فهرس الكتاب

الصفحة 1208 من 1465

وبالسند قال:

757 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير، ابن عمر العمري (قَالَ: حَدَّثَنَا) بالإفراد لغير الأصيلي (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) بلفظ التكبير فيهما (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيد المقبري.

قال الدارقطني: خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم، فإنهم لم يزيدوا عن أبيه، لكن يحيى حافظ، فلعل عبيد الله حدث به على الوجهين، ولكل من الروايتين مرجح كما في (( الفتح ) )على ما ذكر القسطلاني.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْمَسْجِدَ) المعهود وهو مسجده صلى الله عليه وسلم (فَدَخَلَ رَجُلٌ) وهو خلاد بن رافع (فَصَلَّى) أي: ركعتين كما جاء في رواية داود بن قيس عند النسائي (فَسَلَّمَ) أي: بعد أن صلى ركعتين بدليل رواية النسائي: (( ثم جاء فسلم ) ) (عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وقال الكرماني: فصلى الصلاة الشرعية، وليس المراد فصلى على النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.

فدفع به ما عسى أن يتوهم؛ لاقترانه بقوله: فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم.

(فَرَدَّ) النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، وفي رواية ابن نمير في الاستئذان: فقال: (( وعليك السلام ) ) (وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم للرجل، ولأبي ذر وابن عساكر: (( فقال ) )بالفاء للرجل (ارْجِعْ) إلى مكانك (فَصَلِّ) ولابن عساكر: (( وصل ) )بالواو (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) نفي للكمال عند الحنفية؛ أي: لم تصل صلاة كاملة، ونفي للصحة عند الشافعية؛ أي: لم تصل صلاة صحيحة، وعبر بلم دون لما مع أن النفي متصل إلى زمن التكلم اكتفاء بالمشاهدة، فإنها دالة على ذلك، وفي رواية عجلان فقال: (( أعد صلاتك ) ).

(فَرَجَعَ) الرجل (يُصَلِّي) بالمضارع، والجملة حال مقدرة، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (( فصلى ) )ماضيًا (كَمَا صَلَّى) أي: أول مرة (ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلاَثًا) أي: الفعل من الرجل، والقول من النبي صلى الله عليه وسلم صدر ثلاث مرات (فَقَالَ) ولابن عساكر: (( قال ) )بلا فاء (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ) أي: غير هذا الفعل الذي فعلته (فَعَلِّمْنِي) صيغة الطلب هنا دعائية، وفي رواية يحيى بن علي فقال الرجل: (( فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال: أجل ) ).

واستشكل كونه عليه الصلاة والسلام تركه ثلاث مرات يصلي صلاة فاسدة، أو ناقصة.

وأجاب التوربشتي: بأن الرجل لما رجع ولم يستكشف الحال من مورد الوحي كأنه افترقا عنده، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا، وإرشادًا إلى استكشاف ما اشتبه عليه، فلما طلب كشف الحال أرشده عليه الصلاة والسلام.

أقول: وفيه توقف أما أولًا؛ فلعدم تحقق الزجر في السكوت، وهو صلى الله عليه وسلم لم يسكت مطلقًا، بل كان يأمره بالعود إلى الصلاة، وإنما يحسن التأديب والزجر لمن كان يعلم كيفية الصلاة، ثم عدل عنها، وهذا كان جاهلًا بها، وبفرض علمه كيف يقره على الفساد لمصلحة التأديب والإرشاد مع إمكان الإرشاد والتأديب بالقول؟ …فليتأمل.

ولعل الأقرب: أنه صلى الله عليه وسلم ظن في بادئ الأمر أنه يعلم كيفية الصلاة المجزئة، وأنه فعل ذلك تساهلًا وتكاسلًا، فأمره أن يعيدها على الوجه الأكمل، فلما صرح له بأنه لا يحسن غير هذه الكيفية؛

ج 2 ص 577

علم أن ما فعله ناشئ عن جهله بالكيفية الشرعية فعلمه، فتأمل.

وقال النووي: إنما لم يعلمه أولًا؛ ليكون أبلغ في تعريفه، وتعريف غيره صفة الصلاة المجزئة.

وقال ابن الجوزي: ويحتمل أن ترديده؛ لتفخيم الأمر وتعظيمه، ورأى أن الوقت لم يفته، فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك.

وقال الكرماني: الجواب: أنه لم يأذن له في صلاة فاسدة، ولا علم من حاله أنه يأتي بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة. انتهى.

وهذا قريب مما خطر لهذا العبد الضعيف وأقرب الأجوبة.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم معلمًا للرجل، وسقطت الفاء لابن عساكر (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ) أيَّ صلاة كانت (فَكَبِّرْ) تكبيرة الإحرام بها (ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ) وللكشميهني: (( بما ) )بزيادة الباء (مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) قال في (( الفتح ) ): وكأنه أشار بإيراده عقب حديث عبادة أن الفاتحة إنما تتحتم على من يحسنها، وإن لم يحسنها يقرأ بما تيسر عليه، أو أن إطلاق القراءة في حديث أبي هريرة مقيد بالفاتحة، كما في حديث عبادة.

قال الخطابي: قوله: (( ثم اقرأ ما تيسر من القرآن ) )ظاهر الإطلاق التخيير، لكن المراد به: فاتحة الكتاب لمن أحسنها بدليل حديث عبادة، وهو كقوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196] ، ثم عينت. انتهى.

وقال النووي: قوله: (( ما تيسر ) )محمول على الفاتحة فإنها متيسرة، أو على ما زاد على الفاتحة بعد أن يقرأها، أو على من عجز عن الفاتحة.

وتعقب: بأن قوله: (( ما تيسر ) )لا إجمال فيه حتى يبين، والتقييد بالفاتحة ينافي التيسير الذي يدل عليه الإطلاق، فلا يصح حمله عليه، وأيضًا فسورة الإخلاص متيسرة، وهي أقصر من الفاتحة، فلم ينحصر التيسير في الفاتحة، وأما الحمل على ما زاد، فمبني على تسليم تعين الفاتحة، وهو محل النزاع، وأما حمله على من عجز فبعيد.

والجواب القوي عن هذا: أنه ورد في حديث المسيء صلاته تفسير ما تيسر بالفاتحة كما أخرجه أبو داود من حديث رفاعة بن رافع رفعه: (( وإذا قمت فتوجهت فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك ) )الحديث.

ووقع في بعض طرقه: (( ثم اقرأ إن كان معك قرآن، فإن لم يكن فاحمد الله وكبر وهلل ) )فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعيين الفاتحة هو الأصل لمن معه قرآن، فإن عجز عن تعلمها وكان معه شيء من القرآن قرأ ما تيسر، وإلا انتقل إلى الذكر.

ويحتمل في طريق الجمع أيضًا أن يقال: المراد بقوله: (( فاقرأ ما تيسر معك من القرآن ) )أي: بعد الفاتحة.

ويؤيده: حديث أبي سعيد عند أبي داود بسند قوي: (( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ) ). انتهى.

وقال العيني: قوله: (( ما تيسر ) )يدل على أن الفرض مطلق، وهو حجة لأصحابنا على عدم فرضية قراءة الفاتحة، إذ لو كانت فرضًا لأمره صلى الله عليه وسلم بها؛ لأن المقام مقام التعليم.

وقال الخطابي: قوله: (( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) )ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزئه غيرها بدليل قوله: (( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) )وهذا في الإطلاق كقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196] ، ثم كان أقل ما يجزئ من الهدي معينًا معلوم المقدار ببيان السنة، وهو الشاة.

قلت: يريد الخطابي أن يتخذ لمذهبه دليلًا على حسب اختياره بكلام ينقض أوله آخره حيث اعترف أولًا أن ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتخيير، وحكم المطلق أن يجزئ على إطلاقه، وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب، وليس فيه إجمال.

وقوله: هذا في الإطلاق كقوله تعالى ... إلخ ظاهر الفساد؛ لأن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، وهو يتناول الإبل والبقر والغنم، وفيه إجمال، وأقل ما يجزئ شاة، فيكون مرادًا بالسنة، بخلاف قوله: (( ما تيسر معك من القرآن ) )فإنه ليس كذلك، فإنه يتناول؛ كل ما يطلق عليه القرآن، فيتناول الفاتحة وغيرها، وليس فيه إجمال وتخصيص، بالفاتحة من غير مخصص ترجيح بلا مرجح، وهو باطل، ولا يجوز أن يكون قوله: (( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) )مخصصًا؛ لأنه ينافي معنى التيسير، فينقلب إلى التعسير، وهذا باطل، ولا يجوز أن يكون مفسرًا؛ لأنه ليس فيه إيهام.

ومن قال أنه مجمل كالتيمي وغيره، وحديث عبادة مفسر، والمفسر قاض على المجمل، فقد أبعد جدًا؛ لأنه لا يصدق عليه حد الإجمال، كما ذكرنا عن قريب.

وقال النووي: أما حديث: (( فاقرأ ما تيسر ) )فمحمول على الفاتحة فإنها متيسرة،

ج 2 ص 578

أو على ما زاد على الفاتحة بعدها، أو على من عجز عن الفاتحة.

قلت: هذا تمشية لمذهبه بالتحكم، وكل هذا خارج عن معنى كلام الشارع، أما قوله: فالفاتحة متيسرة، فلا يدل عليه تركيب الكلام أصلًا؛ لأن ظاهره يتناول الفاتحة وغيرها مما ينطلق عليه اسم القرآن، وسورة الإخلاص أكثر تيسرًا من الفاتحة، فما معنى تعيين الفاتحة في التيسير، وهذا تحكم بلا دليل.

وأما قوله: (( أو على ما زاد على الفاتحة ) )فمن أين يدل ظاهر الحديث على الفاتحة حتى يكون قوله: (( ما تيسر ) )دالًا على ما زاد على الفاتحة، ومع هذا إذا كان مأمورًا بما زاد على الفاتحة يجب أن تكون تلك الزيادة أيضًا فرضًا مثل قراءة الفاتحة، ولم يقل به الشافعي.

وأما قوله: أو على من عجز عن الفاتحة، فحمل غير صحيح؛ لأن ما في الحديث لا يدل عليه، وفي حديث رفاعة بن رافع: (( ثم اقرأ إن كان معك قرآن، فإن لم يكن معك قرآن، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ) ).

وكيف يحمل قوله: اقرأ ما تيسر على من عجز عن الفاتحة، وقد بين صلى الله عليه وسلم حكم العاجز عن القراءة مستقلًا برأسه. انتهى.

(ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ) من الركوع (حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا) حال كالذي قبله وبعده، ولابن ماجه: (( حتى تطمئن قائمًا ) ) (ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ) من السجود (حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) واستدل به على وجوب الاعتدال والجلوس بين السجدتين (وَافْعَلْ ذَلِكَ) أي: المذكور ما عدا تكبيرة الإحرام، فإنها لا تكرر.

(فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا) أي: في باقي صلاتك، ويمكن أن يكون المراد من الصلاة الجنس؛ أي: فيما تصليه بعد هذه الصلاة من صلواتك فرضها ونفلها سواء كنت إمامًا أو مأمومًا في غير القراءة أو منفردًا، وفيه المطابقة للترجمة.

قال العيني: قال الخطابي في قوله: (( وافعل ذلك في صلاتك كلها ) )دليل على أنه يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة.

وقال أصحاب الرأي: إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخيرتين قرأ، وإن شاء أن يسبح سبح، وإن لم يقرأ فيهما شيئًا أجزأته، ورووا فيهما عن علي بن أبي طالب أنه قال: (( يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخريين ) )من طريق الحارث عنه.

وقد تكلم الناس في الحارث قديمًا، وطعن فيه الشعبي ورماه بالكذب، وتركه أصحاب (( الصحيح ) )ولو صح ذلك عن علي لم يكن حجة؛ لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ما اتبع فيه، بل قد ثبت عن علي من طريق عبيد الله بن رافع: (( أنه كان يأمر أن يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب ) ). انتهى.

قلت: إن سلمنا أن قوله ذلك على أن يقرأ في كل ركعة فقد دل غيره أن القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين بدليل ما روي عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا الحديث، وفيه: (( واحذف في الأخريين ) )أي: احذف القراءة في الأخريين، وقد مر الكلام فيه مستوفى في هذا الباب، وتفسيرهم بقولهم: اقصر القراءة ولا أحذفها خلاف الظاهر، وإن طعنوا في الرواية عن علي من طريق الحارث.

فقد روى عبد الرزاق في (( مصنفه ) )عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن أبي رافع قال: (( كان علي يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين ) ). وهذا إسناد صحيح.

وهذا ما في قول الخطابي، بل قد تبدى عن علي من طريق عبيد الله ... إلخ.

وقوله: لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه غير مسلم؛ لأنه روي عن ابن مسعود مثله على ما روى ابن أبي شيبة قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي وعبد الله أنهما قالا: قرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين، وكذا روي عن إبراهيم وابن الأسود.

وفي (( التهذيب ) )لابن جرير الطبري: وقال حماد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود: أنه كان لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر شيئًا.

وقال هلال بن سنان: صليت إلى جنب عبد الله بن يزيد، فسمعته يسبح، وروى منصور عن جرير عن إبراهيم قال: ليس في الركعتين الأخيرتين من المكتوبة قراءة سبح الله، واذكر الله.

وقال سفيان الثوري: اقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، أو سبح فيهما بقدر الفاتحة؛ أي: ذلك فعلت أجزأك، وإن أسبح في الأخريين أحب إلي.

ج 2 ص 579

فإن قلت: لم يبين في هذا الحديث بعض الواجبات كالنية والقعدة الأخيرة، وترتيب الأركان، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها كالتشهد في الأخير، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وإصابة لفظ السلام.

قلت: قيل في جوابه: لعل هذه الأشياء كانت معلومة عند هذا الرجل، فلذلك لم يبينها له، وقيل: يجوز أن يكون الراوي اختصر هذه الأشياء؛ لأن المقام مقام التعليم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولهذا قال الرجل في حديث رفاعة فيما رواه الترمذي: (( فأرني وعلمني، فإنما أنا بشرٌ أصيب وأخطئ ) ).

وقوله: (( علمني ) )يتناول جميع ما يتعلق بالصلاة من الواجبات القولية والفعلية.

قلت: فيه تأمل.

وقال ابن دقيق العيد: تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يذ [كر] أما الوجوب، فبتعلق الأمر به، وأما عدمه فليس لمجرد كونه الأصل عدم الوجوب، بل لكون الباب موضع تعليم وبيان للجاهل، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر. انتهى.

قلت: إنما يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر أن لو لم يذكر للنبي صلى الله عليه وسلم جميع الواجبات التي في الصلاة، والتي لم يذكره ظاهرًا، إما اعتمادًا على العلم بوجوبه قبل ذلك، أو هو اختصار من الراوي كما قيل [1] : وقد ذكرناه على أنا نقول: إذا جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيء لم يذكر في هذا الحديث تقدم، ويعمل بها.

وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: وجوب الإعادة على من يخل بشيء من الأركان، واستحباب الإعادة لمن أخل بشيء من الواجبات للاحتياط في باب العبادات، قاله العيني.

أقول: وفيه نظر، فإن الإعادة واجبة على من أخلَّ بشيء من الواجبات ما دام الوقت باقيًا كما هو مذكور في كتب الفقه المعتبرات.

وفيه: أن الشروع في النافلة ملزم؛ لأن الظاهر أن صلاة ذلك الرجل كانت نافلة، وفيه: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه: حسن التعليم بالرفق دون التغليظ والتعنيف، وفيه: التسليم للعالم، والانقياد له.

وفيه: الاعتراف بالتقصير، والتصريح بجواز الخطأ بحكم البشرية، وفيه: حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وفيه: أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل يستحب له، أن يذكره له وإن لم يسأله عنه، فيكون ذلك منه نصيحة وزيادة خير له إلى غير ذلك من الفوائد.

والحديث أخرجه المصنف أيضًا في الصلاة والاستئذان، ومسلم، وأبو داود فيها، وكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

[1] في هامش المخطوط: (( قوله: أنه لو لم يذكر للنبي صلى الله عليه وسلم كذا في العيني، وصوابه النبي، ولعله في تحريف الناسخ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت