون ذلك الأمير زيادًا إذ ولاه معاوية بعد وفاة المغيرة الكوفة.
(ثُمَّ قَالَ) أي: جرير (اسْتَعْفُوا) بالعين المهملة؛ أي: اطلبوا العفو، كذا في معظم الروايات، وفي رواية ابن عساكر: بالغين المعجمة وزيادة راء وهي رواية الإسماعيلي في (( المستخرج ) ) (لأَمِيرِكُمْ) المتوفى (فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ) عن ذنوب الناس والجزاء من جنس العمل.
(ثُمَّ قَالَ) أي: جرير: (أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه ونية ثبوت معناه، ولكون إما مضمنة معنى الشرط دخلت الفاء في جوابها في قوله: (فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ) بترك الفاء في رواية غير أبي الوقت على البدلية من أتيت، أو على أنه استئناف (أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ) .
(فَشَرَطَ) معطوف على مقدر؛ أي: بايعته فشرط (عَلَيَّ) بتشديد الياء كما في الكرماني (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) قال في (( المصابيح ) ): النصحِ بالجر معطوف على محذوف تقديره فشرط على المبايعة على الإسلام والنصح.
قال الكرماني: ومثله يسمى بالعطف التلقيني يعني: لقنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطف، والنصح على الإسلام وذلك كقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} [البقرة:124] الآية، وفي بعضها: (( والنصحَ ) )بالنصب عطفًا على مقدر؛ أي: شرط الإسلام والنصح. انتهى.
والتقييد بالمسلم ليس للاحتراز فإن الذمي ينصح بالإرشاد إلى الإسلام.
(فَبَايَعْتُهُ) على هذا المذكور من الإسلام والنصح (وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ) أي: مسجد الكوفة إن كانت خطبته ثم أو أشار به إلى المسجد الحرام ويؤيده ما في رواية الطبراني بلفظ: (( ورب الكعبة ) )تنبيهًا على شرف المقسم به ليكون أدعى إلى القبول.
(إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ) فيه إشارة إلى أنه وفى بما بايع به النبي صلى الله عليه وسلم وأن كلامه خال عن غرض نفساني (ثُمَّ اسْتَغْفَرَ) الله تعالى (وَنَزَلَ) أي: عن المنبر أو معناه قعد؛ لأنه في مقابلة قوله قام فحمد الله، قاله الكرماني.
وهذا الحديث من الرباعيات، ورواته ما بين كوفي وواسطي وبصري، وفيه التحديث والسماع والعنعنة.
وأخرجه المؤلف أيضًا في الشروط، ومسلم في الإيمان، والنسائي في البيعة والشروط والسير.
قال في (( الفتح ) ): ختم البخاري كتاب الإيمان بباب النصيحة للإشارة إلى أنه عمل بمقتضاه في الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح دون السقيم، ثم ختمه بخطبة جرير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه فأومأ بقوله: (( إنما يأتيكم الآن ) )إلى وجوب التمسك بالشرائع حتى يأتي من يقيمها، إذ لا تزال طائفة منصورة وهم فقهاء أصحاب الحديث، وبقوله: استعفوا لأميركم إلى طلب الدعاء له لعمله الفاضل، ثم ختم بقوله: استغفر ونزل فأشعر بختم الباب، ثم عقبه بكتاب العلم لما دل عليه حديث النصيحة، إذ معظمها يقع بالتعلم والتعليم.
قال في (( الفتح ) ): اشتمل كتاب الإيمان ومقدمته من بدء الوحي من الأحاديث المرفوعة على أحد وثمانين حديثًا بالمكررة منها في بدء الوحي خمسة عشر وفي الإيمان ستة وستون المكرر منها ثلاثة وثلاثون منها في المتابعات بصيغة المتابعة أو التعليق اثنان وعشرون في بدء الوحي ثمانية وفي الإيمان أربعة عشر، ومن الموصول المكرر ثمانية، ومن التعليق الذي لم يوصل في مكان آخر ثلاثة، وبقية ذلك وهو ثمانية وأربعون حديثًا موصولة بغير تكرير، وقد وافقه مسلم على تخريجها إلا سبعة، وجميع ما فيه من الموقوفات على الصحابة والتابعين ثلاثة عشر أثرًا معلقة غير أثر ابن الناطور فهو موصول، وكذا خطبة جرير التي ختم بها كتاب الإيمان، والله أعلم. انتهى.
وهذا آخر ما يسره الله تعالى وفتح به
ج 1 ص 389
من الكلام على كتاب الإيمان سددنا الله تعالى به وحفظه علينا في الحياة وعند الوفاة وبعد الممات وهو المسؤول والمرغوب إليه سبحانه وتعالى في أن يوفقنا لإكمال هذا الشرح وأن يرزقنا الإخلاص فيه لوجهه الكريم بمنه وكرمه إنه خير مسؤول وأكرم مأمول وهو الميسر لكل عسير بيده الخير وهو على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وحبيبه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ورضي الله تعالى عنا وعن مشايخنا وعن سائر المسلمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.