وبالسند قال:
844 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابي (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوري (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بالتصغير (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو وتشديد الراء وبالدال المهملة.
(كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ) ولأبي ذر: (( كاتب للمغيرة ) ) (ابْنِ شُعْبَةَ) وللإسماعيلي: (( حدثني وراد ) )والإسناد كله كوفيون إلا شيخ المؤلف (قَالَ) وراد (أَمْلَى عَلَيَّ) بتشديد التحتية (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) وسقط (( ابن شعبة ) )لأبي ذر والأصيلي.
(فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ) : ابن أبي سفيان رضي الله عنهما وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قبل معاوية وسيأتي في الدعوات من وجه آخر بيان السبب في ذلك وهو أن معاوية كتب إليه اكتب إلي بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد خلف الصلوات بدليل ما للمصنف في القدر عن ورَّاد قال: (( كتب معاوية إلى المغيرة اكتب إلي ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلوات ) )أي المكتوبة بدليل قوله:
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ) والدبر: بضم الدال المهملة والموحدة وقد تسكن عقب كل شيء وضد القبل كما في (( القاموس ) ).
وقال في (( الفتح ) )نقلًا عن الأزهري: دبر الأمر يعني بضمتين، ودبره بفتح فسكون آخره وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة ورد بمثل قولهم: أعتق غلامه عن دبر الحياة. انتهى.
وقال أيضًا: زعم بعضهم أن معاوية كان سمع الحديث وإنما أراد استثبات المغيرة لما في الموطأ عن معاوية أنه كان يقول على المنبر: (( أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله ولا ينفع ذا الجد منه الجد من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) )ثم يقول: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستدل بالحديث على العمل بالمكاتبة وإجرائها مجرى السماع في الرواية ولو لم تقترن بالإجازة وعلى الاعتماد على خبر الشخص الواحد.
(لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) قال العيني: كلمة توحيد بالإجماع وهي مشتملة على النفي والإثبات فقوله لا إله نفي الألوهية عن غير الله وقوله: إلا الله إثبات الألوهية لله تعالى وبهاتين الصفتين صارت هذه كلمة التوحيد والشهادة وقد قيل إن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، وأبو حنيفة يقول الاستثناء من النفي ليس بإثبات.
واستدل بقوله: لا نكاح إلا بولي ولا صلاة إلا بطهور فإنه لا يجب تحقق النكاح عند الولي ولا يجب تحقق الصلاة عند الطهور لتوقفه على شرائط أخر.
وأورد عليه بأنه على هذا التقدير لا تكون كلمة التوحيد توحيدًا تامًا لأنه يكون المراد منها نفي الألوهية عن غير الله ولا يلزم إثبات الألوهية لله وهذا ليس بتوحيد.
والجواب عن هذا: أن معظم الكفار كانوا أشركوا وفي عقولهم وجود الإله ثابت فسيق لنفي الغير ثم يلزم منه وجوده تعالى، ثم اعلم: أن إلا هنا بمعنى غير وخبر لا التي لنفي الجنس محذوف تقديره لا إله موجود غير الله ولهذا لم ينتصب إلا الله لأن المستثنى إنما ينتصب إما وجوبًا وإما جوازًا في مواضع مخصوصة وقد عرف في موضعه إلا إذا كانت للصفة لم يجب النصب فيتبع الموصوف والموصوف هنا مرفوع وهو موجود فيتبع المستثنى موصوفه. انتهى.
وأقول: ويجاب أيضًا بما قاله السعد [1] وغيره أن هذه الكلمة صارت في عرف الشرع للتوحيد إجماعًا وما ذكر عن أبي حنيفة فإنما هو في مفهوم الاستثناء بحسب أصل اللغة فلا ينافي انفهام النفي والإثبات في عرف الشرع في كلمة التوحيد كما أن الدابة في أصل اللغة لكل ما يدب ولا يفهم منها بحسب العرف إلا ذات القوام [2] الأربع.
(وَحْدَهُ) نصب على الحال (لاَ شَرِيكَ لَهُ) موجود عقلًا ونقلًا وهو مؤكد لوحده، وقيل: مؤسس إن جعلنا وحده بمعنى منفردًا في ذاته ولا شريك له في صفاته.
(لَهُ الْمُلْكُ) بضم الميم وهو يعم المخلوقات بأسرها، وأما الملك بكسرها فهو خاص فلذلك قيل: الملك بكسر اللام من الملك بالضم والمالك من الملك بالكسر.
وقيل: المالك أبلغ في الوصف؛ لأنه يقال: مالك الدار ومالك الدابة ولا يقال: ملك إلا لملك من الملوك وقيل ملك أبلغ في الوصف لأنك إذا قلت فلان ملك هذه البلدة تكون كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة.
وقد فسر الملك في القرآن على معاني مختلفة والمعنى هاهنا له جميع أصناف المخلوقات كذا في العيني.
(وَلَهُ الْحَمْدُ) لا يخفى ما في تقديم الخبر فيه وفيما قبله من الحصر سواء جعلت اللام في الحمد للجنس أو للاستغراق أو للعهد وأما حمد الناس بعضهم بعضًا فهو في الحقيقة له لأنه الخالق له والمقدر عليه {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96] .
وزاد الطبراني من وجه آخر يحيي ويميت
ج 2 ص 683
وهو حي لا يموت بيده الخير
(وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ورواته ثقات ورواه البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف لكن في قول ذلك إذا أصبح وإذا أمسى والقدير من أسمائه تعالى كالقادر والمقتدر.
قال العيني: وهذه الجملة من باب التتميم والتكميل ورواه المصنف في صفة إبليس وجنوده عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من قال لا إله إلا الله ) )الحديث (( في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مئة حسنة ومحيت عنه مئة سيئة وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك ) ).
(اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) العائد لما موصولة أو موصوفة محذوف تقديره لما أعطيته ويجوز أن تكون مصدرية فلا تقدير (وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) يجري فيه مثل سابقه وترك تنوين اسم لا مع أنه من المطول؛ أي: الشبيه بالمضاف على تقدير تعلق لما به مذهب البغداديين فإنهم يجرون الشبيه بالمضاف مجرى المضاف في ترك تنوينه وأما عند غيرهم فهو مخرج على أن لما أعطيت متعلق بالخبر المحذوف أي لا مانع مانعٌ لما أعطيت ولا معطي معط لما منعت.
وزاد عبد بن حميد في (( مسنده ) )بهذا الإسناد عقب ما هنا ولا راد لما قضيت لكن حذف ولا معطي.
ورواه الطبراني من وجه آخر تامًا، ورواه أحمد والنسائي وابن خزيمة من طريق هشيم بالإسناد المذكور أنه كان يقول الذكر المذكور ثلاث مرات.
(وَلاَ يَنْفَعُ) بفتح التحتية والفاء (ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) بفتح الجيم فيهما، والمراد بالجد هنا الحظ وذا بمعنى صاحب ومن هنا للبدل كما ذكره ابن هشام كقوله:
~فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على الطهيان
أي: ليت لنا بدل ماء زمزم، والطهيان: بفتح الطاء المهملة والهاء والمثناة التحتية آخره نون البرادة وهي بفتح الموحدة وتشديد الراء وهو معنى قول بعضهم خشبة يبرد عليها ويروى:
فليت لنا من ماء حمنان وهو بالحاء المهملة على زنة سكران اسم موضع.
وقال الجوهري: معنى منك في الحديث عندك؛ أي: لا ينفع صاحب الغَنَاء عندك غناه إنما ينفعه العمل الصالح.
وقال ابن التين: الصحيح عندي أنها ليست بمعنى البدل ولا عند بل هو كما تقول: لا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): ولم يظهر من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى عند أو فيه حذف تقديره من قضائي أو سطوتي أو عذابي انتهى.
يعني فيكون من مستعملة في أشهر معانيها وهو الابتداء.
وقال ابن دقيق العيد: منك يجب أن يتعلق بينفع وينبغي أن ينفع ضمن معنى يمنع وما قاربه ولا يجوز أن يتعلق منك بالجد كما يقال حظي منك كثير لأن ذلك نافع والجد بفتح الجيم في جميع الروايات كما قاله في (( الفتح ) )ومعناه الغنى أو الحظ.
وحكى الراغب: أن المراد به هنا أب الأب أي لا ينفع أحدًا منك نسبه وإنما ينفعه العمل الصالح.
ونقل القرطبي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بالكسر وأن معناه لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده وأنكره الطبري عليه ووجّه الإنكار القزاز بأن الاجتهاد في العمل نافع لأن الله تعالى دعا الخلق إلى ذلك فكيف لا ينفع عنده.
وقال: يحتمل أن مراده الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة.
وقال غيره: لعل المراد لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول وذلك بفضل الله تعالى كما تقدم في قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا يدخل أحدًا منكم الجنة عمله ) )وقيل: المراد على الكسر السعي التام في الحرص أو الإسراع في الهرب.
وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان و المعنى لا ينجيه منك حظه وإنما ينجيه فضلك ورحمتك. انتهى.
والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الاعتصام والرقاق والقدر والدعوات، ومسلم وأبو داود والنسائي في الصلاة.
(وَقَالَ شُعْبَةُ) مما وصله السراج في (( مسنده ) )، والطبراني في (( الدعاء ) )وابن حبان (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) وزاد أبو ذر والأصيلي (( ابن عمير ) ) (بِهَذَا) : أي: بهذا الحديث السابق؛ أي: رواه عنه كما رواه سفيان عنه.
(وَعَنِ الْحَكَمِ) بفتحتين سقطت الواو لغير ابن عساكر. وقال شعبة أيضًا عن الحكم بن عتيبة مما وصله السراج والطبراني وابن حبان أيضًا: (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ) بالتصغير والخاء المعجمة آخره هاء تأنيث بعد الراء، توفي سنة إحدى عشرة ومائة (عَنْ وَرَّادٍ، بِهَذَا) : أي: بهذا الحديث أيضًا، ولفظه كلفظ عبد الملك بن عمير إلا أنهم قالوا: فيه كان إذا قضى صلاته قال إلى آخره.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) :
ج 2 ص 684
أي: البصري في تفسير الجد ( [الْـ] جَدُّ غِنًى) .
قال في (( الفتح ) ): الأولى في قراءة هذا الحرف أن يقرأ بالرفع من غير تنوين على الحكاية ويظهر ذلك من لفظ الحسن فقد وصله ابن أبي حاتم و عبد بن حميد كلاهما عن الحسن في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن:3] قال غنى ربنا
وعادة البخاري إذا وقع في الحديث لفظة وقع مثلها في القرآن أن يحكي قول أهل التفسير فيها وهذا منها وسقط: (( جد ) )للكشميهني، وسقط هذا الأثر من أكثر الروايات ووقع لكريمة.
قال الحسن: الجد غنى ووقع في روايتها مؤخرًا عن قوله: وعن الحكم ... إلخ.
قال في (( فتح الباري ) ): وهو الأصوب لأن قوله: وعن الحكم معطوف على قوله: عن عبد الملك فهو من رواية شعبة عن الحكم أيضًا انتهى.
[1] في الصفحة (347/ ب) ولم يتضج الاسم تمامًا.
[2] لعل الصواب: (( القوائم ) ).