فهرس الكتاب

الصفحة 1206 من 1465

وبالسند قال:

755 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) : بفتح العين المهملة وتخفيف الواو الوضاح بن عبد الله اليشكري (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) : بالتصغير الفرسي نسبة إلى فرس له سابق (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) : بفتح السين المهملة وضم الميم وسكنها الحجازيون تخفيفًا ابن جنادة العامري الصحابي ابن الصحابي وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم روي له مائة وستة وأربعون حديثًا اتفقا على حديثين وانفرد مسلم بستة وعشرين سكن الكوفى ومات بها سنة ست وستين أيام المختار.

(قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ) : أي: بعض أهلها ففيه مجاز كقولهم: بنو فلان قتلوا زيدًا والقاتل واحد منهم.

قال العيني: وأما الكوفة فذكر الكلبي أنها إنما سميت الكوفة بجبيل صغير أحيطت عليه فهم حوله وكان مرتفعًا فسهلوه اليوم وكان يقال له كوفان وكان عاشر كسرى يجلس عليه.

وفي (( الزاهر ) )لابن الأنباري: سميت كوفة لاستدارتها أخذًا من قول العرب رأيت كوفانًا وكُوفانًا بضم الكاف وفتحها للرملة المستديرة ويقال: سميت كوفة لاجتماع الناس فيها من قولهم: تكوف الرجل يتكوف إذا ركب بعضه بعضًا.

وقال ابن حوقل: الكوفة على الفرات وبناؤها كبناء البصرة مصرها سعد بن أبي وقاص وهي خطط لقبائل العرب وهي

ج 2 ص 567

خراج بخلاف البصرة لأن ضياع الكوفة قديمة جاهلية وضياع البصرة إحياء موات في الإسلام.

وقال محمد بن سهل: كانت الكوفة منازل نوح عليه السلام وهو الذي بنى مسجدها.

وقال اليعقوبي في (( كتابه ) ): هي مدينة العراق الكبرى والمصر الأعظم وقبة الإسلام ودار هجرة المسلمين وهي أول مدينة اختطها المسلمون بالعراق في سنة أربع عشرة وهي على معظم الفرات ومنه شرب أهلها ومن بغداد إليها ثلاثون فرسخًا.

وفي (( تاريخ الطبري ) ): لما اجتوى المسلمون على الأنبار كتب سعد إلى عمر يخبره بذلك فكتب إليها انظر فلاة إلى جانب البحر فارتد للمسلمين بها منزلًا فبعث سعد رجلًا من الأنصار فارتاد لهم موضع الكوفة. انتهى ملخصًا.

(سَعْدًا) : بن وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.

قال العيني: واسم أبي وقاص مالك بن أهيب ويقال وهيب بن عبد مناف توفي في قصره بالعقيق وحمل على رقاب الناس إلى المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وهو آخر العشرة وفاة واختلف في عمره فأنهى ما قيل ثلاثة وثمانون سنة. انتهى.

(إِلَى عُمَرَ) : رضي الله عنه.

قال العيني: روى عبد الرزاق عن معمر عن مالك عن جابر بن سمرة قال: كنت جالسًا عند عمر إذ جاء أهل الكوفة يشكون إليه سعد بن أبي وقاص حتى قالوا: إنه لا يحسن الصلاة. انتهى.

والمراد ناس منهم.

قال العيني: وسمى الطبري وسيف منهم جماعة وهم الجراح بن سنان وقبيصة وأربد الأسديون. انتهى.

وذكر العسكري منهم الأشعث بن قيس.

فعزله عمر رضي الله عنه بعدما كان أمره على قتال الفرس سنة أربع عشرة ووقع له معهم حروب عظيمة منها وقعة القادسية المشهورة ففتح الله تعالى العراق على يديه ثم اختط الكوفة سنة سبع عشرة واستمر عليها أميرًا إلى سنة إحدى وعشرين وقيل عشرين فوقع له شكوى أهل الكوفة.

(فَعَزَلَهُ) : عمر (وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ) : في الصلاة (عَمَّارًا) : ابن ياسر رضي الله عنه.

قال في (( الفتح ) ): قال خليفة استعمل عمارًا على الصلاة وابن مسعود على بيت المال وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. انتهى.

وكان تخصيص عمار بالذكر لوقوع التصريح بالصلاة دون غيرها مما وقعت فيه الشكوى.

(فَشَكَوْا) : أي: سعدًا.

قال في (( الفتح ) ): ليست هذه الفاء عاطفة على قوله فعزله بل هي تفسيرية عاطفة على قوله: شكى عطف تفسير وقوله: فعزله.

واستعمل اعتراض إذ الشكوى كانت سابقة على العزل وبينته رواية معمر الماضية. انتهى.

وحذف مفعول شكوا للعموم؛ أي: كل شيء بدليل قوله: (حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ الصَّلَاةَ) : قال في (( الفتح ) ): ظاهره أن جهات الشكوى كانت متعددة ومنها قصة الصلاة وصرح بذلك في رواية أبي عوانة الآتية قريبًا فقال عمر: لقد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة وذكر ابن سعد وسيف أنهم زعموا أنه حابى في بيع خُمس باعه وأنه صنع على داره بابًا مبوبًا من خشب وكان السوق مجاورًا له فكان يتأذى بأصواتهم فزعموا أنه قال: انقطع التصويت وذكر سيف أنهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السرايا.

وقال الزبير بن بكار في كتاب النسب: رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر فوجدها باطل. انتهى.

ويقويه قول عمر في وصيته فإني لم أعرف له من عجز ولا خيانة وسيأتي ذلك في مناقب عثمان.

(فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) : أي: فأرسل عمر البريد إلى سعد فأحضره إلى المدينة (فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ) : أي: فحضر فقال ... إلخ، وأبو إسحاق كنية سعد كني بأكبر أولاده وناداه عمر بكنيته تعظيمًا له ففيه دلالة على أن الشكوى لم تنقص مقداره عند عمر.

(إِنَّ هَؤُلاَءِ) : أي: المشتكين من أهل الكوفة (يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي) : وفي تعبيره عن شكواهم بالزعم إشارة إلى أنه لم يقع في قلبه صدقهم.

(قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) : أي: سعد، وسقط للأربعة: أبو إسحاق (أَمَّا أَنَا) : بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف تأكيد وتفصيل غالبًا، وقد تكون لمجرد التأكيد كالواقعة هنا وفي قول المصنفين أما بعد ويمكن اعتبار التفصيل فيها هنا أي: أما أنا فشأني هذا الذي أذكره وأما هم فقالوا ما قالوا.

(وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ) : جواب الشرط وجواب القسم محذوف على قاعدة اجتماع الشرط والقسم.

قال الكرماني:

ج 2 ص 568

وكان المناسب تأخير القسم عن الفاء لكنه لما لم يكن أجنبيًا من مدخولها جاز تقديمه عليها.

ورواه الأصيلي بحذف فإني.

(صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : أي: مثل صلاته (مَا أَخْرِمُ) : بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الراء؛ أي: ما أنقص (عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ الْعِشَاءِ) : بالمد.

قال العيني: كذا هو هاهنا بالإفراد وفي الباب الذي بعده صلاتي العشي بالتثنية والعشِيّ بكسر الشين وتشديد الياء كذا هو في رواية الأكثرين في الموضعين إلا في رواية الكشميهني بعد صلاتي العشاء.

والمراد من صلاتي العشاء الظهر والعصر ولا يبعد أن يقال صلاتي العشاء بالتثنية ويكون المراد المغرب والعشاء.

ورواه أبو داود الطيالسي في (( مسنده ) )عن أبي عوانة بلفظ: صلاتي العشي.

ووجه تخصيص العشاء بالذكر من بين الصلوات لاحتمال كون شكواهم منه في هذه الصلاة أو أنه لما لم يهمل شيئًا من هذه التي وقتها وقت الاستراحة ففي غيرها بالطريق الأولى قاله الكرماني.

ولكن يقال مثله في الظهر لأنه وقت القائلة والعصر لأنه وقت المعاش والصبح لأنه وقت لذة النوم.

والأقرب أن يقال الوجه هو أن كون شكواهم كانت في صلاتي العشي فلذلك خصهما بالذكر. انتهى.

وأقول: هذا هو الاحتمال الأول مما أبداه الكرماني فلم يزد شيئًا عليه إلا أن يقال غرضه تعيين الاحتمال الأول فليتأمل.

(فَأَرْكُدُ) : بضم الكاف؛ أي: أسكن والمراد به لازمه وهو تطويل القيام ومنه الماء الراكد (فِي الأُولَيَيْنِ) : بيائين تثنية الأولى وهو من باب التغليب لأن الثانية ليست أولى.

قال في (( الفتح ) ): ويحتمل أن يكون التطويل لما هو أعم من القراءة كالركوع والسجود ولكن المعهود في التفرقة بين الركعات إنما هو في القراءة.

(وَأُخِفُّ) : بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة وتشديد الفاء، وللكشميهني: (( وأَحْذِف ) ): بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الذال المعجمة.

قال في (( الفتح ) ): كذا هو في جميع طرق هذا الحديث التي وقفت عليها إلا أن في رواية محمد بن كثير عند الإسماعيلي وأحذم بالميم بدل الفاء. انتهى. أي: فيكون من الحذم وهو الإسراع.

(فِي الأُخْرَيَيْنِ) : أي: في الركعتين الأخريين وفي رواية الحذف إشارة إلى أنه كان لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين ففيها دليل لقول أبي حنيفة بعدم وجوب القراءة في الركعتين الأخيرتين.

(قَالَ عمر) : لسعد رضي الله عنهما (ذَاكَ) : بغير لام، ولأبي ذر عن الكشميهني: بإثباتها؛ أي: هذا القول الذي تقوله من أن صلاتك مثل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(هُوَ الظَّنُّ بِكَ) : أي: ظني بك فالألف واللام عوض عن المضاف إليه الذي هو ضمير المتكلم كما قال أبو شامة في قول الشاطبي:

~بدأت ببسم الله في النظم أولًا

قال ابن رجب: وفيه إقرار عمر لسعد على أن صلاته مثل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ عُمَرُ مَعَهُ رَجُلًا) : هو محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري كما ذكره الطبري وهو الذي كان يقص آثار من شكي من العمال زمن عمر رضي الله عنه.

قال الكرماني: سعد إما أنه غائب فكيف خاطبه بذاك وإما أنه حاضر فكيف قال فأرسل إليه.

قلت: كان غائبًا أولًا ثم حضر. انتهى.

(أَوْ رِجَالًا) : شك من الراوي.

وفي رواية ابن عيينة: (( فبعث عمر رجلين ) )قيل: هما محمد بن مسلمة السابق، وعبد الله بن أرقم، على ما حكى ابن التين أن عمر أرسل في ذلك عبد الله بن أرقم.

وأما على رواية رجالًا فإما على إطلاق الجمع على ما فوق الواحد وأما على أن الثالث مليح بن عوف السلمي فإن ابن سعد روى من طريق مليح بن عوف السلمي أنه قال: بعث عمر محمد بن مسلمة وأمرني بالمسير معه وكنت دليلًا بالبلاد فذكر القصة وفيها فأقام محمد بن مسلمة سعدًا في مساجد الكوفة يسألهم عنه.

وفي رواية إسحاق عن جرير: فطيف به في مساجد الكوفة وهذا يدل على أنه أعاده.

(إِلَى الْكُوفَةِ) ليحصل الكشف عنه بحضرته ليكون أبعد عن التهمة وأن سؤال عمر له كان قبل إرساله ثانيًا إلى الكوفة.

قال في (( الفتح ) ): لكن كلام سيف يدل على أن عمر إنما سأله عن مسألة الصلاة بعدما عاد به محمد بن مسلمة من الكوفة. انتهى.

وقد يقال لا منافاة بين الكلامين لاحتمال أن السؤال عن الصلاة تكرر من عمر إلى الكوفة.

(فَسَأَلَ عَنْهُ) : الفاء عاطفة على فعل مقدر والتقدير: فأرسل عمر رجلًا إلى الكوفة فأتاها فسأل عنه، وللأربعة: مضارعًا بدون فاء وهو حال مقدرة (أَهْلَ الْكُوفَةِ) : أي: بعضهم وهم الذين

ج 2 ص 569

لم يشكوه (وَلَمْ يَدَعْ) : بالواو، وللأصيلي وابن عساكر: بالفاء؛ أي: لم يترك الرجل المرسل مع سعد.

(مَسْجِدًا) : من مساجد الكوفة (إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ) : عن سعد أهل المسجد (وَيُثْنُونَ) : بضم التحتية عليه (مَعْرُوفًا) : أي: خيرًا وهو مفعول ليثنون.

وقوله: ويثنون معطوف على سأل وجاز عطفه عليه لأنه ماض معنى وإنما عبر عنه بالمضارع لاستحضار صورة الثناء فالمعنى إلا سأل وأثنوا.

ويحتمل أن لا تكون الواو للعطف بل واو الحال بإضمار مبتدأ لأن واو الحال لا تدخل على المضارع والتقدير إلا سأل وهم يثنون وتكون الحال مقدرة لأن الثناء إنما كان بعد السؤال.

(حَتَّى دَخَلَ) : غاية لقوله فلم يدع (مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ) : بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وبالسين المهملة قبيلة كبيرة من قيس (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكْنَى) : بضم التحتية وفتح الكاف وتشديد النون ويجوز أن يكون بسكون الكاف وتخفيف النون وعليه اقتصر القسطلاني.

(أَبَا سَعْدَةَ) : بفتح السين وسكون العين بعدها دال مهملة فتاء تأنيث، وفي رواية سيف: فقال محمد بن مسلمة: أنشد الله رجلًا يعلم حقًا إلا قال وهو يناسب قوله هنا قال ... إلخ وللأصيلي: (أمّا) : بتشديد الميم لمجرد التأكيد.

ويحتمل أن تكون للتفصيل أيضًا وقسيمها محذوف؛ أي: أما غيرنا فقد أثنوا عليه و (أَمَّا) نحن (إِذْ نَشَدْتَنَا) : ضمير نا هنا للمعظم نفسه إذ لم ينقل أن غيره وافقه على هذه المقالة.

ويحتمل أن يكون معه غيره ولم ينقل ونشدتنا بفتح النون والشين المعجمة؛ أي: سألتنا بالله وطلبت منا بيان الحق ومع هذا فقد كذب في قوله: (فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لاَ يَسِيرُ) : وللأصيلي إسقاط: كان ويسير بفتح التحتية وكسر المهملة (بِالسَّرِيَّةِ) : أي: معها وهي بفتح السين المهملة وكسر الراء الخفيفة الحصة من الجيش.

قال العيني: هي قطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو سمو بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سرًا وخفية وليس بالوجه لأن لام السر راء وهذه ياء وقيل: يحتمل أن تكون صفة لمحذوف؛ أي: لا يسير بالطريقة السرية؛ أي: العادلة والأولى أولى وأوجه لقوله بعد ذلك لا يعدل والأصل عدم التكرار والتأسيس أولى من التأكيد ويؤيده رواية جرير وسفيان بلفظ ولا ينفر في السرية.

(وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ) : أي: لا يعدل في قسمة الغنائم (وَلاَ يَعْدِلُ) : بفتح المثناة التحتية (فِي الْقَضِيَّةِ) : أي: الحكومة إذا قضى بين اثنين وفي رواية سيف وسفيان ولا يعدل في الرعية.

وقد اعتذر عنه العيني فقال: ثم اعلم أنه كان يمكن الاعتذار عن قوله: لا ينفر بالسرية بأن يقال رأى المصلحة في إقامته ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم أو كان له عذر مانع من ذلك كما وقع له في القادسية وكذا يمكن الاعتذار عن قوله: ولا يقسم بالسوية بأن يقال إن للإمام تفضيل بعض الناس بشيء يختص به لمصلحة يراها في ذلك وأما قوله: ولا يعدل في القضية فلا خلاص عنه لأنه سلب عنه العدل بالكلية وذلك قدح في الدين. انتهى.

