فهرس الكتاب

الصفحة 1288 من 1465

وبالسند قال:

809 - (حَدَّثَنا قُبَيْصَةُ) مكبرًا ابن عقبة بالقاف الكوفي (قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ) الثوري (عَن عَمْرِو بنُ دِيْنَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان (عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أُمِرَ النبيُّ) ولابن عساكر: (( أنه قال أمر ) )بالبناء للمفعول وهو للوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر وإن لم يكن بصيغة افعل، وعرف ابن عباس بالقرائن أو بإخباره عليه الصلاة والسلام له بنفسه أو بواسطة، وقال البيضاوي: عرف ذلك بالعرف؛ أي: أمر الله النبي.

(صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ) وللأصيلي: (( أعظم ) )كالترجمة، ورواه مسلم بلفظ: (( أمرت أن أسجد على سبعة: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين ) ).

ولما كانت رواية أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية أمرت قد يدعى فيهما الخصوصية له أردف ذلك بما سيأتي من رواية أمرنا دفعًا لتوهم الخصوصية، فإن أمرنا يدل على أنه هو المأمور وأمته، ويؤيد ذلك رواية مسلم عن العباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وقدماه، وركبتاه ) ).

والآراب: بمد الهمزة جمع إرب بكسر فسكون وبالموحدة: العضو.

(وَلاَ يَكُفَّ) بالرفع على الاستئناف، والجملة معترضة بين البدل وهو الجبهة والمبدل منه وهو سبعة وبالنصب عطفًا على يسجد، ومعنى الكف الضم؛ أي: لا يضم (شَعَرًا) بفتحتين وقد تسكن العين أي: لرأسه أو لحيته في الصلاة، ورواه مسلم بلفظ: (( ولا يكفت الثياب ولا الشعر ) )والكفت بمعنى الكف.

(وَلاَ ثَوْبًا) أي: ملبوسًا له سواء كفه في صلاته أم دخلها كذلك، وخص الداوودي النهي بالصلاة والحكمة فيه أن الشعر والثوب يسجدان معه، أو أنه إذا رفع ثوبه أو شعره عن الأرض أشبه فعل المتكبرين، واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، وحكاية ابن المنذر عن الحسن البصري وجوب الإعادة لا يقتضي الفساد لينافي الاتفاق؛ لأن الصلاة يجب إعادتها عند أبي حنيفة لترك واجب عمدًا كترك قراءة السورة بعد الفاتحة في الأوليين، أو فعل مكروه تحريمًا كتأخير ركن عن محله كما هو مقرر في الفروع.

وقوله: (الْجَبْهَةِ) وما عطف عليها بدل من سبعة (وَالْيَدَيْنِ) أي: وباطن الكفين، وفي رواية لمسلم: (( والكفين ) ) (وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ) أي: ولو إصبعًا من كل رجل.

قال العيني: احتج به أحمد وإسحاق على أنه لا يجزئه من ترك السجود على شيء من الأعضاء السبعة وهو الأصح من قولي الشافعي فيما رجحه المتأخرون خلاف ما رجحه الرافعي، وهو مذهب ابن خبيب، وكأن البخاري مال إلى هذا القول ولم يذكر الأنف في هذا الحديث، وذكر الأنف في حديث آخر لابن عباس على ما يأتي عن قريب، واختلفوا في السجود على الأنف هل فرض مثل غيرها.

فقالت طائفة: إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه ذلك روي ذلك عن ابن عمر، وعطاء، وطاووس، والحسن، وابن سيرين، والقاسم، وسالم، والشعبي، والزهري، والشافعي في أظهر قوليه، ومالك، وأبي يوسف، وأبي ثور، والمستحب أن يسجد على أنفه مع الجبهة.

وقالت طائفة: يجزئه أن يسجد على أنفه دون جبهته، وهو قول أبي حنيفة وهو الصحيح من مذهبه، وروى أسد بن عمرو عنه لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر.

وقال ابن بطال: اختلف العلماء فيما يجزئ السجود عليه من الآراب السبعة بعد إجماعهم أن السجود على الأرض فريضة.

وقال النووي: أعضاء السجود سبعة، وينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعًا، فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض ويكفي بعضها، والأنف مستحب فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعي، ومالك، والأكثرين.

وقال أبو حنيفة وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء، وقال أحمد وابن حبيب من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعًا لظاهر الحديث.

وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد؛ لأنه قال في الحديث سبعة فإن جعلا عضوين صارت ثمانية، وذكر الأنف استحبابًا، وذكر أصحاب التشريح أن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب، وينتهيان إلى الموضع الذي فوق الثنايا والرباعيات

ج 2 ص 645

فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الخد واحدًا.

وقال ابن بطال: إن في بعض طرق حديث ابن عباس: (( أمرت أن أسجد على سبعة منها الوجه ) ).

قلت: يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فيما رواه مسلم: (( سجد وجهي للذي خلقه ) )الحديث.

وأما اليدان والركبتان والقدمان فهل يجب السجود عليها؟.

فقال النووي: فيه قولان للشافعي:

أحدهما: لا يجب لكن يستحب استحبابًا متأكدًا.

والثاني: يجب وهو الأصح الذي رجحه الشافعي فلو أخل ببعض منها لم تصح صلاته، وإذ أوجبنا لم يجب كشف القدمين والركبتين.

وفي الكفين قولان للشافعي:

أحدهما: يجب كشفه كالجبهة، والأصح لا يجب، وفي (( شرح الهداية ) ): السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب، وفي (( الواقعات ) ): لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه.

قال أبو الطيب: مذهب الشافعي أنه لا يجب وضع هذه الأعضاء، وهو قول عامة الفقهاء، وعند زفر، وأحمد بن حنبل يجب، وعن أحمد في الأنف روايتان إلى آخر ما أطال به.

وقال ابن الملقن: ويقال لمن أوجب السجود على الأعضاء السبعة أن الله تعالى ذكر السجود في مواضع من كتابه فلم يذكر فيها غير الوجه فقال تعالى: { [و] يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ [الإسراء:109] {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم} [الفتح:29] .

وقال الشارع: (( سجد وجهي للذي خلقه ) )فلم يذكر غير الوجه، وقال للأعرابي: (( مكِّن جبهتك من الأرض ) )ولم يذكر غيرها فعلمنا أن الحكم متعلق بالجبهة فقط، وأما أمره عليه الصلاة والسلام بالسجود على الأعضاء السبعة فلا يمتنع أن يأمر بفعل الشيء ويكون بعضه مفروضًا وبعضه مسنونًا انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت