فهرس الكتاب

الصفحة 1207 من 1465

وبالسند قال:

756 - (حَدَّثَنا عَلِيٌّ بنُ عَبْدِ اللهِ) المديني (قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنا الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم (عَنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن سراقة الخزرجي (عَنْ عُبَادَةَ) بضم العين وتخفيف الباء الموحدة (ابنُ الصَّامِتْ) بالصاد المهملة.

قال في (( الفتح ) ): وفي رواية الحميدي: عن سفيان: حدثنا الزهري، قال: سمعت محمود بن الريبع، ولابن أبي عمر عن سفيان بالإسناد عند الإسماعيلي: سمعت عبادة بن الصامت، ولمسلم من رواية ابن شهاب: أن محمود بن الريبع أخبره: أن عبادة بن الصامت أخبره، وبهذا التصريح يندفع تعليل من أعله بالانقطاع؛ لكون بعض الرواة أدخل بين محمود وعبادة رجلًا، وهي رواية ضعيفة عند الدارقطني.

(أَنَّ رَسَولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ صَلاَةَ) أي: صحيحة أو كاملة (لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) قال العيني: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن الترجمة أعم من أن تكون القراءة بالفاتحة أو بغيرها، والحديث عين الفاتحة.

وقال الكرماني: وفي الحديث دليل على أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمنفرد والمأموم في الصلاة كلها، فهو صريح في دلالته على سائر أجزاء الترجمة. انتهى.

قلت: نعم، إذا حمل النفي على نفي الجواز يدل على ذلك، ولكن لا نسلم أنه صريح في دلالته على سائر أجزاء الترجمة.

وليس في الترجمة ذكر الفاتحة حتى يدل على ذلك، وإنما فيها ذكر القراءة وهي أعم من الفاتحة وغيرها على ما ذكرنا.

فإن قلت: له أن يقول ذكرت القراءة وأردت بها الفاتحة من قبيل إطلاق الكل على الجزء.

قلت: فحينئذٍ لا يبقى وجه المطابقة بين الترجمة، وبين حديث سعد المذكور، وأيضًا فيه ارتكاب المجاز من غير ضرورة. انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): قوله: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) )زاد الحميدي عن سفيان: (( فيها ) )كذا في (( مسنده ) )، وهكذا رواه يعقوب عن سفيان عن الحميدي، أخرجه البيهقي، وكذا لابن أبي عمر عند الإسماعيلي، ولقتيبة بن أبي شيبة عند أبي نعيم في (( المستخرج ) )، وهذا يعين أن المراد القراءة في نفس الصلاة.

قال عياض: قيل: يحمل على نفي الذات وصفاتها، لكن الذات غير منتفية، فيخص بدليل خارج، ونوزع في عدم تسليم نفي الذات على الإطلاق؛ لأنه إن ادعى أن المراد بالصلاة معناها اللغوي، فغير مسلم؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه؛ لكونه بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام دعوى نفي الذات.

فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال؛ لأنه يؤدي إلى الإجمال كما نقل عن القاضي أبي بكر وغيره، حتى مال إلى التوقف؛ لأن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء، فلو قدر الإجزاء منتفيًا لأجل العموم قدر ثانيًا لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته، فيتناقض، ولا سبيل إلى إضمارهما معًا؛ لأن الإضمار إنما احتيج إليه للضرورة، وهي مندفعة بإضمار فرد، فلا حاجة إلى أكثر منه، ودعوى إضمار أحدهما ليس بأولى من الآخر، قاله ابن دقيق العيد.

وفي هذا الأخير نظر؛ لأنا إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الأجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى.

ويؤيده رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النرسي أحد شيوخ البخاري عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: (( لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ) )وتابعه على ذلك زياد بن أيوب أحد الأثبات. أخرجه الدارقطني.

وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما.

ولأحمد من طريق عبد الله بن سوادة القشيري عن رجل عن أبيه مرفوعًا: (( لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب ) ).

وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي عن سفيان حديث الباب بلفظ: (( لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب ) ).

فلا يمتنع أن يقال: أن قوله: (( لا صلاة ) )نفي بمعنى النهي؛ أي: لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب.

ونظيره: ما رواه مسلم من طريق القاسم عن عائشة مرفوعًا: (( لا صلاة بحضرة الطعام ) )فإنه في (( صحيح ابن حبان ) )بلفظ: (( لا يصلي أحدكم

ج 2 ص 573

بحضرة الطعام )) أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره عن يعقوب بن مجاهد عن القاسم، وابن حبان من طريق حسين بن علي وغيره عن يعقوب به.

وأخرج ابن حبان أيضًا له شاهدًا من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ، وقد قال بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة: الحنفية، لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطًا في صحة الصلاة؛ لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل:20] .

فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما ثبت بالحديث، فيكون واجبًا يأثم من يتركه، وتجزئ الصلاة بدونه، وإذا تقرر ذلك لا ينقضي عجبي ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة، وترك الطمأنينة، فيصلي صلاة يريد أن يتقرب بها إلى الله تعالى، وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها مبالغة في تحقق مخالفته لمذهب غيره، واستدل به على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة بناءً على أن الركعة الواحدة تسمى صلاة لو تجردت.

وفيه نظر؛ لأن قراءتها في ركعة واحدة من الرباعية مثلًا يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرأة الواحدة، والأصل أيضًا: عدم إطلاق الكل على البعض؛ لأن الظهر مثلًا كلها صلاة واحدة حقيقة، كما صرح به في حديث الإسراء حيث سمى المكتوبات خمسًا، وكذا حديث عبادة: (( خمس صلوات كتبهن على العباد ) )، وغير ذلك، وإطلاق الصلاة على ركعة منها يكون مجازًا.

قال الشيخ تقي الدين: وغاية ما في هذا البحث أن يكون في الحديث دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في ركعة واحدة منها، فإن دلَّ دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدمًا. انتهى.

وقال بمقتضى هذا البحث: الحسن البصري، رواه عنه ابن المنذر بإسناد صحيح، ودليل الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم: (( وافعل ذلك في صلاتك كلها ) )بعد أن أمره بالقراءة، وفي رواية لأحمد وابن حبان: (( ثم افعل ذلك في كل ركعة ) ).

ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري له عقب حديث عبادة، واستدل به على وجوب القراءة على المأموم سواء أسرَّ الإمام أم جهر؛ لأن صلاته حقيقية، فتنتفي عند انتفاء القراءة إلا إن جاء دليل يقتضي تخصيص صلاة المأموم من هذا العموم فيقدم، قاله الشيخ تقي الدين.

واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية بحديث من صلى خلف إمام، فقراءة الإمام له قراءة، لكنه حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه، وعلله الدارقطني وغيره، واستدل من أسقطها عنه في الجهرية كالمالكية بحديث: (( وإذا قرأ فأنصتوا ) )، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، ولا دلالة فيه؛ لإمكان الجمع بين الأمرين، فينصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام، ويقرأ إذا سكت، وعلى هذا؛ فيتعين على الإمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم؛ لئلا يوقعه في ارتكاب المنهي حيث لا ينصت إذا قرأ الإمام، وقد ثبت الإذن بقراءة المأموم الفاتحة في الجهرية بغير قيد، وذلك فيما أخرجه البخاري في (( جزء القراءة ) )والترمذي وابن حبان وغيرهما من رواية مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثقلت عليه القراءة في الفجر، فلما فرغ قال: (( لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ ) )قلنا: نعم، قال: (( فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ) )، والظاهر: أن حديث الباب مختصر من هذا، وكان هذا سببه، والله أعلم. انتهى كلامه.

وقال العيني بعد كلام طويل: ثم وجه استدلال الشافعي ومن معه بهذا الحديث: هو أنه نفى جنس الصلاة عن الجواز إلا بقراءة فاتحة الكتاب، واستدل أصحابنا بقوله تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل:20] أمر الله تعالى بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقًا، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص، وذا لا يجوز؛ لأنه نسخ، فيكون أدنى ما ينطلق عليه القرآن فرضًا؛ لكونه مأمورًا به، فإن قراءته خارج الصلاة ليست بفرض، فتعين أن تكون في الصلاة.

فإن قلت: هذه الآية في صلاة الليل، وقد نسخت فرضيتها، فكيف يصح التمسك بها؟.

قلت: ما شرع ركنًا لم يصر منسوخًا، وإنما نسخ وجوب قيام الليل دون فروض الصلاة، وشرائطها، وسائر أحكامها، ويدل عليه أنه أمر بالقراءة بعد النسخ بقوله: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل:20] ، والصلاة

ج 2 ص 574

بعد النسخ بقيت نفلًا، وكل من شرط الفاتحة في الفرض شرطها في النفل، ومن لا فلا، والآية تنفي اشتراطها في النفل، فلا تكون ركنًا في الفرض؛ لعدم القائل بالفصل.

فإن قلت: كلمة ما مجملة، والحديث معين ومبين، والمعين يقضي على المبهم.

قلت: كل من قال هذا يدل على عدم معرفته بأصول الفقه؛ لأن كلمة ما من ألفاظ العموم يجب العمل بعمومها من غير توقف، ولو كانت مجملة؛ لما جاز العمل بها قبل البيان كسائر مجملات القرآن والحديث.

ومعناه: أي شيء تيسر، ولا يسوغ ذلك فيما ذكروه، فيلزم الترك بالقرآن والحديث، والعام عندنا لا يحمل على الخاص مع ما في الخاص من الاحتمالات.

فإن قلت: هذا الحديث مشهور، فإن العلماء تلقته بالقبول، فتجوز الزيادة بمثله.

قلنا: لا نسلم أنه مشهور؛ لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول، وقد اختلف التابعون في هذه المسألة، ولئن سلمنا أنه المشهور، فالزيادة بخبر المشهور إنما تجوز إذا كان محكمًا، أما إذا كان محتملًا فلا، وهذا الحديث محتمل؛ لأن مثله يستعمل لنفي الجواز، ويستعمل لنفي الفضيلة كقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) ).

والمراد: نفي الفضيلة كذا هذا، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة:12] معناه: أنهم لا أيمان لهم موثوق بها، ولم ينف وجود الأيمان منهم رأسًا؛ لأنه قد قال: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وعطف على ذلك أيضًا: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ} [التوبة:13] ، فثبت أنه لم يرد بقوله: {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة:12] نفي الأيمان أصلًا، وإنما أراد به ما ذكرنا، وهذا يدل على إطلاق لفظة لا، والمراد بها: نفي الفضيلة دون الأصل كما ذكرنا من النظير.

وقال بعضهم: ولأن نفي الأجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، ولأنه السابق إلى الفهم، فيكون أولى، ويؤيده رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النَّرْسي أحد شيوخ البخاري عن سفيان بلفظ: (( لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ) ).

قلت: لا نسلم قرب نفي الإجزاء إلى الحقيقة؛ لأنه محتمل لنفي الإجزاء، ولنفي الفضيلة، والحمل على نفي الكمال أولى، بل يتعين؛ لأن نفي الإجزاء يستلزم نفي الكمال، فيكون فيه نفي شيئين، فتكثر المخالفة، فيتعين الكمال، ودعواه التأييد بهذا الحديث الذي أخرجه الإسماعيلي وابن خزيمة لا يفيده؛ لأن هذا ليس له من القوة ما يعارض ما أخرجه الأئمة الستة على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم يقل في خبر العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير.

وقال هذا القائل أيضًا: وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي عن سفيان حديث الباب بلفظ: (( لا صلاة إلا بقراءة بفاتحة الكتاب ) )فلا يمتنع أن يقال: أن قوله: نفي بمعنى النهي؛ أي: لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب.

ونظيره: ما رواه مسلم من طريق القاسم عن عائشة مرفوعًا: (( لا صلاة بحضرة الطعام ) )، فإنه في (( صحيح ابن حبان ) )بلفظ: (( لا يصلِّ أحدكم بحضرة الطعام ) ).

قلت: تنظيره بحديث مسلم غير صحيح؛ لأن لفظ حديث ابن حبان غير نهي، بل هو نفي الغائب، وكلامه يدل على أنه لا يعرف الفرق بين النفي والنهي.

وقال أيضًا: استدل من أسقطها؛ أي: من أسقط قراءة الفاتحة عن المأموم مطلقًا يعني: أسر الإمام أو جهر كالحنفية بحديث: (( من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام قراءة له ) )، لكنه حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره.

قلت: هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة، وهم: جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك رضي الله عنهم.

فحديث جابر: أخرجه ابن ماجه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة ) ).

وحديث ابن عمر: أخرجه الدارقطني في (( سننه ) )عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة ) ).

وحديث أبي سعيد: أخرجه الطبراني في (( الأوسط ) )عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) ).

وحديث أبي هريرة: أخرجه الدارقطني في (( سننه ) )من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه سواء.

وحديث ابن عباس: أخرجه الدارقطني أيضًا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يكفيك قراءة الإمام خافت أو جهر ) ).

وحديث أنس: أخرجه ابن حبان في كتاب (( الضعفاء ) )عن عُكَيم بن سالم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من كان له إمام

ج 2 ص 575

فقراءة الإمام له قراءة )) .

ثم أورد على نفسه بأن طرق هذا الحديث قد تكلم في رجال من أسانيدها، وذلك قادحٌ في الاحتجاج به.

ثم أجاب: بأن لها متابعات وشواهد تجبر ذلك الضعف إلى أن قال: وجوابنا عن الأحاديث التي قالوا في إسنادها ضعفاء أن الضعيف يتقوى بالصحيح، ويقوي بعضها بعضًا.

وأما قوله: يعني صاحب (( الفتح ) )في بعضها هو موقوف: فالموقوف عندنا حجة؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ومع هذا روي منع القراءة خلف الإمام عن ثمانين من الصحابة الكبار منهم المرتضى، والعبادلة الثلاثة، وأساميهم عند أهل الحديث، فكان اتفاقهم بمنزلة الإجماع.

فمن هذا قال صاحب (( الهداية ) )من أصحابنا: وعلى ترك القراءة خلف الإمام إجماع الصحابة، فسماه إجماعًا باعتبار اتفاق الأكثر، ومثل هذا يسمى إجماعًا عندنا.

وذكر الشيخ الإمام عبد الله بن يعقوب السيذموني في كتاب (( كشف الأسرار ) ): عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم.

وأخرج ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )عن ابن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، وأخرجه الدارقطني كذلك من طرق.

وأخرج الطحاوي بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال: (( من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة ) )أراد ليس على شرط الإسلام، وقيل: ليس على السنة إلى آخر ما أطال به، فليراجع لمريد الاطلاع.

وقال ابن رجب: وقد اختلف العلماء في القراءة خلف الإمام على ثلاثة أقوال مشهورة:

أحدها: أنه لا يقرأ بكل حال سواء جهر الإمام أم لم يجهر، يروى ذلك عن زيد بن ثابت، ويروى عنه أنه قال: (( من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له ) )، وروي عن علي أنه قال: (( من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة ) )ونهى عنه جابر بن عبد الله، وروي عن سعد التغليظ فيه.

وقال ابن سيرين: لا أعلم من السنة القرآن خلف الإمام.

وعن النخعي أنه قال: الذي يقرأ خلف الإمام مشاق، وقال سعيد بن الزبير: يكفيك قراءة الإمام، وهذا قول الفقهاء الكوفيين منهم الثوري وأبو حنيفة، ومن قبلهم كالأسود والنخعي، وروي عنه أنه قال: أول ما أحدث الناس القراءة خلف الإمام زمن الكذاب يعني: المختار، وهو قول ابن وهب وغيره من أصحاب مالك، وفيه هذا المعنى أحاديث مرفوعة، وذكر منها أحاديث.

القول الثاني: أنه يقرأ خلف الإمام، وإن جهر، وهذا هو المروي عن عبادة تمسكًا بقوله: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ) ).

وروي أيضًا عن عمر وأبي الدرداء، وعن ابن عباس من وجه ضعيف وهو قول ابن عون ومكحول والشافعي في الجديد، وإسحاق في رواية عنه، وأبي ثور، وأبي حيثمة وسليمان الهاشمي والبخاري والجوزجاني وأبي بكر الأثرم، وهما من أصحاب أحمد، وربما حكي عن أحمد أيضًا، ولا يثبت عنه، وحكي عن طائفة من السلف، ولا يثبت عنهم، إنما أخذ من عموم كلام لهم لم يريدوه، وقد اشتد إنكار أحمد للقول بوجوب القراءة على المأموم في حال جهر الإمام، وربما أشار إلى أنه قول مخالف للإجماع.

القول الثالث: أنه يقرأ خلف الإمام إن أسر، ولا يقرأ إن جهر، وهذا هو الثابت عن عامة الصحابة، وروي عن كثير من السلف القراءة خلف الإمام وتركها، فإذا حمل ذلك على اختلاف حال السر والجهر زال الاختلاف والتناقض عن أقوالهم، وقد صرح كثير منهم بهذا التفصيل، وممن ذهب إلى التفصيل الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم، وحكاه الترمذي عن أكثر أصحاب الحديث. انتهى ملخصًا.

ثم قال ابن رجب: والقائلون: بأن المأموم يقرأ في حال السر أكثرهم على أنه يقرأ استحبابًا لا وجوبًا، وهو قول مالك وأحمد، وحكي عن قوم وجوب القراءة في حال السر منهم الأوزاعي وإسحاق وداود، وهو قول الشافعي، ومن العلماء من أبطل الصلاة بالقراءة خلف الإمام.

وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: (( من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له ) )، وعند أصحابنا لا تبطل الصلاة بالقراءة خلف الإمام في صلاة السر، أو في سكتات الإمام في صلاة الجهر، وإن قرأ خلفه في حال جهره، ففي بطلان صلاته وجهان.

ثم قال: واعلم أن هذه المسألة وما أشبهها من مسائل الخلاف المشهورة التي انتشر الكلام فيها قديمًا وحديثًا كمسألة الجهر بالبسملة، ورفع اليدين عند الركوع والاعتدال منه،

ج 2 ص 576

ومسألة القنوت في الفجر ونحو ذلك، ولا يخلو الكلام فيها إذا طال من نوع ميلٍ، وقد وقع ذلك في كلام المتقدمين والمتأخرين، ولكنه في كلام المتأخرين أكثر، ولن يستطيع من خاض في شيء من هذه المسائل السلامة من الميل إلى بعض الأقوال كما قال تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء:129] . انتهى.

وحديث الباب أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وزاد النسائي في آخره: (( فصاعدًا ) ).

قال ابن الملقن: وكذا مسلم، وهي من أفراده؛ أي: عن البخاري، واستدل بها كما في (( الفتح ) )على وجوب قدر زائد على الفاتحة، وتعقب: بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة.

قال البخاري في (( جزء القراءة ) ): وهو نظير قوله: (( تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا ) )، وادعى ابن حبان والقرطبي وغيرهما: الإجماع على وجوب قدر زائد عليها، قيل: وفيه نظر. انتهى.

وأقول: لعل وجه النظر: أن الشافعي قائل بعدم وجوب قدر زائد على الفاتحة، فكيف ينعقد الإجماع مع خلافه؟ ….

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت