وبالسند قال:
799 - (حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم (عَنْ مَالِكٍ، عَن نُعَيْمِ) بالتصغير (ابنُ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ) اسم فاعل من الإجمار (عَنْ عَلِيٍّ بنُ يَحْيَى بنُ خَلَّادٍ الزُّرْقِيِّ) بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف الأنصاري، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائة، وأبوه يحيى، حنكه النبي صلى الله عليه وسلم (عَنْ أَبِيهِ) يحيى (عَن رِفَاعَةَ بنِ رَافِعَ) بكسر فاء [1] رفاعة (الزُّرقيِّ) أيضًا.
قال في (( الفتح ) ): والإسناد كله مدنيون وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن نعيمًا أكبر سنًا من علي بن يحيى، وأقدم سماعًا، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق وهم من بين مالك والصحابي هذا من حيث الرواية، وأما من حيث شرف الصحبة فيحيى بن خلاد والد علي مذكور في الصحابة؛ لأنه قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم حنكه لما ولد. انتهى.
ورفاعة عم يحيى وأبوه رافع شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم روي له أربعة وعشرون
ج 2 ص 628
حديثًا للبخاري منها ثلاثة، قاله الكرماني.
وقال ابن الملقن: رفاعة بدري وحديثه من أفراد البخاري ولم يخرج له مسلم في (( صحيحه ) )شيئًا. انتهى.
مات في خلافة معاوية رضي الله عنه.
(قَالَ) أي: رفاعة (كُنَّا يَوْمًا) المراد به مطلق الزمن مجازًا مرسلًا علاقته الإطلاق والتقييد؛ لأن الصلاة كانت المغرب (نُصَلِّي) ولأبي ذر: تقديم (( نصلي ) ) (وَرَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: شرع في رفعه (مِنَ الرَّكْعَةِ) أي: من ركوعها بقرينة قوله: (قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) منتهيًا منه عند انتصابه للاعتدال (قَالَ رَجُلٌ) قال في (( الفتح ) ): زاد الكشميهني: (( وراءه ) ).
قال ابن بشكوال: هذا الرجل هو رفاعة بن رافع راوي الخبر، ثم استدل على ذلك بما رواه النسائي وغيره عن قتيبة عن رفاعة عن أبيه قال: (( صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فعطست فقلت الحمد لله ) )الحديث ونوزع في تفسيره به لاختلاف سياق السبب في القصة.
والجواب: أنه لا تعارض بينهما بل يحمل على أن عطاسه وقع عند رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه ولا مانع أن يكني عن نفسه؛ لقصد إخفاء عمله، أو كنى عنه لنسيان بعض الرواة لاسمه، وأما ما عدا ذلك الاختلاف فلا يتضمن إلا زيادة لعل الراوي اختصرها كما سنبينه.
وأفاد بشر بن عمر الزهري في روايته عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصلاة كانت المغرب. انتهى.
وأقول: يعكر على هذا التوفيق أن راوي الحديث هو رفاعة بن رافع بن مالك الزرقي كما في العيني والكرماني، والذي روى حديثه النسائي، واستدل به ابن بشكوال هو رفاعة بن رافع بن عفراء كما في العيني أيضًا.
ويمكن في التوفيق: بأن تكون عفراء أم رافع ومالك أباه، فنسب تارة إلى أبيه وتارة إلى أمه، فليحرر.
لكن يعكر على هذا التوفيق: أن البرماوي نقل عن ابن منده أنه جعله غير راوي الحديث، ثم قال: ووهم الحاكم فجعله معاذ بن رفاعة. انتهى.
أقول: وفيه أيضًا: أن الاشتباه بين رفاعة بن رافع بن مالك، ورفاعة بن رافع بن عفراء، وأما معاذ بن رفاعة، فليس الكلام فيه، فتأمل.
(رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بالواو (حَمْدًا) منصوب على الحال، أو على المصدرية من الحمد؛ لأنه ينتصب بمثله فلا حاجة إلى تقدير فعل ينصبه كما توهم (كَثِيرًا طَيِّبًا) بتشديد الياء التحتية؛ أي: خالصًا من الرياء والسمعة (مُبَارَكًا فِيهِ) نائب فاعل مبارك هو الجار والمجرور.
قال في (( الفتح ) ): زاد رفاعة بن يحيى مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فأما قوله: مباركًا عليه، فيحتمل أن يكون تأكيدًا وهو الظاهر.
وقيل: الأول بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، قال تعالى: {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت:10] فهذا يناسب الأرض؛ لأن المقصود به النماء والزيادة لا البقاء؛ لأنه بصدد التغيير، وقال تعالى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ} [الصافات:113] ، فهذا يناسب الأنبياء؛ لأن البركة باقية لهم، ولما كان الحمد يناسب المعنيان جمعهما كذا قرره بعض الشراح، ولا يخفى ما فيه. انتهى.
وفي قوله: (( كما يحب ربنا ويرضى ) )من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد.
(فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: فرغ صلى الله عليه وسلم من الصلاة (قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ) أي: بهذه الكلمات (قَالَ) رفاعة: (أَنَا) زاد رفاعة بن يحيى في الصلاة فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة، فقال رفاعة بن رافع: أنا المتكلم أرجو الخير، وتقدم في رواية النسائي أنه لم يقل أنا إلا بعد الثالثة أيضًا.
قال في (( الفتح ) ): واستشكل تأخير رفاعة الجواب مع وجوب إجابته عليه الصلاة والسلام عليه وعلى غيره ممن سمع فإنه عليه الصلاة والسلام عمم السؤال.
وأجيب: بأنه لما لم يعين واحدًا بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم، ولا من واحد بعينه، فكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء ظنًا منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه وكأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى سكوتهم فهم ذلك، فعرفهم أنه لم يقل بأسًا، ويدل على ذلك: أن في رواية سعيد بن عبد الجبار، عن رفاعة بن يحيى، عن ابن قانع، قال رفاعة: (( فوددت أني خرجت من مالي وأني لم أشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الصلاة ) ).
ولأبي داود من حديث عامر بن ربيعة قال: (( من القائل الكلمة، فإنه لم يقل بأسًا؟ ) )فقال: أنا قلتها لم أرد بها إلا خيرًا.
وللطبراني من حديث أبي أيوب: فسكت الرجل، ورأى أنه قد هجم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء كرهه فقال: (( من هو فإنه لم يقل إلا صوابًا ) )فقال الرجل: أنا يا رسول الله قلتها، أرجو بها الخير.
ويحتمل أيضًا أن يكون المصلون لم يعرفوه بعينه إما لإقبالهم على صلاتهم، وإما لكونه في آخر الصفوف
ج 2 ص 629
فلا يرد السؤال في حقهم، والعذر عنه هو ما قدمناه، والحكمة في سؤاله صلى الله عليه وسلم ممن قال أن يتعلم السامعون كلامه فيقولوا بمثله. انتهى.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (رَأَيْتُ بِضْعَةً) بالتأنيث وكسر الباء وقد تفتح، وللحموي والمستملي: (( بضعًا ) )بدون تاء والبضع ما بين الثلاثة إلى التسعة (وَثَلاَثِينَ مَلَكًا) وفيه رد على من قال كالجوهري أن البضع خاص بما دون العشرين (يَبْتَدِرُونَهَا) أي: يسارعون إلى الكلمات المذكورة (أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ) وفي رواية رفاعة أيهم يصعدون بها أول وللطبراني عن أبي أيوب أيهم يرفعها.
قال العيني: وأيهم بالرفع على أنه مبتدأ وخبره قوله: يكتبها، ويجوز في أيهم النصب على تقدير ينظرون أيهم يكتبها، وأي موصولة عند سيبويه، والتقدير: يبتدرون الذي هو يكتبها أول. انتهى.
وفي قوله ويجوز في أيهم النصب إيهام نصب لفظها، وهو غير مراد؛ لأن أيًا الموصولة إذا أضيفت، وحذف صدر صلتها تحتم بناؤها على الضم عند سيبويه، بل مراده أنها منصوبة المحل، وأول مبني على الضم، فحذف المضاف إليه ونيته ثبوت معناه كقبل وبعد.
قال الشاعر:
~ فوالله لا أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول
ويروى: (( أولَ ) )بالنصب على الحالية، والمعنى أن كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرات القدس لعظم قدرها عند الله تعالى.
قال في (( الفتح ) ): ولا تعارض بين روايتي: (( يكتبها ) )و (( يصعد بها ) )لأنه يحمل على أنهم يكتبونها ثم يصعدون بها، والظاهر أن هؤلاء الملائكة غير الحفظة.
ويؤيده ما في (( الصحيحين ) )عن أبي هريرة مرفوعًا: (( إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ) ).
واستدل به على أن الطاعات قد يكتبها غير الحفظة. انتهى.
ثم قال:
فائدة: قيل: الحكمة في اختصاص العدد المذكور من الملائكة بهذا الذكر أن عدد حروفه مطابق للعدد المذكور، فإن البضع من الثلاث إلى التسع، وعدد الذكر المذكور ثلاثة وثلاثون حرفًا، ويعكر على هذه الزيادة المتقدمة في رواية رفاعة بن يحيى وهي قوله: (( مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى ) )بناء على أن القصة واحدة.
ويمكن أن يقال: المتبادر هو الثناء الزائد على المعتاد وهو من قوله: (( حمدًا كثيرًا ... إلخ ) )دون قوله مباركًا عليه، فإنها كما تقدم للتأكيد وعدد ذلك سبعة وثلاثون حرفًا.
وأما ما وقع عند مسلم من حديث أنس: (( لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها ) )، ومن حديث أبي أيوب عند الطبراني: (( ثلاثة عشر ) )فهو مطابق لعدد الكلمات المذكورة في سياق رفاعة بن يحيى، ولعددها في سياق حديث الباب، لكن على اصطلاح النحاة، والله أعلم. انتهى.
وفي الحديث من الفوائد:
ثواب التحميد لله والذكر له، وفيه: دليل على جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه، وفيه: دليل على أن العاطس في الصلاة يحمد الله تعالى بغير كراهة؛ لأنه لم يتعارف جوابًا، ولكن لو قال له آخر: يرحمك الله وهو في الصلاة فسدت صلاته؛ لأنه يجري في مخاطبات الناس، فكان من كلامهم، وبعضهم خصص الحديث بالتطوع، وهو غير صحيح لما بينا أنه كان في صلاة المغرب.
وروي عن أبي حنيفة: أن العاطس يحمد الله في نفسه، ولا يحرك لسانه، ولو حرك تفسد صلاته، كذا في (( المحيط ) ).
والصحيح خلاف هذا كما ذكرنا، وفيه دليل على أن من كان في الصلاة فسمع عطسة رجل لا يتعين عليه تشميته، ولهذا قلنا: لو شمته تفسد صلاته كذا في العيني.
والحديث أخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي.
[1] كذا في الأصل، ولعل الصواب: بكسر راء رفاعة.