وبالسند قال:
834 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعد (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) بفتح الحاء (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مرثد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة ابن عبد الله اليزني بفتح التحتية والزاي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين فيهما ابن العاصي رضي الله عنه (عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وهذا السند ما عدا طرفيه كلهم مصريون وفيه تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي.
قال في (( الفتح ) ): هذه رواية الليث عن يزيد، ومقتضاها أن الحديث من مسند الصديق، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي عن الليث فإن لفظه عن أبي بكير قال: (( قلت: يا رسول الله ) )أخرجه البزار من طريقه، وخالف عمرو بن الحارث الليث فجعله من مسند عبد الله بن عمرو ولفظه: عن أبي الخير: أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: (( إن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم ) ).
هكذا رواه ابن وهب عن عمرو، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة الحديث، وقد أخرج المصنف طريق عمرو معلقة في الدعوات، وموصولة في التوحيد، وكذلك أخرج مسلم الطريقين طريق الليث وطريق ابن وهب، وزاد مع عمرو بن الحارث رجلًا بينهما، وبيّن ابن خزيمة في روايته أنه ابن لهيعة انتهى.
(أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي) بإثبات الواو في أدعو؛ لأنه مع مرفوعه صفة لدعاء، ويصح عربية جزمه في جواب الأمر، وهذا صادق بأن يدعو به في آخر التشهد، أو في أثناء الصلاة كالسجود.
وقال الفاكهاني: الأولى أن يدعو به في السجود وبعد التشهد، وتعقب بأنه لا دليل له على دعوى الأولوية.
وأقول: قد يقال دعوى الأولوية العمل بإطلاق الحديث، فإنه ليس في الصلاة محل للدعاء إلا السجود، أو بعد التشهد وكل منهما يصح أن يكون مرادًا بقوله في صلاتي، ففي فعلهما العمل بالاحتياط، وأما فعل أحدهما فلا يحصل به الاحتياط لاحتمال أن الآخر هو المراد فليتأمل.
وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: في صلاتي يعم جميعها ومن مظانه هذا الموطن.
قال في (( الفتح ) ): ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك كان عند قوله لما علمهم التشهد، ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، ومن ثم أعقب المصنف الترجمة بذلك.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم معلمًا لأبي بكر رضي الله عنه (قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) أي: بتسبيبي لها بارتكاب ما يوجب لها العقوبة (ظُلْمًا كَثِيرًا) بالمثلثة، ولأبي ذر في نسخة: (( كبيرًا ) )بالموحدة.
قال النووي: والأولى أن يجمع بينهما في الدعاء.
وقال بعضهم: يقول هذه مرة وهذه أخرى، وما قاله النووي أولى إذ لا ضرر في الجمع بينهما لعدم تنافيهما، وسقط لأبي ذر لفظ (( نفسي ) ).
(وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ) قال في (( الفتح ) ): فيه الإقرار بالوحدانية والاستجلاب للمغفرة وهو كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران:135] الآية فأثنى على المستغفرين وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار لوح بالأمر به كما قيل: إن كل شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به، وكل شيء ذم فاعله فهو ناه عنه.
(فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ) قال الطيبي: دل التنكير على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرك
ج 2 ص 668
كنهه ووصفه بكونه من عنده سبحانه وتعالى مؤيدًا لذلك العظيم؛ لأن الذي يكون من عند الله لا يحيط به وصف.
وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين:
أحدهما: الإشارة إلى التوحيد المذكور كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت فافعله لي أنت.
والثاني: وهو أحسن أنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره انتهى.
وعلى الأخير اقتصر ابن الجوزي فقال: هب لي المغفرة تفضلًا وإن لم أكن أهلًا لها بعملي.
(وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) قال في (( الفتح ) ): صفتان ختم بهما الكلام على جهة المقابلة لما تقدم، فالغفور مقابل لقوله: اغفر لي، والرحيم مقابل لقوله: ارحمني وهي مقابلة مرتبة.
قال العيني: وفي الحديث طلب التعليم من العالم في كل ما فيه خير خصوصًا الدعوات التي فيها جوامع الكلم، وفيه الاعتراف بالتقصير، ونسبة الظلم إلى نفسه، وفيه الاعتراف بأن الله سبحانه وتعالى هو المتفضل المعطي من عنده رحمة على عباده من غير مقابلة عمل حسن، وفيه استحباب قراءة الأدعية في آخر الصلاة من الدعوات المأثورة أو المشابهة لألفاظ القرآن.
وقال الكرماني: قالت الشافعية: يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة ما لم يكن إثمًا.
قال ابن عمر: لأدعون في صلاتي حتى بشعير حماري وملح بيتي انتهى.
وقد ذكرنا فيما مضى أنه لا يدعو إلا بالأدعية المأثورة، أو بما يشبه ألفاظ القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ) )وهو من أفراد مسلم انتهى.