فهرس الكتاب

الصفحة 1233 من 1465

وبالسند قال:

773 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، ولأبي ذر والأصيلي زيادة: (( هو جعفر بن أبي وحشية ) )واسم أبي وحشية إياس (عَنْ سَعِيدِ) بكسر العين (ابْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وللأصيلي: (( عن عبد الله بن عباس ) ) (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) قبل الهجرة بثلاث سنين كما في القسطلاني.

لكن قال ابن الملقن: خروجه عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، واستماع الجن بعد موت عمه وخديجة وقبل المعراج، فلم يستجب له أحد، ورجع في جوار المطعم بن عدي، وكان خروجه في شوال سنة عشر من النبوة، وكان معه زيد بن حارثة، فاستمع له الجن وهو يقرأ سورة الجن. انتهى.

فلعلها قضية أخرى.

(فِي طَائِفَةٍ) أي: بينها أو معها

ج 2 ص 593

ببقاء في على أصلها أو خروجها عنه لمعنى مع.

والطائفة: قال في (( القاموس ) ): القطعة من الشيء أو الواحد فصاعدًا أو إلى الألف أو أقلها رجلان والظاهر أنهم لم ينقصو عن ثلاثة.

(مِنْ أَصْحَابِهِ، عَامِدِينَ) أي: قاصدين اسم فاعل من عمَدت الشيء بفتح الميم أعمِد بكسرها قصدت إليه خيرًا كان أو شرًا، ومن العرب من يقول: عمِدت بكسر الميم أعمَد بفتحها عمدًا وعمادًا وعمدة بمعناه، كذا في (( الفصيح وشرحه ) ).

وعن الأصمعي: لا يقال: بكسر الميم، وزعم ابن درستويه: أنه لا يتعدى إلا بحرف الجر.

(إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) بضم العين المهملة فكاف خفيفة فظاء مشالة اسم سوق من أسواق العرب تجتمع فيه كل سنة في الأشهر الحرم، فيتفاخرون فيها ويحضرها شعراؤهم، ومصاقع خطباؤهم، فيتناشدون الأشعار.

وقال الليث: سمي بذلك؛ لأن العرب كانت تجتمع فيه، فيعكظ؛ أي: يدعك بعضهم بعضًا بالمفاخرة، وقيل: مشتق من العكظ وهو الحبس.

وفي (( المصباح ) ): عكاظ وزان: غراب سوق من أعظم أسواق الجاهلية قريب من عرفات من جهة الطائف، وكان يقام من نصف ذي القعدة إلى آخر الشهر، فإذا أهل ذو الحجة أتوا موضعًا قريبًا منه يقال له: ذو المجاز، فيقام فيه السوق إلى يوم التروية، ثم يصدرون إلى منى، والتأنيث لغة الحجاز، والتذكير لغة تميم، ومنهم من يعكس. انتهى.

(وَقَدْ حِيلَ) بالكسر، ويجوز فيه لغتان أخريان الإشمام والضم الخالص، وأصله: حول بالبناء للمفعول فنقلت الكسرة إلى الحاء بعد سلب حركتها فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها (بَيْنَ الشَّيَاطِينِ) جمع شيطان.

قال في (( المصباح ) ): وفي الشيطان قولان:

أحدهما: أنه من شطن إذا بعد عن الحق، أو عن رحمة الله تعالى، فتكون النون أصلية، ووزنه: فيعال وكل عاتٍ متمرد من الجن والإنس والدواب فهو شيطان، ووصف أعرابي فرسه فقال: كأنه شيطان في أشطان.

والقول الثاني: أن الياء أصلية والنون زائدة عكس الأول، وهو من شاط يشيط إذا بطل، أو احترق فوزنه فعلان. انتهى.

وقال العيني: والشياطين: العصاة من الجن وهم من ولد إبليس، والمراد: أعتاهم وأغواهم، وهم أعوان إبليس ينفذون بين يديه. انتهى.

ومقتضى كلامه أن الشياطين لا يكونون إلا من أولاد إبليس، ويحتاج إلى دليل، بل ينافيه قول الجوهري: الشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب.

وقال القاضي أبو يعلى: الشياطين مردة الجن وشرارهم، ولذلك يقال للشرير: مارد وشيطان، قال تعالى: {شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} [الصافات:7] .

وقال ابن عبد البر: الجن منزلون على مراتب، فإذا ذكر الجن خالصًا يقال: جني، وإن أريد به من يسكن مع الناس يقال: عامر، والجمع عمار وإن كان ممن يعرض للصبيان يقال: أرواح فإذا خبث فهو شيطان، فإن زاد على ذلك فهو مارد فإن زاد على ذلك وقوي أمره فهو عفريت والجمع عفاريت.

وفي الحديث المذكور: ذكر وجود الجن، ووجود الشياطين، وهما نوع واحد غير أنهما صارا صنفين باعتبار أمدٍ عرض لهما وهو الكفر والإيمان، فالكافر منهم يسمى بالشيطان، والمؤمن بالجن. انتهى.

(وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ) أي: ما يقع من أمر الله للملائكة بكتابة ما يريد إبرازه وإنزاله إلى الأرض (وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ) بضم الهاء وقد تسكن جمع شهاب.

قال في (( القاموس ) ): الشهاب ككتاب شعلة من نار ساطعة، والماضي في الأمر، والجمع شُهب وشِهبان بالضم والكسر.

وزاد الكرماني: كأنها كوكب منقض.

(فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ) أي: قال قومهم لهم: ما الذي أعادكم وصرفكم عن قصدكم كأنهم رجعوا سريعًا على خلاف عادتهم فسألوهم (فَقَالُوا) بالفاء لأبي ذر، ولغيره: بحذفها (حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا:) أي: قومهم وإن كانوا شياطين مثلهم لا الشياطين المسترقون كما قد يوهمه كلام القسطلاني، ويحتمل أن الشياطين المسترقين قال بعضهم لبعض:

(مَا حَالَ) أي: حجز (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ أَمْرٌ قَدْ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا) أي: سيروا، يقال: ضرب في الأرض؛ أي: سار فيها، قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} [النساء:101] ؛ أي: سرتم (مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) نصب على الظرفية لاضربوا؛ لأنه وإن كان اسم مكان لكنه مبهم (فَانْظُرُوا) بالفاء، وللأصيلي وابن عساكر: (( وانظروا ) )بالواو (مَا هَذَا الَّذِي) وسقط لابن عساكر اسم الإشارة.

ج 2 ص 594

(حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ) أي: الشياطين المسترقون وظاهره جميعهم لوصفه إياهم بقوله: (الَّذِينَ تَوَجَّهُوا) لكن قول القسطلاني: وكانوا من جن نصيبين يفيدان المنصرفين بعض المسترقين.

وقوله: (نَحْوَ تِهَامَةَ) أي: مكة ظرف لتوجهوا.

وقوله: (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) متعلق بانصرف، وتِهَامة بكسر المثناة الفوقية بلد.

وقال في (( المصباح ) ): هي بلاد تلي الحجاز إلى البحر مشتقة من تهم اللبن واللحم إذا تغير وأنتن؛ لأنها انخفضت عن نجد فتغير ريحها أو من تهم الحر إذا اشتد لشدة حرها.

وقال العيني: وفي (( الموعب ) ): تهامة اسم مكة وطرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العَرْج وأولها من قبل نجد مدارج عِرْق فإذا نسب إليها يقال تَهامي بفتح التاء، قاله أبو حازم.

وعن سيبويه: بكسرها.

ثم قال العيني: وقال المدايني: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة ونجد وحجاز وعَرُوض ويمن.

أما تهامة: ففي الناحية الجنوبية، وأما نجد: فهي الناحية التي بين العراق والحجاز، وأما الحجاز: فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام وفيه المدينة وعمان، وأما العروض [1] : فهي اليمامة إلى البحرين.

وقوله: (وَهْوَ بِنَخْلَةَ) حال من النبي مرتبطة بالواو والضمير، ونَخْلَة بفتح النون وسكون الخاء المعجمة علم على موضع على ليلة من مكة بينها وبين الطائف، ويقال له: بطن نخلة وهي التي ورد الحديث فيها ليلة الجن وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث (عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) .

قال العيني: عامدين حال، وإنما جمع وإن كان ذو الحال واحدًا باعتبار أن أصحابه معه كما يقال: جاء السلطان والمراد هو وأتباعه أو جمع تعظيمًا له. انتهى.

وأقول: يجوز أن يكون حالًا من أولئك أو منهم ومن النبي صلى الله عليه وسلم، فليتأمل.

قال الزركشي: يجوز تنوين عكاظ مع الجر وفتحه.

ففي (( المحكم ) )عن اللحياني: أهل الحجاز تصرفها وتميم لا تصرفها.

وقوله: (وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الْفَجْرِ) حال من النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: يصلي فرض الصبح.

قال ابن رجب: واختلف في الجن والشياطين هل هم جنس واحد أو لا؟.

فقالت طائفة: الجن كلهم ولد إبليس كما أن الإنس كلهم ولد آدم، روي هذا عن ابن عباس من وجه فيه نظر، وأنهم لا يدخلون الجنة، وروي أيضًا عن الحسن وأنه قال: مؤمنهم ولي الله له الثواب ومشركهم شيطان عليه العقاب.

وقال طائفة: بل الشياطين ولد إبليس وهم كفار ولا يموتون إلا مع إبليس والجن، وكذا الجان ليسوا بشياطين وهم يموتون وفيهم المسلم والكافر، وروي هذا أيضًا عن ابن عباس بإسناد فيه نظر أيضًا. انتهى.

وزاد ابن الملقن: وأبعد من أنكر وجودهم، وإنما قيل بإنكار تسلطهم على البشر، والصواب الذي لا شك فيه: أنهم موجودون، وهل هم أجساد لطيفة أو جواهر قائمة بنفسها؟ وقام الاتفاق على تعذيبهم، قال تعالى: {لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [هود:119] .

والصواب: أن مؤمنهم يدخل الجنة وينعم، قال تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} [الأحقاف:19] بعد قوله: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ} [الرحمن:33] الآيات.

وعن أبي حنيفة: لا، وإنما تحصل لهم النجاة من النار، قال الله تعالى: {وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف:31] فيصيرون ترابًا.

وفي قوله: وأبعد ... إلخ توقف بل حق العبارة ويكفر من أنكر وجودهم؛ لأنه ثابت بالقرآن.

قال إمام الحرمين في (( الشامل ) ): أنكر كثير من الفلاسفة وجماهير القدرية وكافة الزنادقة الشياطين والجن رأسًا، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم.

وقال الباقلاني: كثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديمًا وينفونهم الآن، ومنهم من يقول بوجودهم ويزعم أنهم لا يرون لرقة أجسادهم. انتهى.

أقول: ومن هذا يخرج نكتة تعبير ابن الملقن بقوله: أبعد؛ لأنه إذا حمل على هذا القول وهو نفيهم الآن لا يكون فيه مصادمة للقرآن، فليتأمل.

ج 2 ص 595

وقال العيني: وفي رواية عن أبي حنيفة أنه تردد فيهم ولم يجزم.

وقال آخرون: يعاقبون في الإساءة، ويجازون في الإحسان كالإنس، وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى.

(فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ) وأصغوا إليه وهذا موضع المطابقة؛ لأنهم يلزم من سماعهم له كونه جهرًا، ولا يقدح في الاستدلال به كونه مرسل؛ لأن ابن عباس لم يدرك القصة؛ لأن مراسيل الصحابة حكمها الرفع، إذ لا يكون الواسطة إلا صحابيًا كما قال العراقي، أما الذي أرسله الصحابي فحكمه الرفع على الصواب، وفاعل الفعلين الضمير العائد إلى النفر الذين انصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالُوا: هَذَا) أي: القرآن الذي سمعناه (وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ) أي: كان السبب في الحيلولة فحرست السموات بنزوله بالشهب.

قال ابن رجب: حديث ابن عباس دال على أن الشهب إنما رمت في أول الإسلام من أجل استراق السمع من الشياطين، لكن رميها لم يزل قبل الإسلام على ممر الدهور، فقد روى معمر وغيره عن الزهري عن علي بن حسين عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} [الجن:9] قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية قالوا: كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم، قال عليه الصلاة والسلام: (( فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرًا تسبح له حملة العرش ثم تسبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح هذه السماء ثم يستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ثم يستخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا وتخطف الجن السمع فما جاؤوا به على وجهه فهو حق لكنهم يزيدون فيه ) )فقلت للزهري: أَوَكَان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أرأيت قوله تعالى: {أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} [الجن:9] قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم.

ولذا قال الزمخشري وغيره: إن الصحيح أنه كان قبل المبعث أيضًا، وقد جاء ذكره في أشعار الجاهلية وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما وقع البعث كثر الرجم، وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن ومنعوا الاستراق أصلًا.

وقال ابن الجوزي: الذي أميل إليه أن الشهب لم يرم بها إلا قبيل مولده، ثم استمر ذلك وكثر حين بعثه.

وقال أيضًا: إن الكوكب إذا رمى به يجوز أن يزول ويتلاشى، وربما فصل منه شعاع فأحرق، ويحتمل أنه لا يزول، ولكن نسب إليه على سبيل التجوز.

وقال ابن عباس: كانت الشياطين لا تُحجب عن السموات، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام منعت من ثلاث سماوات فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت منها كلها.

وقال النووي: ظاهر هذا الحديث يدل على أن الحيلولة بين الشياطين وخبر السماء حدثت بعد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم تكن قبلها ولهذا أنكرته الشياطين وضربوا المشارق والمغارب ليعرفوا خبره، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب حتى قطع بينهم وبين صعودهم إلى السماء، واستراق السمع كما أخبر تعالى أنهم قالوا: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء} [الجن:8] الآيات، وقد جاءت أشعار العرب باستغرابهم رميها؛ لكونهم لم يعهدوه قبل النبوة، وكان رميها من دلائل النبوة.

وقال جماعة: ما زالت الشهب مذ كانت الدنيا، لكن كانت قليلة فكثرت حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر المفسرون أن الرمي وحراسة السماء كان موجودًا قبل النبوة، لكن إنما كان يقع عند حدوث أمر عظيم.

وقيل: كانت الشهب مرئية ومعلومة، لكن رجم الشياطين وإحراقهم بها لم يكن إلا بعدها، واستشكل تعرض الجن؛ لاستراق السمع بعد مشاهدتهم لرمي الشهب لهن.

وأجيب: بأنهم يجوزون عدم الإصابة؛ فقد زعم جماعة منهم السهيلي: أن الشهب قد لا تصيبهم، وأنه يجوز أن ينسوه لينفذ الله تعالى فيهم قضاءه كما قيل في الهدهد: أنه يرى الماء في تخوم الأرض ولا يرى الفخ على ظاهرها.

(فَهُنَاكَ) أي: في ذلك المكان الذي سمعوا فيه القرآن (حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا) بالواو، وللأصيلي وابن عساكر: بالفاء وعليهما فهو معطوف على رجعوا والعامل في هنالك وحين رجعوا مقدر يفسره رجعوا المذكور، وسقطت (( حين ) )من أكثر الأصول، وفي بعض الروايات: (( قالوا ) )بلا واو وعليها فهو العامل

ج 2 ص 596

في الظرفين.

(يَا قَوْمَنَا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} ) هو من النعت بالمصدر مبالغة أو بمعنى معجبًا لكونه بديعًا مباينًا لكلام البشر في حسن نظمه وبلاغته الخارجة عن طوق البشر وحلاوة أساليبه ومعانيه (يَهْدِي) أي: يدل ويدعو (إِلَى الرُّشْدِ) الحق أو الصواب (فَآمَنَّا) أي: صدقنا وأذعنا (بِهِ) بأنه منزل من عند ربنا على رسوله الذي سمعناه منه (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) للدلائل القاطعة الدالة على تفرده بالألوهية والوحدانية، وهذا القرآن الذي سمعوه غير سورة الجن لقوله: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم) سورة ( {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} ) زاد الأصيلي: (( {أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ} ) )وأوحي مبني للمفعول من أوحي المزيد وقرئ وحى من المجرد بواو واحدة، وقرئ: (( {أُوحِيَ} ) )بقلب الواو همزة كما قلبوا واو وجوه همزة، فقالوا: أجوه وهذا قياس في الواو المضمومة، إذا وقعت أول كلمة.

وقوله: أنه استمع نفر من الجن نائب فاعل أوحي؛ أي: استماع نفر.

(وَإِنَّمَا أُوحِيَ) بالبناء للمفعول (إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (قَوْلُ الْجِنِّ) نائب الفاعل وأراد بقول الجن الذي قصه الله تعالى والنَّفَر بفتحتين ما بين الثلاثة إلى العشرة، وليست عادة الجن مقصورة على هذه الليلة؛ لأنهم وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد الهجرة، وقول البيهقي: أنها واحدة غير مسلم، ومقتضى هذا الحديث أنهم آمنوا.

قال ابن رجب: والمقصود من هذا الحديث هاهنا أن الشياطين لما مروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه صلاة الصبح وقفوا واستمعوا القرآن وهذا يدل على أن قراءته كانت جهرًا فلما سمعوا عرفوا أنه الذي حال بينهم وبين خبر السماء والنفر الذين استمعوا وآمنوا كانوا تسعة ولم يرهم صلى الله عليه وسلم.

قال البيضاوي: وفي الآية دلالة أنه عليه الصلاة والسلام ما رآهم ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوا فأخبر الله تعالى به رسوله.

وروى الحاكم عن ابن مسعود: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة وكانوا تسعة أحدهم زريعة. وقال: صحيح الإسناد.

وقال العيني: قال الزجاج: النفر من الجن كانوا من نصيبين، وقيل: من اليمن، وقيل: كانوا يهود، وقيل: كانوا مشركين.

وذكر ابن دريد: أن أسماءهم شاصر وماصر والأحقب ومنشئ وناشئ ولم يذكر أسماء بقيتهم.

وفي (( تفسير الضحاك ) ): كانوا تسعة من أهل نصيبين قرية باليمن غير التي بالعراق.

وفي (( تفسير القرطبي ) ): كانوا اثني عشر، وعن عكرمة: كانوا اثني عشر ألفًا، وقيل: كانوا من بني الشصبان وهم أكثر الجن عددًا وهم عامة جنود إبليس.

والحديث أخرجه المصنف في التفسير.

[1] في هامش المخطوط: (( وزان رسول مكة والمدينة واليمن. مصباح ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت