وبالسند قال:
806 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ) بكسر العين (ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) بالمثلثة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَخْبَرَهُمَا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى) أي: نبصر ربنا يوم القيامة؛ أي: رؤية بصرية بلا كيف على معنى يلتويه، ونرى بنون المتكلم ومعه غيره.
قال الكرماني: إذ لو كان بمعنى العلم لاحتاج إلى مفعول آخر، ولما كان للتقييد بيوم القيامة معنى.
(رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَلْ تُمَارُونَ) بضم التاء والراء من المماراة وهي المجادلة، وللأصيلي: (( تَمارَون ) )بفتح التاء والراء، وأصله: تتمارون حذف أحد التاءين منه تخفيفًا كقوله تعالى: {نَارًا تَلَظَّى} [الليل:14] ؛ أي: هل تشكون (فِي الْقَمَرِ) أي: في رؤيته (لَيْلَةَ الْبَدْرِ) .
وجملة: (لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ) حال من القمر (قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ) يجزئ في تمارون الوجهان السابقان، ولأبي ذر والأصيلي: (( في رؤية الشمس ) ) (لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ، قَالُوا: لاَ) وللأصيلي: (( قالوا: لا يا رسول الله ) ).
ج 2 ص 636
(قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) أي: تبصرونه تعالى (كَذَلِكَ) أي: كما ترون الشمس ليس دونها سحاب من غير تمارٍ وشك، بل رؤية ظاهرة جلية ينكشف بها سبحانه وتعالى لعباده، فيرونه بأبصارهم، لكنه من غير ارتسام صورة المرئ، وبلا اتصال شعاع وبلا جهة ولا مقابلة فإنها أمور لازمة للرؤية عادة لا عقلًا.
قال ابن الملقن: فيه إثبات الرؤية نصًا من الشارع، وهو تفسير لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23] يعني: مبصرة لله تعالى، ولو لم يكن هذا القول من الشارع بالرؤية نصًا؛ لكان في الآية كفاية لمن أنصف، وذلك أن النظر إذا قرن بذكر الوجه لم يكن إلا نظر البصر، وإذا قرن بذكر القلب كان بمعنى اليقين، فلا يجوز أن ينقل حكم الوجوه إلى حكم القلوب.
فإن قلت: قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام:103] يدل على العموم.
قلت: الإدراك الإحاطة تعالى الله عن ذلك، وهو أولى من جواب ابن بطال؛ لأن الآية مخصوصة بالسنة. انتهى.
وقوله: (يُحْشَرُ النَّاسُ) بالبناء للمفعول مستأنفة استئنافًا بيانيًا كأنه قيل: ما بال هذه الرؤية يختص بها قوم دون قوم، فبين لهم أن كثيرًا منهم لا يعبد الله تعالى، ومن كان كذلك فهو محجوب عن رؤية الله تعالى، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15] .
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ) الله تعالى أو بعض ملائكته بأمره تعالى: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا) من شمس أو قمر أو نار أو شيطان أو صنم أو غير ذلك (فَلْيَتِّبِعْ) بتشديد المثناة الفوقية وكسر الموحدة وبسكون الفوقية وفتح الموحدة كما في (( التنقيح ) ).
واقتصر القسطلاني وشيخ الإسلام على التشديد، ولأبوي ذر والوقت: (( فليتبعه ) )بضمير المفعول مع الضبطين المتقدمين، واقتصر في اليونينية: على إسكان الفوقية.
(فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ) الظاهر أنه بالضبطين المذكورين في هذا وما بعده، لكن اقتصر القسطلاني على التشديد، ولعله اطلع على أنه الرواية (الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ) يعني ويلقون في جهنم جميعًا، فلم يبق إلا المؤمنون، وفيهم المنافقون، فيأتيهم الله إلى آخر ما يأتي والطواغيت جمع الطاغوت فعلوت من الطغيان قلبت عينه ولامه، قاله ابن سيده.
وقال القزاز: هو فاعول فحذفوا الواو وجعلوا التاء عوضًا عنها وهو الشيطان أو الصنم أو كل رأس في الضلال أو كلما عُبد من دون الله أو صد عن عبادته أو الساحر أو الكاهن أو مردة أهل الكتاب.
قال ابن الملقن: يجوز فيه التذكير والتأنيث، قال: لأن العرب تسمي الكاهن والكاهنة طاغوتًا، ويقع على الواحد والجمع، وسئل الشارع فيما رواه جابر عنه عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد.
(وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا) أي: لأنهم كانوا في الدنيا يستترون بهم ويتبعونهم، فاستتروا بهم في الآخرة أيضًا، ولما انكشفت لهم الحقيقة تبعوهم يرجون الانتفاع بهم، فيسعون معهم حتى يضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، فعند ذلك ينطفئ نور المنافقين، فقد روى الطبراني عن ابن عباس: (( إن الله يعطي كل مؤمن نورًا، وكل منافق نورًا، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين فقالوا: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} [الحديد:13] ، وقال المؤمنون: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم:8] ) ). انتهى.
أي: وحينئذٍ يسقط المنافقون في جهنم، وظاهر قوله: وتبقى هذه الأمة أن المراد بها أمة الإجابة، ولكن نقل صاحب (( الفتح ) )عن ابن جمرة في كتاب الرقاق أنه يحتمل أن يراد بها ذلك، ويحتمل أن يراد أعم من ذلك، فيدخل فيه جميع أهل التوحيد حتى من الجن. انتهى.
وأقول: الإشارة تبعد احتمال العموم، فليتأمل.
وقال ابن الملقن: قوله: وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها يدل على أن المنافقين يتبعون محمدًا صلى الله عليه وسلم لما انكشف لهم
ج 2 ص 637
من الحقيقة رجاء منهم أن ينتفعوا بذلك فيلتزموا الرياء في الآخرة كما التزموه في الدنيا حتى تبينهم الغرة والتحجيل من أثر الوضوء عند الحوض فيتبين حينئذٍ المنافق، إذ لا غرة له ولا تحجيل ويؤخذ بهم ذات الشمال في جملة من ارتد بعده عليه الصلاة والسلام فيقال: (( إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيقول سحقًا سحقًا ) ).
فظنوا أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم كما في الدنيا جهلًا منهم، فاختلطوا بهم، أو أنهم حشروا معهم لما كانوا يظهرونه من الإسلام، فحفظ ذلك عليهم حتى يميز الله الخبيث من الطيب، أو أنه لما قيل: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، والمنافقون لم يعبدوا شيئًا، فيبقون هناك حيارى حتى يتميزوا.
وأقول: لعل بقاءهم مع أمته صلى الله عليه وسلم إكرامًا له حيث ادعوا أنهم من أمته، وتشبهوا بهم في أفعالهم، ثم لما انكشف حالهم وظهر ما كانوا يخفونه من الكفر فضحهم الله تعالى، وأدخلوا النار بكفرهم، قال تعالى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس:59] .
(فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى) أي: يظهر لهم في صفة غير صفته التي عرفوه من الصفات التي تعبدهم بها في الدنيا امتحانًا منه تعالى؛ ليقع التمييز بينهم وبين غيرهم ممن يعبد غيره تعالى فالإتيان مجاز معبر به عن الظهور؛ لاستلزامه إياه وإلا فحقيقته مستحيلة عليه تعالى (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَسْتَعِيْذُونَ بِاللَّهِ مِنْهُ) لأنه لم يظهر لهم بالصفات التي عرفوه بها، بل بما استأثر بعلمه تعالى؛ لأن معهم منافقين لا يستحقون الرؤية كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15] .
(فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا) برفعه على الخبرية لهذا (حَتَّى يَأْتِيَنَا) أي: يظهر لنا (رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ) أي: ظهر (رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ) عز وجل؛ أي: يظهر لهم متجليًا بصفاته المعروفة لهم في الدنيا، وتميز المنافقون من المؤمنين بضرب سور بينهم (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا) .
قال القسطلاني: ويحتمل أن يكون القول الأول قول المنافقين، والثاني قول المؤمنين، وقيل: الآتي في الأول ملك، ورجحه عياض؛ أي: يأتيهم ملك الله حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعورض بأن الملك معصوم، فكيف يقول: أنا ربكم؟!
وأجيب: بأنا لا تسلم عصمته من هذه الصغيرة، ورد بأنه يلزم منه أن يكون قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمْ} [الأنبياء:92] من الصغائر، فالصواب: ما سبق. انتهى.
وأقول: قد يمنع كونه صغيرة بأن الظاهر أن الملك مأمور بذلك امتحانًا لا من قبل نفسه، وإذا كان كذلك فالقول واجب عليه لا معصية، قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6] ، وهذا الامتحان آخر امتحانات المؤمنين.
وقال العيني: الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا، وبين رؤية الله تعالى؛ لأن الحركة والانتقال لا يجوز على الله تعالى؛ لأنها صفات الأجسام المتناهية، والله تعالى لا يوصف بشيء من ذلك، فلم يكن معنى الإتيان إلا ظهوره عز وجل إلى أبصار لم تكن تراه، ولا تدركه، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبر به عن الرؤية مجازًا؛ لأن الإتيان مستلزم للظهور على المأتي إليه.
وقال القرطبي: التسليم الذي كان عليه السلف أسلم.
وقال عياض: إن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانًا، وقيل: يأتيهم بعض ملائكته.
قال القاضي: وهذا الوجه عندي أشبه بالحديث، قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة عليه، أو يكون معناه: يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الإلهية؛ ليختبر، وهو آخر امتحان المؤمنين كما تقدم، فإذا قال لهم: هذا الملك، أو هذه الصورة
ج 2 ص 638
أنا ربكم رأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه، ويعلمون أنه ليس ربهم، فيستعيذ [و] ن بالله تعالى منه.
وقال الخطابي: الرؤية التي هي ثواب الأولياء وكرامة لهم في الجنة غير هذه، وإنما تعريضهم هذه الرؤية امتحان من الله تعالى؛ ليقع التمييز بين من عبد الله، وبين من عبد الشمس ونحوها، فيتبع كل من الفريقين معبوده، وليس ينكر أن يكون الامتحان، إذ ذاك بعد قائمًا، وحكمه على الخلق جاريًا حتى يفرغ من الحساب، ويقع الجزاء بالثواب والعقاب، ثم ينقطع إذا حققت الحقائق، واستقرت أمور المعاد، وأما ذكر الصورة فإنها تقتضي الكيفية، والله منزه عن ذلك، فيأول إما بأن تكون الصورة بمعنى الصفة كقوله: صورة هذا الأمر كذا تريد صفته، وإما بأنه خرج على نوع من المطابقة؛ لأن سائر المعبودات المذكورات قبله صور كالشمس وغيرها. انتهى.
وقال البرماوي: وكان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يقرره لنا بوجه جميل، وهو أن الله تعالى تعبد عباده بصفات فيه يعرفونها، واستأثر بعلم صفات أخر، فإذا تجلى لهم يوم القيامة بصفة لم يتعبدهم فيها أنكروها، وإذا تجلى لهم بالصفة التي تعبدهم بها عرفوها وقالوا: أنت ربنا، فلم يبقى بعد ذلك في الحديث إشكال. انتهى.
وهذا كلام نفيس لو ثبت أن الله تجلى لهم بصفات عرفوه بها حتى إذا تجلى لهم في الآخرة بصفات غيرها جحدوه، وإذا تجلى لهم بتلك الصفات آمنوا به، وقالوا: أنت ربنا، فليتأمل.
ثم رأيت لشيخنا بالإجازة العامة الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني ثم المدني في شرحه لمنظومة شيخه الشيخ أحمد القشاشي في العقائد المسمى بـ: (( قصد السبيل ) )كلامًا يندفع به الإشكال، وهو أن الله تعالى آتيًا بين أحدهما في غير الصورة المعروفة لهم، والثاني في الصورة المعروفة كما هو صريح أحاديث (( الصحيحين ) )وغيرهما، فالله سبحانه وتعالى له ظهور في المظاهر المختلفة بما يشاء، لكنه من حيث حقيقته وذاته ليس كمثله شيء، ومنزه عن كل صورة في كل حال حتى في حال ظهوره بما شاء، فيجيء تعالى في أيِّ هيئة أراد؛ لحديث أبي هريرة عند البيهقي والطبراني وابن جرير وغيرهم، وساق الحديث الطويل إلى أن قال: (( فإذا لم يبق إلا المؤمنون وفيهم المنافقون جاءهم الله تعالى بما شاء من هيئة ) )الحديث.
ولحديث أبي سعيد عند الشيخين: (( ثم يتبدى الله لنا في صورة غير صورته التي كنا رأيناه فيها أول ) ).
وهذا التجلي والمجيء من المتشابهات، فيجب علينا الإيمان به، فإن الذي جاءنا بأن الله ليس كمثله شيء هو الذي جاءنا بالمتشابهات التي منها هذه الأحاديث وما في معناها، وحيث كان الأصل في الإطلاق الحقيقة، فلا يعدل عنها إلا لضرورة، ولا ضرورة تدعوا إلى خلافها، إذ ظهر لك أن لله سبحانه الشأن الجامع من غير قادح ولا مانع.
واتضح لك ما ذكره بعض المحققين من أن للحق سبحانه في مشاهدة عباده إياه نسبتين نسبة تنزيه، ونسبة تنزل إلى تخيل بضرب من التشبيه، فنسبة التنزيه تجليه في {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، والنسبة الأخرى تجليه في مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (( اعبد الله كأنك تراه ) ).
ونحو قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} [البقرة:115] ، فثم ظرف، ووجه الله ذاته وحقيقته إلى آخر ما أطال به مما ينبغي الوقوف عليه.
وذكر ابن رجب هنا كلامًا طويلًا جنح فيه إلى إبقاء النصوص الشرعية على ظاهرها، وعدم تسليط العقل على تأويلها، بل نسلم كلما ورد في الكتاب والسنة على مراد الله تعالى ورسوله، وهذا هو مذهب السلف في المتشابهات أنه ينزه سبحانه وتعالى عما لا يليق به فيها، ويفوض أمر علمها إليه تعالى.
وقال ابن الملقن: الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤيته تعالى؛ لأن الحركة والانتقال لا تجوز عليه تعالى، فلم يبق من معنى الإتيان إلا ظهوره عز وجل إلى أبصار لم تكن تراه، والعادة: أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبر به عن الرؤية مجازًا.
وزعم عياض: أن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانًا.
والأشبه: أن المراد يأتيهم بعض الملائكة، ويكون هذا الملك الذي
ج 2 ص 639
جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة عليه، أو يكون يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الألوهية؛ ليختبرهم، وهو آخر امتحان المؤمنين.
وقال القرطبي: هذا مقام هائل يمتحن الله فيه عباده؛ ليميز المحق من المبطل، وذلك لأنه لما بقي المنافقون، والمراؤون ملتبسين بالمؤمنين المخلصين زاعمين أنهم منهم امتحنهم الله تعالى بأن أتاهم بصورة هائلة، قالت للجميع: أنا ربكم، فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك؛ لما سبق لهم من المعرفة بالله تعالى، وأنه منزه عن صفات هذه الصورة، إذ سماتها سمات الحدوث، فلذا قالوا في حديث أبي سعيد: (( نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا ) )مرتين أو ثلاثًا، وأطال في ذلك [1] .
هذا موضع يحتاج الكلام فيه إلى تأويل، ويجب أن يعلم أن الرؤية التي هي ثواب الأولياء، وكرامة لهم في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة في مقامهم يوم القيامة، وإنما تعريضهم لهذه الرؤية امتحان من الله تعالى؛ ليقع التمييز بين من عبد الله، وبين من عبد الشمس ونحوها، فيتبع كل معبوده، وليس ينكر أن الامتحان يكون إذ ذاك قائمًا، وحكمه على خلقه جاريًا حتى يفرغ من الحساب، ويقع الجزاء بالثواب والعقاب، ثم ينقطع إذا حقت الحقائق [2] .
ويشبه أن يكون إنما حجبهم عن تحقيق الرؤية في الكرَّة الأولى من أجل من معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية، فلما تميزوا عنهم ارتفع الحجاب، فقالوا عنده: (( أنت ربنا ) ).
وروى المصنف هذا الحديث في بعض أبواب الكتاب بلفظ: (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم ) ).
والمراد بالصورة:
إما: الصفة كما تقدم كقولك: صورة هذا الأمر كذا، تريد: صفته، وإما: بأنها ذكرت مشاكلة ومطابقة؛ لأن سائر المعبودات المذكورات صورة كالشمس ونحوها.
ثم يقال بعد هذا للمؤمنين: (( هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق ) )أي: يتضح لهم الحق، وينجلي الأمر، فيرونه حقيقة.
وكشف الساق: مَثَلٌ تستعمله العرب في الأمر إذا حق ووضح، وعند هذا يسجد الجميع، فمن كان مخلصًا في الدنيا صح له سجوده على كماله، ومن كان منافقًا أو مرائيًا عاد ظهره طبقًا واحدًا كلما قصد السجود خَرَّ على قَفَاهُ. انتهى ملخصًا.
ثم نقل عن ابن الجوزي ما يقتضي: أنه لا إتيان من الله حقيقة في المرة الثانية، بل هو كناية عن إتيان لطفه، وحاصله: أن المجيء الأول انكشاف صفات جلالية، فينكرونها؛ لعدم الفهم بها، والمجيء الثاني: انكشاف صفات جمالية مشمولة باللطف والإيناس، وهي التي كانوا يعرفونها، فيعترفون حينئذٍ بالعبودية، ويكشف عن ساق؛ أي: عن شدة كأنه يرفع تلك الشدائد، فيسجدون شكرًا.
وقوله: (فَيَدْعُوهُمْ) قيل: إلى دار السلام، والظاهر: أن الدعاء للجواز على الصراط بدليل العطف بالفاء المفيدة للترتيب والتعقيب في قوله: (فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ) أي: يمد، من قولهم: ضرب الخيمة؛ أي: مدها ونصبها.
والصراط: قال العيني: هو جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر، وأحد من السيف، عليه ملائكة يحبسون العباد في سبع مواطن، ويسألونهم عن سبع خصال: في الأول: عن الإيمان، وفي الثاني: عن الصلاة، وفي الثالث: عن الزكاة، وفي الرابع: عن شهر رمضان، وفي الخامس: عن الحج والعمرة، وفي السادس: عن الوضوء، وفي السابع: عن الغُسل عن الجنابة.
وقوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ) متعلق بيضرب، وظَهْرَاني بفتح الظاء المشالة وسكون الهاء وفتح النون؛ أي: ظهري، فزيدت الألف والنون للمبالغة؛ أي: على وسط جهنم، وقيل: الظهر مقحم؛ أي: يمد الصراط على جهنم وقال ابن الجوزي: أي: على وسطها، يقال: نزلت بين ظهريهم وظهرانيهم؛ أي: في وسطهم متمكنًا بينهم لا في أطرافهم.
(فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ) بالواو من جاز يجوز، وفي رواية: بالياء مع ضم أوله من أجاز يجيز، يقال: جزت بالوادي، وأجزته بمعنى قطعته.
وقال الأصمعي: جزته: مشيت عليه، وأجزته: قطعته.
وقال القرطبي: معنى أجزته بالهمزة: أنه لا يجوز أحد على الصراط حتى يجوز صلى الله عليه وسلم وأمته، فكأنه يجيز الناس.
وقوله: (مِنَ الرُّسُلِ) متعلق بيجوز (بِأُمَّتِهِ) الباء بمعنى مع؛ أي: مع أمته.
قال اللقاني في (( شرح الجوهرة ) ): وفي بعض الروايات: (( ثم عيسى بأمته، ثم موسى
ج 2 ص 640
بأمته يُدعون نبيًا نبيًا حتى يكون آخرهم نوحًا وأمته )) انتهى.
(وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ) أي: حين الجواز على الصراط (أَحَدٌ) من الخلق (إِلاَّ الرُّسُلُ) عليهم الصلاة والسلام، ولعل المراد من البشر، وإلا فقد روى ابن أبي الدنيا: (( والملائكة على جنبتيه يقولون: رب سلم سلم ) )وذلك لشدة الهول حينئذٍ، فلا يقدر أحد على التكلم في ذلك الوقت غير الرسل، وفي القيامة مواطن أُخر يتكلم فيها الناس، فيسأل بعضهم بعضًا، ويتلاومون، ويخاصم التابعون المتبوعين، وتجادل كل نفس عن نفسها.
(وَكَلاَمُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) وفي رواية لمسلم: (( ربِّ سلم سلم ) )شفقة منهم على أممهم الذين آمنوا بهم، ولعل حصر كلامهم فيما ذكر بالنظر لبعض الأوقات، وإلا فقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام يشفع عند الصراط (وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ) على حافتي الصراط، ففي حديث مسلم عن أبي هريرة وحذيفة: (( وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت به ) ).
والكلاليب: جمع كَلُّوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة، ويقال: كُلاَب بالألف مع ضم الكاف وهي حديدة معطوفة الرأس محددته.
وقال الكرماني: حديدة مقطوعة الرأس يعلق عليها اللحم، وترسل في التنور، وكذا هي آلة لاجتذاب الدلو إذا سقط في البئر.
(مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح السين وسكون العين المهملتين وبالدال المهملة: نبت له شوك عظيم من جوانبه مثل الحسك، وهو أحسن مراعي الإبل، وفي المَثَل: مرعى ولا كالسعدان، وفي كتاب (( النبات ) )للدينوري: واحده سعدانة.
قال صلى الله عليه وسلم: (هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهَا) أي: الكلاليب (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) ولعل إعادة التشبيه لتأكيد التهويل (غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا) أي: الكلاليب (إِلاَّ اللَّهُ) وفي بعض النسخ: (( لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تعالى ) )ووجهها القرطبي: بأن ما استفهامية خبر مقدم، وقدرُ مبتدأ مؤخر، وبأن ما زائدة، وقدر مفعول يعلم.
(تَخْطَفُ) بفتح الطاء على الأشهر وقد تكسر، وللكشميهني: من باب الافتعال؛ أي: تأخذ، قاله القسطلاني.
(النَّاسَ) أي: بعضهم وهم غير الناجين؛ لأن جميع الخلائق يمرون على الصراط لقوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم:71] ، ومعلوم أن الناجين لا تخطفهم الكلاليب (بِأَعْمَالِهِمْ) أي: تخطفهم بسبب أعمالهم السيئة، أو بقدرها وعلى حسبها (فَمِنْهُمْ) أي: من الذين تخطفهم الكلاليب (مَنْ يُوبَقُ) بالموحدة بعد الواو مبنيًا للمفعول؛ أي: يهلك (بِعَمَلِهِ) أي: بسببه، من وبق الرجل هلك، ومنه: (( السبع الموبقات ) ).
قال في (( المطالع ) ): (( يوبق ) )رواية العذري، وللطبراني: بثاء مثلثة من الوثاق.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ) بخاء معجمة فراء ساكنة فدال مهملة مفتوحة.
وقال أبو عبيد: بذال معجمة، وقال عياض: من خردت اللحم بالمعجمة والمهملة إذا قطعته قطعًا صغارًا، ومعناه: تقطعهم بالكلاليب.
قال ابن قرقول: يخردل كذا هو لكافة الرواة، وهو الصواب إلا الأصمعي، فإنه ذكره بالجيم، ومعناه: الإشراف على السقوط والهلكة.
وفي (( الصحاح ) ): خردل اللحم: قطعه صغارًا.
وعند أبي عبيد الهروي: المخردل: المرمى المصروع، والمعنى: أنها تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار.
وقال الليث وأبو عبيد: خردلت اللحم: إذا فصلت أعضاءه، وزاد أبو عبيد: وخردلته بالدال والذال: قطعته وفرقته، كذا في العيني.
(ثُمَّ يَنْجُو) أي: يتخلص هذا الصنف، وربما يفهم منه أن القسم الأول لا ينجو، فإن كان كافرًا كان مخلدًا فيها، وإن كان مسلمًا عاصيًا، فلا ينجو مع السابقين.
ومذهب أهل السنة: أن الجنة والنار والصراط والميزان مخلوقات موجودات الآن، فعلى هذا؛ الصراط موجود الآن كما قال الفاكهاني.
لكن قال في (( كنز الأسرار ) )تبعًا للقاضي عياض: يجوز أن يخلقه الله تعالى حين يُضرب على متن جهنم، ويجوز أن يكون خلقه حين خلق جهنم، وهل يبقى منصوبًا على جهنم حتى يخرج منها الموحدون، فيجوزوا عليه إلى الجنة، أو يُزال ثم يعاد لهم، أو لا يعاد وتصعد بهم الملائكة إلى السور الذي بالأعراف؟ …لم يثبت في ذلك شيء كما قاله الحليمي.
تنبيه: روى البخاري في كتاب الرقاق عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا خلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أُذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزل كان في الدنيا ) )انتهى.
قال
ج 2 ص 641
في (( الفتح ) )قوله: إذا خلص المؤمنون من النار؛ أي: نجوا من السقوط بعد ما جازوا على الصراط بدليل ما وقع للمصنف في المظالم: (( إذا خلص المؤمنون من جسر جهنم ) ).
قال القرطبي: وهؤلاء المؤمنون الذين علم الله أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم.
وقال في (( الفتح ) )أيضًا: اختلف في القنطرة المذكورة، فقيل: هي من بقية الصراط وهو طرفه الذي يلي الجنة، وقيل: إنهما صراطان، وبهذا جزم القرطبي، ثم قال في (( الفتح ) ): وخرج من هذا صنفان من المؤمنين من دخل الجنة بغير حساب ومن أوبقه عمله، وسيأتي أن الصراط جسر موضوع على متن جهنم، وأن الجنة وراء ذلك فيمر عليه الناس بحسب أعمالهم، فمنهم الناجي وهو من زادت حسناته على سيئاته أو استويا أو تجاوز الله عنه، ومنهم الساقط وهو من رجحت سيئاته على حسناته ولم يتجاوز عنه، فالساقط من الموحدين يعذب ما شاء الله، ثم يخرج بالشفاعة أو غيرها، والناجي قد يكون عليه تبعات وله حسنات توازيها أو تزيد عليها فيؤخذ من حسناته ما يعدل تبعاته فيخلص منها انتهى مفرقًا.
(حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) من المؤمنين؛ لأن الكفار لا يخرجون منها أبدًا (أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلاَئِكَةَ) يحتمل أن يكونوا من خزنة جهنم، ويحتمل أن يكونوا من خزنة الجنة (أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ) أي: يوحده لا يشرك به شيئًا أو أعم من ذلك بأن يصلي ويصوم ويحج (فَيُخْرِجُونَهُمْ) منها (وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ) بالمثلثة جمع أثر (السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) أثر بفتحتين، ويروى: (( آثار ) )بالجمع؛ أي: مواضع السجود وهذا موضع المطابقة للترجمة.
قال ابن الملقن: وهذا دال على أن الصلاة أفضل الأعمال لما فيها من الركوع والسجود، وصح أنه عليه الصلاة والسلام قال: (( اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ) )وصح أيضًا أنه قال: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وقرأ: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ) )ولعن الله إبليس لإبائه عن السجود لعنةً أبلسه بها وآيسه بها من رحمته إلى يوم القيامة.
وقال ثوبان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل أكون معك في الجنة؟ قال: (( أكثر من السجود ) ).
والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة، واختلف في آثار السجود فقيل: أعضاء الإنسان السبعة التي يجب السجود عليها.
وقال عياض: المراد الجبهة خاصة، قال ابن الملقن: وكأنه اعتمد على ما في مسلم: (( إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم ) ).
وقد يجاب بأنه أراد المرائي أو قومًا مخصوصين بأعيانهم؛ لأنهم أخلصوا في غسل وجوههم فقط، واستظهر في (( الفتح ) )التعميم لكنه أيد ما قاله عياض بما قاله ابن الملقن، ونقل في (( الرقاق ) )عن النووي أنه اختار التعميم، وأنه أنكر على عياض التخصيص بالوجه وأطال ثم قال: ووجدت بخط والدي ولم أسمعه منه من نظمه ما يوافق مختار النووي وهو قوله:
~يا رب أعضاء الوضوء عتقتها من عبدك الجاني وأنت الواقي
~والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى فامنن على الفاني بعتق الباقي
(فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ) بالبناء للفاعل فيه وفي لاحقه هكذا في النسخ المعتمدة، ولو قرئ بالبناء للمفعول لم يمتنع من حيث المعنى والعربية (فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ) أي: جميع أعضاءه (تَأْكُلُهُ النَّارُ) أي: تحرقه (إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ) بفتحتين؛ أي: موضع أثره (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا) بالبناء للفاعل أو للمفعول روايتان وهو: بمثناة فوقية فمهملة فشين معجمة، قال: محش وأمحش احترق، ومعناه: احترقوا واسودوا، وفي بعض الروايات: (( صاروا حممًا ) )بضم ففتح؛ أي: فحمًا (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ) سمي به؛ لأن من شربه أو أصابه لم يمت، قاله القرطبي.
(فَيَنْبُتُونَ) بضم الموحدة (كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة بزر البقل أو حب الريحان، وقال الكرماني: هي بزور الصحراء مما ليس بقوت.
(فِي حَمِيلِ) بفتح الحاء المهملة؛ أي: محمول (السَّيْلِ) بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وهو ما جاء به السيل من طين ونحوه.
قال ابن الملقن: شبه نباتهم بنبات الحبة
ج 2 ص 642
لبياضها كما جاء في الحديث، ولسرعة نباتها لأنها تنبت في يوم وليلة لكونها رويت من المياه وتشرب قلبها وترددت في غثاء السيل فإذا خرجت إلى حميل السيل غرزت عرقها فيه لحينها فنبتت بسرعة.
(ثُمَّ يَفْرُغُ) بضم الراء (اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ) نسبة الفراغ إليه تعالى مجازية؛ لأنه الخلاص من الشواغل والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب، وفسره القرطبي بكمال خروج الموحدين من النار (وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ) دخولًا تمييز والجنة مفعول به لدخولًا؛ لأنه مصدر يعمل عمل فعله حال كونه (مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ) وهو على الأعراف (قِبَلَ النَّارِ) بكسر القاف؛ أي: جهتها، ولغير أبوي ذر والوقت وابن عساكر: (( مقبل ) )بالرفع خبر لمبتدأ محذوف.
قال ابن الملقن: واسم هذا الرجل جهينة، كما قاله الدارقطني من حديث ابن عمر فيقول أهل الجنة: (( عند جهينة الخبر اليقين سلوه هل بقي من الخلائق أحد ) ).
وقال السهيلي: اسمه هناد، وفي (( الحلية ) ): من حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة يرفعه: (( يخرج أهل الكبائر من النار إلا رجلًا يمكث ألف سنة ينادي: يا حنان يا منان فيبعث الله تعالى إليه ملكًا فيخوض في النار في طلبه سبعين عامًا لا يقدر عليه حتى يدله رب العزة جل جلاله عليه ) )انتهى.
وأقول: يحتاج إذا حمل هذا على أحد مافي الحديثين أن يدعي أن فيهما طيًا، والأصل فاخرج من النار إلى الأعراف ووقف بها حتى سأل ما سأل ثم أدخل الجنة.
(فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) وللحموي والمستملي: (( من النار ) ) (قَدْ) ولأبي ذر: (( فقد ) ) (قَشَبَنِي رِيحُهَا) قشب بالقاف والشين المعجمة والموحدة المفتوحات، قال ابن الملقن نقلًا عن ابن التين: كذا عند المحدثين، وكذا ضبطه بعضهم، والذي في اللغة بتشديد الشين، ومعناه: سمني انتهى.
وأقول: في (( القاموس ) )القشب الخلط، وسقي السم، والإصابة بالمكروه، والمستقذر والافتراء ثم قال: وفعل الكل كضرب انتهى.
وهذا قول المحدثين فليس مخالفًا للُّغة كما زعمه ابن التين، وقال الفارابي: قشبه سقاه السم، وفي (( المنتهى ) )لأبي المعالي: القشب أخلاط تخلط للنسر فيأكلها فيموت فيؤخذ ريشه يقال: ريش قشيب ومقشوب وكل مسموم قشيب.
وقال الخطابي: يقال: قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه وأخذ بكظمه، وكانت ريحه طيبة، وأصله خلط السم، والمعنى هنا: سمني ريحها؛ أي: صار كالسم في أنفي.
(وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح المعجمة والمد، كما في فرع اليونينية، بل قال النووي: هكذا وقع في جميع الروايات، ومعناه: لهبها واشتعالها وشدة وهجها، والأشهر في اللغة القصر مع الفتح وهي رواية أبي ذر كما في هامش الفرع، لكن ذكر جماعة أن المد والقصر لغتان، ونظر فيه صاحب (( التلويح ) )بل خطأ الدينوري في مده؛ لأنه بالمد السن والفهم.
(فَيَقُولُ) الله تعالى (هَلْ عَسَيْتَ) بتاء الخطاب وبفتح السين وكسرها وهما لغتان فيها إذا اتصل بها ضمير الفاعل، والفتح أفصح، وبهما قرئ في السبع (إِنْ فُعِلَ) بكسر همزة إن وبناء فعل للمجهول (ذَلِكَ) أي: الصرف المفهوم من قوله: اصرف، وفي بعض النسخ الصحيحة: (( أن أفعل ) )بأن المصدرية الناصبة لأفعل مضارعًا وضمير المتكلم المستتر لله تعالى.
(بِكَ) متعلق بفعل (أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ) أي: غير الصرف (فَيَقُولُ) أي: الرجل (لاَ وَعِزَّتِكَ) أي لا أسأل غيره (فَيُعْطِي) أي: الرجل (اللَّهَ) مفعول يعطي الأول.
وقوله: (مَا يَشَاءُ) مفعوله الثاني، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: (( ما شاء ) )بلفظ الماضي (مِنْ عَهْدٍ) بيان لما؛ أي: يمين (وَمِيثَاقٍ) عطف تفسير؛ لأن العهد يأتي بمعنى الميثاق، وبمعنى الحفاظ، ورعاية الحرمة، والذمة، والأمان، واليمين، والوصية (فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ) أي: يحوله (عَنِ النَّارِ) إلى الجنة (فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا) أي: حسنها ونضارتها.
وقوله: (سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ) جواب إذا (ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ قَدِّمْنِي) بكسر الدال فعل دعاء (عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ) استفهام تقريري بما بعد النفي كقوله تعالى: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ} والعهود جمع عهد (وَالمِيْثَاقَ) ولأبي ذر والأصيلي (( والمواثيق ) )بالجمع (أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لاَ أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) وللكشميهني: (( لا أكونن ) ).
قال ابن الملقن: كذا هنا، وفي رواية أبي الحسن: (( لأكونن ) )ولعله يريد إن أبقيتني
ج 2 ص 643
على هذه الحالة ولم تدخلني الجنة لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها والألف زائدة في لا أكونن.
وقال الكرماني: لا أكونن كافرًا، فإن قلت: كيف طابق هذا الجواب لفظ أليس قد أعطيت العهود؟.
قلت: كأنه قال: يا رب أعطيت ولكن كرمك يطمعني إذ لا ييأس من روح [الله] إلا القوم الكافرون انتهى، فتأمله.
(فَيَقُولُ) الله تعالى (فَمَا عَسَيْتَ) بتاء الخطاب، وفي السين ما تقدم (إِنْ أُعْطِيتَ) بالبناء للمفعول (ذَلِكَ) أي: التقديم إلى باب الجنة والجملة الشرطية معترضة (أَنْ لاَ تَسْأَلَ) أي: تطلب (غَيْرَهُ) لا زائدة إن قلنا أن ما استفهامية، ويحتمل أن تكونا نافيتين ونفي النفي إثبات فتأمل ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر بإسقاط لا فما استفهامية لا غير، وقال تعالى له ذلك وهو عالم بالخفيات إظهارًا لما هو شأن بني آدم من نقض العهد، وعدم الوفاء به وبيانًا لكرمه بعدم مؤاخذتهم بذلك.
(فَيَقُولُ) الرجل (لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (( لا أسألك ) )بكاف الخطاب (غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِي) الرجل (رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ) بتشديد الدال وكسرها (إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ) بالضاد الساقطة؛ أي: الحسن (وَالسُّرُورِ) فرأى عطف على بلغ، وجواب إذا محذوف تقديره سكت بدليل قوله:
(فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ) وروي بحذف (( يا ) ) (مَا أَغْدَرَكَ) بالغين المعجمة، والغدر: عدم الوفاء بالعهد وويح وويل قيل: مترادفان، والصحيح أن ويح كلمة تقال لمن يراد به الترحم، وويلًا كلمة تقال لمن يراد [به] النكال والعذاب، وسكوت الرجل ما شاء الله أن يسكت حياءً من ربه تعالى ولاسيما بعد إعطائه المواثيق ولكن الله تعالى من كرمه ورأفته بعبده تكرار السؤال منه:
~الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
وانظر كيف مهد سبحانه وتعالى لعبده الجواب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار:6] .
فلقنه حجته؛ لأن العبد يستفيد الجواب فيقول: كرمك يا رب فسبحانه ما أكرمه وأرحمه بعباده، وليس ما ذكره من نقض العهد من الرجل جهلًا منه بما يجب لمولاه، ولا قلة مبالاة بحقوقه بل علمًا منه أن نقض هذا العهد أولى من الوفاء إظهارًا لكرم مولاه، ولاسيما وقد علم أن ذلك مباسطة له من قبله سبحانه وتعالى، وقد صح في الحديث: (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ) ).
(أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ) بالإفراد فيهما، وللكشميهني والحموي: بالجمع فيهما (أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ) بالبناء للمفعول، وهذا من قبيل التلطف والإيناس وإلا فجزاء نقض العهد الزجر والغضب (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ) أي: من أفعاله المتناقضة وأقواله المتعارضة، والمراد من الضحك لازمه وهو الرضى وإلا فحقيقته مستحيلة عليه تعالى؛ لأنه ينشأ من التعجب والتعجب إنما يكون لأمر قد خفي سببه، والله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
(ثُمَّ يَأْذَنُ) الله (لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ) من إضافة المصدر لمفعوله بعد حذف فاعله (فَيَقُولُ) له (تَمَنَّ) فعل أمر مبني على حذف الألف (فَيَتَمَنَّى) أي: يطلب من الله تعالى كل ما يريد (حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ) ولأبي ذر والأصيلي عن الكشميهني: (( انقطعت ) ) (أُمْنِيَّتُهُ) بضم الهمزة وتشديد التحتية (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ زِدْ) بكسر الزاي (مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي: من أماني عينها تعالى، ولأبي ذر وابن عساكر: (( تمنّ كذا وكذا ) )بدل (( زد ... إلخ ) ).
وقوله: (أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ) عز وجل جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وأقبل هنا مستعملة استعمال أفعال الشروع؛ أي: شرع يذكره ربه (حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ) بتشديد الياء جمع أمنية (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ ذَلِكَ) أي: ما سألته وتمنيته (وَمِثْلُهُ مَعَهُ) عطف على ذلك، وقيل: الواو للحال،
ج 2 ص 644
وفيه الذي بعده وقع التعبير عنها بالأعظم فدل ذلك على أن المراد بهما شيء واحد غير أن في التعبير بالأعظم مجازًا مرسلًا؛ من إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ لأن كل عضو لا يخلو عن عظم.
قال ابن دقيق العيد: سمى كل واحد عظمًا باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحد على عظام، ويحتمل أنه من تسمية الجملة باسم بعضها انتهى.
[1] في المخطوط: (( قال الخطابي ) )ومشطوب عليها وقال في الهامش: (( هذا مكرر من قوله قال الخطابي إلى قوله واستقرت أمور العباد ) ).
[2] هنا في المخطوط: (( واستقرت أمور العباد ) )ومشطوب عليها.