وبالسند قال:
688 - (حدثنا عبد الله بن يوسف) : التنيسي (قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: صلى رسول الله) : وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم في بيته) : أي: في مشربته التي في حجرة عائشة بمن حضر معه كما بينه أبو سفيان عن جابر (وهو شاك) : بحذف الياء لالتقاء الساكنين، وللأربعة: بإثبات الياء المبدلة من الواو، إن أخذ من شكوت شكاوة فإن أخذ من شكيت شكاية فلا إبدال وهي المرض وسببه أنه فك قدمه وكشطت رجله لوقوعه عن الفرس وكان ذلك في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة.
(فصلى جالسًا) : بيان لصلاته في بيته وهو دال على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد لعجزه عن الصلاة فيه ولم ينقل أنه استخلف ولذا قال عياض: الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتم به من حضر عنده ومن كان في المسجد.
قال في (( الفتح ) ): وهذا الذي قاله محتمل، ويحتمل أنه استخلف وإن لم ينقل، ويلزم على الأول أن موضع صلاة الإمام أعلى من المأمومين ومذهب عياض خلافه، لكن له أن يقول محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد وهنا كان معه بعض الصحابة، وصلاته عليه الصلاة والسلام جالسًا.
قال عياض: يحتمل أنها لرضٍّ في أعضائه من السقطة عن فرسه منعه من القيام.
ورده في (( الفتح ) )بأنه إنما كان لانفكاك قدمه كما في رواية للإسماعيليِّ عن أنس، ولأبي داود وابن خزيمة عن جابر، قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا بالمدينة فصرعه على جذم نخلة فانفكت قدمه فأتيناه فوجدناه في مشربة لعائشة الحديث.
وما تقدم في باب الصلاة على السطوح عن أنس أيضًا: أنه جحش ساقه أو كتفه؛ أي: قشر جلدهما فلا ينافي كون قدمه انفكت لجواز وقوع الأمرين جميعًا.
ورواه الزهري شقه الأيمن وهو مفسر بما تقدم من أنه ساقه أو كتفه وأنه لم يستوعب الخدش شقه، وليست رواية ساقه مصحفة عن شقه كما ظن بعضهم.
وحاصل القصة أن عائشة أبهمت الشكوى وبين جابر وأنس السبب وهو سقوطه عن الفرس وعين جابر العلة في الصلاة قاعدًا وهي انفكاك القدم.
(وصلى وراءه قوم قيامًا) : حال من قوم وإن كان نكرة على القلة والشذوذ، ولمسلم: فدخل عليه أناس من أصحابه يعودونه الحديث، وسمي منهم في الأحاديث أنس وجابر وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم (فأشار إليهم) : وللحموي: (أن اجلسوا) : وأن تفسيرية إذ الإشارة فيها معنى القول دون حروفه.
قال في (( الفتح ) ): ووقع للحموي: من المشورة، والأول أصح فقد رواه أيوب عن هشام بلفظ: (( فأومأ إليهم ) ).
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن هشام بلفظ: فأخلف بيده يومئ بها إليهم. انتهى.
(فلما انصرف) : أي: سلم من الصلاة (قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به) : قال العيني:
ج 2 ص 484
أي ليقتدى به ويتبع ومن شأن التابع ألا يسبق متبوعه ولا يتقدم عليه في موقفه ويراقب أحواله. انتهى.
وقال النووي: متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نبه عليها في الحديث بذكر الركوع وغيره بخلاف النية فإنها لم تذكر وقد خرجت بدليل آخر.
قال في (( الفتح ) ): وكأنه يعني قصة معاذ الآتية. ويمكن أن يستدل من هذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله لا في جميع أحواله كما لو كان محدثًا أو حامل نجاسة فإن الصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء، ثم مع وجود المتابعة ليس شيء منها شرطًا في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام.
واختلف في السلام والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام والقيام من التشهد الأول، وخالف الحنفية فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا لأن معنى الائتمام الامتثال ومن فعل مثل فعل إمامه عد ممتثلًا. انتهى.
(فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا) : سقط هذا من رواية عطاء (فإذا) : بالفاء، ولأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر: بالواو (ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا) : ظاهره عدم شمول السجود، ويحتمل شموله له بما لا يخفى والفاء دالة على التعقيب، ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع عقب أفعال الإمام.
قال العيني: فإن قلت الفاء التي للتعقيب هي الفاء العاطفة والتي هنا للربط فقط لأنها وقعت جوابًا للشرط فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن أفعال الإمام. قلت: وظيفة الشرط التقدم على الجزاء ولا اعتبار لقول من يقول إن الجزاء يكون مع الشرط. انتهى.
(وإذا قال سمع الله لمن حمده) : قال العيني: قوله سمع الله مجاز عن الإجابة والإجابة مجاز عن القبول فصار هذا مجاز المجاز والهاء في حمده هاء السكتة والاستراحة لا للكناية. انتهى.
(فقولوا ربنا ولك الحمد) : قال في (( الفتح ) ): كذا لجميع الرواة في حديث عائشة بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة وأنس إلا في رواية الليث عن الزهري في باب إيجاب التكبير فللكشميهني: بحذف الواو.
ورجح إثبات الواو بأن فيها معنى زائدًا لكونها عاطفة على محذوف تقديره: ربنا استجب ولك الحمد أو ربنا أطعناك ولك الحمد، فتشتمل على الدعاء والثناء معًا، ورجح قوم حذفها بأن الأصل عدم التقدير فتصير عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه كما قال ابن دقيق العيد.
وقال النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح، وسيأتي في أبواب صفة الصلاة الكلام على زيادة اللهم قبلها، ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده، وأن المأموم يقتصر على قوله: ربنا لك الحمد، وليس في السياق ما يقتضي المنع؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله.
نعم مقتضاه أن المأموم يقول ربنا لك الحمد عقب قول الإمام: سمع الله لمن حمده، وأما منع الإمام من قول ربنا ولك الحمد فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بينهما كما سيأتي في باب ما يقول عند رفع رأسه من الركوع. انتهى.
(وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا) : سقط من نسخة كما في (( المنحة ) )ونسب القسطلاني السقوط لأبوي ذر والوقت وابن عساكر (وإذا صلى جالسًا) : أي: في سائر أركان الصلاة لا في حال التشهد وبين السجدتين فقط، كما ظنه بعضهم قال: لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع منه والسجود قال: فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيمًا له فأمرهم بالجلوس تواضعًا، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر: إن كدتم أن تفعلوا كفعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا.
ورده ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد، وبأن سياق طرق الحديث تأباه، وبأنه لو كان المراد ذلك لقال وإذا جلس فاجلسوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، ويؤيد الأول قول أنس السابق فصلينا وراءه قعودًا.
وقوله: (فصلوا جلوسًا أجمعون) : جواب إذا وجلوسًا حال جمع جالس لا مصدر لأنه لا يطرد وإن كثر استعماله، وأجمعون بالرفع تأكيد للواو في فصلوا وهي رواية الأكثر.
قال في (( الفتح ) ): وأخطأ من ضعفه فإن المعنى عليه، ولأبوي ذر والوقت:
ج 2 ص 485
بالياء نصبًا على الحال، أو توكيدًا لجلوسًا وكلا الوجهين لا يقول به البصريون لأن ألفاظ التوكيد معارف فلا تجيء حالًا ولا يؤكد بها نكرة.
(قال أبو عبد الله) : أي: البخاري سقط لابن عساكر (قال الحُميدي) : بضم الحاء، هو شيخ المؤلف عبد الله بن الزبير المكي راوي أول حديث في هذا الجامع الصحيح.
(قوله) : أي: النبي صلى الله عليه وسلم مبتدأ (إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) : في محل النصب مقول القول، وجملة: (هو في مرضه القديم) : خبر المبتدأ وكان ذلك المرض في سنة خمس (ثم صلى بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم) : أي: في مرضه الذي مات فيه (جالسًا والناس خلفه قيامًا) : حال من الضمير المستقر في الخبر وهو خلفه، ولأبي ذر: بالرفع على الخبرية للمبتدأ والظرف لغو متعلق بقيام (لم يأمرهم بالقعود) : خبر بعد خبر، وتحتمل الحالية والاستئناف؛ أي: بل أقرهم على القيام المعلوم لهم فرضية في المكتوبات للقادر عليه (وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخِر) : بكسر الخاء فيهما (من فعل النبي) : وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم) .
ووقع في رواية قال الحميدي: هذا منسوخ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي مات فيه قاعدًا والناس خلفه قيام. انتهى.
وذكر البخاري لهذا عن الحميدي يفهم منه أن ميله إليه وأنه المختار عنده.
قال العيني: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والثوري وأبي ثور وجمهور السلف قالوا: إن القادر على القيام لا يصلي خلف القاعد إلا قائمًا.
وقال مالك في المشهور عنه ومحمد صاحب أبي حنيفة والحسن بن حي والثوري في رواية عنه: لا يصح اقتداء القادر على القيام بالقاعد لا قائمًا ولا قاعدًا، وأما اقتداء الناس به قاعدًا فقيل خصوصية له لأنه لا يصح التقدم بين يديه لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء ولا يكون أحد شافعًا له صلى الله عليه وسلم، وتعقب بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف وهو ثابت بلا خلاف وصح أنه صلى خلف أبي بكر كما تقدم.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم مشروعية ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها لأنها آلة الجهاد.