وأقول: أي حاجة في الاعتذار لسعد والرجل كاذب في كل ما قاله بدليل تعليق سعد استجابة دعائه بكذب الرجل وقد استجيب دعاء سعد المعلق بكذبه اللهم إلا أن يقال الاعتذار على فرض الوقوع أي: لو وقع ذلك من سعد لكان له في ذلك عذر.

(قَالَ سَعْدٌ) : وفي رواية جرير: فغضب سعد وحق له ذلك.

وحكى ابن التين أنه قال له أعلي تسجع (أَمَا) : بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه (وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ) : بتشديد النون جواب القسم؛ أي: عليك (بِثَلاَثٍ) : من الدعوات والحكمة في كونها ثلاثًا أنه لما نفى عنه الفضائل الثلاث المتعلقة بالنفس والمال والدين قابلها بمثلها فطول العمر يتعلق بالنفس وطول الفقر يتعلق بالمال والوقوع في الفتن يتعلق بالدين.

قال في (( الفتح ) ): ولما كان في الثنتين الأوليين ما يمكن الاعتذار عنه دون الثالثة قابلهما بأمرين دنيويين والثالثة بأمر ديني.

ثم قال في (( الفتح ) ): من أعجب العجب أن سعدًا مع كون هذا الرجل واجهه بهذا وأغضبه حتى دعا عليه في حال غضبه راعى العدل والإنصاف

ج 2 ص 570

في الدعاء عليه إذ علقه بشرط أن يكون كاذبًا وأن يكون الحامل له على ذلك الغرض الدنيوي.

فقال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا) : أي: فيما نسبني إليه مما أنا بريء منه (قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً) : الرياء بالمد هو الفعل ليراه الناس.

وسُمْعة بضم السين وسكون الميم هو الفعل ليسمعه الناس وجملة قام إما خبر بعد خبر لكان أو حال بتقدير قد (فَأَطِلْ عُمْرَهُ) : بضم الميم ويسكن.

وعليه اقتصر في (( اليونينية ) )أي زد في عمره حتى يرد إلى أرذل العمر فتنقص وينتكس في الخلق ويقع في العجز والهرم إلى الممات فهو دعاء عليه لا له لأنه إنما يكون كذلك إذا كان مع العافية في الدين والدنيا ويدل لذلك قوله: (وَأَطِلْ فَقْرَهُ) : وفي رواية: (( وشدد فقره ) ).

وفي رواية: (( فأقلل رزقه ) )، وفي رواية سيف: (( وأكثر عياله ) ).

(وَعَرِّضْهُ) : بتشديد الراء مكسورة (بِالْفِتَنِ) : بالباء التي هي هنا للإلصاق.

وفي نسخة: (( للفتن ) )باللام وهي الأصل لأن عرض يتعدى باللام تقول عرض لي شيء وتعرضت للشيء الفلاني.

قال الكرماني: أي اجعله عرضة للفتن أو أدخله في معرضها أو أظهره بها.

ثم قال ما حاصله: وجاز لسعد أن يدعو على أخيه المسلم ولم يكتف بدعوة واحدة لأنه كان مظلومًا بالافتراء عليه وثلثها لأنه ثلث أيضًا في نفي الفضائل عنه لاسيما بالثلاث التي هي أصول الفضائل وأمهات الكمال وهي الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية حيث قال: لا يسير بالسرية والعفة التي هي كمال القوة الشهوانية حيث قال: لا يقسم بالسوية والحكمة التي هي كمال القوة العقلية حيث قال: لا يعدل في القضية والثلاث تتعلق بالنفس والمال والدين فقابلها سعد بثلاث مثلها. انتهى.

وقد تقدم بيان المقابلة وأورد بأن الدعاء المذكور يستلزم أن يتمنى وقوع المسلم في المعاصي.

وأجيب: بأنه جائز من حيث أنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته فهو كتمني الشهادة في سبيل الله وإن استلزم تمني قتل الكافر للمسلم وهو معصية ووهن في الدين ونظيره دعاء نوح عليه السلام بقوله: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [نوح:24] ودعاء موسى عليه السلام بقوله: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس:88] .

(قَالَ) : أي: عبد الملك بن عمير المذكور في السند كما بينه جرير في روايته (وَكَانَ) : بالواو، وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي: بالفاء؛ أي: أبو سعدة (بَعْدُ) : بالبناء على الضم (إِذَا سُئِلَ) : أي: عن حاله، وفي رواية ابن عيينة: إذا قيل له: كيف أنت (يَقُولُ: شَيْخٌ) : أي: أنا شيخ (كَبِيرٌ) : في السن وهو إشارة إلى دعوة سعد الأولى (مَفْتُونٌ) : أي: ضال إشارة إلى دعوته الثالثة وإنما لم يشر إلى الدعوة الثانية وهي قوله وأطل فقره لأنها تدخل في عموم قوله: (أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ) : وقد صرح بذلك في رواية الطبراني من طريق أسد بن موسى وفي رواية أبي يعلى عن إبراهيم بن حجاج كلاهما عن أبي عوانة ولفظه: قال عبد الملك: فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك فإذا سألوه قال: كبير فقير مفتون وفي رواية إسحاق عن جرير فافتقر وافتتن.

وفي رواية سيف: فعمي وكان عنده عشر بنات وكان إذا سمع بحس امرأة تشبث بها فإذا أنكر عليه قال: دعوة المبارك سعد وفي رواية ابن عيينة ولا تكون فتنة إلا وهو فيها، وفي رواية محمد بن جحادة عن مصعب بن سعد في هذه القصة قال: وأدرك فتنة المختار فقتل فيها وعند ابن عساكر وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة خمس وستين إلى أن قتل سنة سبع وسبعين كذا في العيني.

(قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ) : بن عمير (فَأَنَا) : بالفاء، ولأبي الوقت: (رَأَيْتُهُ بَعْدُ) : بالبناء على الضم (قَدْ سَقَطَ) : بفتحات (حَاجِبَاهُ) : أي: شعرهما (عَلَى عَيْنَيْهِ) : تثنية عين (مِنَ الْكِبَرِ) : من للتعليل.

والكِبَر بكسر الكاف وفتح الموحدة الهرم من طول العمر.

وجملة: (وَإِنَّهُ) : أي: أبا سعدة (لَيَتَعَرَّضُ) : جملة حالية (لِلْجَوَارِي) : جمع جارية وهي الفتية من النساء مطلقًا حرة كانت أو أمة (فِي الطَّرِيقِ) : بالإفراد لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر، ولغيرهم: (( في الطرق ) )بالجمع.

(يَغْمِزُهُنَّ) : بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وكسر الميم وبالزاي؛ أي: يعصر أعضائهن بالأصابع وفيه إشارة إلى الفتنة والفقر إذ لو كان غنيًا لما احتاج إلى ذلك لتمكنه من النكاح وملك اليمين وهذا الحديث

ج 2 ص 571

أخرجه المصنف أيضًا في الصلاة، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي.

ومن فوائده كما في (( الفتح ) )وغيره سوى ما مر: جواز عزل الإمام بعض عماله إذا شكي إليه، وإن لم يثبت عليه شيء إذا اقتضت ذلك المصلحة، وإن لم يكن فيه ما يقدح في ولايته، وسيأتي في هذا الحديث في مقتل عمر والشورى أن عمر قال: (( إن أصابت الإمارة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة ) ).

وقال مالك: قد عزل عمر سعدًا وهو أعدل من يأتي بعده إلى يوم القيامة.

وقال في (( الفتح ) ): والذي يظهر: أن عمر عزله حسمًا لمادة الفتنة، ففي رواية سيف: قال عمر: (( لولا الاحتياط، وأن لا يتقى من أمير مثل سعد لما عزلته ) ).

وقيل: عزله إيثار القربة منه؛ لكونه من أهل الشورى، وقيل: لأن مذهب عمر أن لا يستمر العامل أكثر من أربع سنين.

وقال المازري: اختلفوا هل يعزل القاضي بشكوى الواحد، أو الاثنين، أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى منه.

وفي الحديث: خطاب الرجل بكنيته ومدحه في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة، وفيه أيضًا الفرق بين الافتراء الذي يقصد به السب كالواقع من هذا الرجل، وبين الافتراء الذي يقصد به دفع كالواقع من المشتكين، فيعذر قاتل الأول، فمن ثم دعاء سعد على الرجل دون الفاعل للثاني، ومن ثم لم يدع سعد على المشتكين، غير أنه قال فيهم: أتعلمون الأعراب الصلاة.

ويحتمل أن سعدًا لم يطلب حقه منهم، أو عفا عنهم، واكتفى بالدعاء على الذي كشف قناعه في الافتراء عليه دون غيره، فإنه صار كالمنفرد بأذيته، وقد جاء في الخبر: (( من دعا على ظالمه فقد انتصر ) )فلعله أراد الشفقة عليه بأن عجل له العقوبة في الدنيا، فانتصر لنفسه، وراعى حال من ظلمه؛ لما كان فيه من وفور الديانة.

ويقال: إنما دعا عليه؛ لكونه انتهك حرمة من صحب صاحب الشريعة، فكأنه انتصر لصاحبها، وفيه أيضًا: أن من سعى به من الولاة يسأل عنه في موضع عمله، وأنه يكفي في حاله سؤال من يظن به الفضل.

وفيه كما قال ابن الملقن: تخفيف الركعتين الأخريين بالنسبة إلى الأوليين، وقد اختلف قول الشافعي وغيره في قراءة السورة في الأخريين، أو الثالثة، والأصح: أنه لا يستحب، والمختار تطويل الأولى على الثانية، وبذلك قال محمد والثوري وأحمد.

وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يطيل الأولى على الثانية إلا في الفجر خاصة، واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلا مالكًا، فإنه قال: لا بأس به؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى، وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية بالغاشية وهي ست وعشرون آية، وانفرد أبو حنيفة، ولم يوجب في الأخيرتين قراءة، بل خيره بينها وبين التسبيح والسكوت، وعزوه إلى علي وابن مسعود وعائشة، وبه قال النخعي والأسود والثوري وأحمد في رواية ضعيفة، والجمهور على وجوب قراءة الفاتحة فيهما، وهو الموافق للسنة الصحيحة، وأبعد الأصم وابن علية والحسن بن صالح وابن عيينة فقالوا: لا تجب القراءة في الصلاة أصلًا، ولا يعبأ بذلك، وحكي أيضًا عن مالك وهو شاذ.

وحكى المازري عن بعضهم: عدم تعيين أم القرآن، وقال مالك: من تركها في ركعة في غير الصبح سجد للسهو.

وقال ابن الماجشون: من ترك القراءة في ركعة من الصبح، أو أي صلاة كانت تجزئه سجدتا السهو، وعند أبي حنيفة: لا تتعين الفاتحة، بل تجب، وفي رواية عنه: تستحب وليست شرطًا.

قال: ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه، وفي قدر الواجب روايات عنه أصحها كما قال الرازي: ما تناوله الاسم، كذا في ابن الملقن.

وقال العيني: يستنبط من الحديث وجوب القراءة في الركعتين الأوليين من الصلاة، وعدم وجوبها في الأخريين.

واستدل بعض أصحابنا لأبي حنيفة ومن قال بقوله في عدم وجوب القراءة في الأخريين بالحديث المذكور.

وعن هذا قال صاحب (( الهداية ) )وغيره: إن شاء قرأ في الأخريين، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة، إلا أن الأفضل أن يقرأ.

وقال أصحابنا: المصلي مأمور بالقراءة بقوله تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ} [المزمل:20] ، والأمر لا يقتضي التكرار، فتتعين الركعة الأولى منها، وإنما أوجبناها في الثانية؛ استدلالًا بالأولى؛ لأنهما يتشاكلان

ج 2 ص 572

من كلِّ وجه. انتهى.

وقال الكرماني: قال التيمي: قال أبو حنيفة: الواجب من القراءة ما تناوله اسم القرآن، وذلك ثلاثة آيات قصار، أو آية طويلة.

وقالت الأئمة الثلاثة: فاتحة الكتاب واجبة. انتهى. وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت