فهرس الكتاب

الصفحة 1337 من 1465

وبالسند قال:

843 - (حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ بنُ أَبِي بكرٍ) المقدمي (قَالَ: حَدَّثَنا مُعْتَمرٌ) ولابن عساكر: (( المعتمر ) ) (عَنْ عُبَيدِ اللهِ) مصغرًا العمري (عَنْ سُمَيٍّ) بالتصغير مولى أبي بكر بن عبد الرحمن.

قال في (( الفتح ) ): عبيد الله تابعي صغير ولم أقف لسميّ على رواية عن أحد من الصحابة فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر وهما مدنيان كأبي صالح واللذان قبلهما بصريان.

(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) السمان (عَن أَبِي هُرَيْرةَ) رضي الله عنه (قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ) هو جمع فقير.

قال العيني: ولم يعلم عددهم هاهنا وجاء في رواية أبي داود من رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة أن أبا ذر منهم.

وأخرجه الفريابي في كتاب الذكر له من حديث أبي ذر نفسه وجاء في رواية النسائي وغيره أن أبا الدرداء منهم وروى الترمذي من حديث مجاهد وعكرمة عن ابن عباس قال: جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن الأغنياء يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم أموال يعتقون ويتصدقون قال: (( فإذا صليتم فقولوا: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة والحمد الله ثلاثًا وثلاثين مرة والله أكبر أربعًا وثلاثين مرة ولا إله إلا الله عشر مرات فإنكم تدركون به من سبقكم ولا يسبقكم من بعدكم ) )انتهى.

(إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) بضم المهملة والمثلثة جمع دثر بفتح فسكون المال الكثير، وزاد ابن الملقن وحكي التحريك.

قال ابن سيده: لا يثنى ولا يجمع وخالفه أبو عمر المطرزي وقال الداودي: الدثور الغنى والاندراس ضده.

وقوله: (مِنَ الأَمْوَالِ) بيان للدثور أو تأكيد له؛ لأن الدثر يكون بمعنى المال كما مر ويجيء بمعنى الكثير من كل شيء (بِالدَّرَجَاتِ الْعُلاَ) بضم العين مقصورًا جمع العليا تأنيث الأعلى وهي هنا معنوية؛ لأن المراد بها علو القدر عند الله تعالى ويحتمل أن تكون حسية والمراد بها درجات الجنان في الآخرة.

ويدل له قولهم: (وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ) : أي الدائم المستمر وهو لا يكون إلا في الجنة، وهو احتراز عن نعيم الدنيا لو وجد فإنه بصدد الزوال والتحول والانتقال وفي رواية محمد بن أبي عائشة: (( ذهب أصحاب الدثور بالأجور ) )وكذا لمسلم.

(يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد النسائي في حديث أبي الدرداء: (( ويذكرون كما نذكر ) )، وللبزار من حديث ابن عمر: (( صدقوا تصديقنا وآمنوا إيماننا ) ).

(وَلَهُمْ فَضْلٌ أَمْوَالٍ) : بإضافة فضل للأكثر وتنكير أموال، وللأصيلي: (( فضل الأموال ) )، وللكشميهني: (( فضل من أموال ) ).

(يَحُجُّونَ) بضم الحاء (بِهَا) : أي: بسببها أو الباء مثلها في كتبت بالقلم (وَيَعْتَمِرُونَ) : أي: بها لأنهم يجدون بها الزاد والراحلة؛ أي: وأما نحن فلا مال لنا نحصل به الزاد والراحلة.

قال في (( الفتح ) ): ويشكل عليه ما وقع في رواية الفريابي عن أبي الدرداء: (( ويحجون كما نحج ) )ونظيره ما وقع هنا ويجاهدون، ووقع في الدعوات من رواية ورقاء عن سمي: (( وجاهدوا كما جاهدنا ) ).

لكن الجواب عن هذا الثاني ظاهر وهو التفرقة بين الجهاد الماضي فهو الذي اشتركوا فيه، وبين الجهاد المتوقع فهو الذي يقدر عليه أصحاب الأموال غالبًا ويمكن أن يقال مثله في الحج ويحتمل أن يقرأ قوله: يحجون بضم أوله من الرباعي أي يعينون غيرهم على الحج بالمال. انتهى.

(وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ) وفي رواية مسلم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق (قَالَ) صلى الله عليه وسلم، وللأصيلي وأبي ذر: (( فقال ) ) (أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ بِمَا) : أي: بشيء أو بالذي، وللأصيلي كأبي ذر في نسخة: (( بأمر ) )وكذا للإسماعيلي، وسقط (( بما ) )من أكثر الروايات وكذا به لكنه

ج 2 ص 678

مع سقوطه مراد، ولمسلم: (( ألا أعلمكم شيئًا ) )ولأبي داود: (( فقال: يا أبا ذر ألا أعلمك كلمات تقولهن ) ).

(إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ) الضمير راجع إلى ما (أَدْرَكْتُمْ) : أي ساويتم بذلك الشيء (مَنْ سَبَقَكُمْ) : أي: من أهل الأموال الذين وصفتموهم بما تقدم.

وللترمذي من حديث مجاهد وعكرمة عن ابن عباس قال: جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن الأغنياء يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم أموال يعتقون ويتصدقون قال: (( فإذا صليتم فقولوا: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والحمد الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والله أكبر أربعًا وثلاثين مرة، ولا إله إلا الله عشر مرات فإنكم تدركون به من سبقكم ولا يسبقكم من بعدكم ) )والسبق يحتمل المعنوي والحسي.

قال ابن دقيق العيد: والأول أقرب وسقط من سبقكم للأصيلي.

(وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ) بكافين أولاهما ساكنة مدغمة في الثانية (أَحَدٌ بَعْدَكُمْ) : أي: لا من أصحاب الأموال ولا من غيرهم.

واستشكل الكرماني فقال: كيف يساوي قول هذه الكلمات مع سهولتها للأمور الشاقة كالجهاد ونحوه مع أن أفضل العبادات أحمزُها.

وأجاب: بأن أداء هذه الكلمات بحقها من الإخلاص سيما الحمد في حال الفقر من أشق الأعمال على أن الثواب لا يلزم أن يكون على قدر المشقة ألا ترى ما في كلمة الشهادة من الثواب ما ليس في كثير من العبادات الشاقة وكذا الكلمة المتضمنة لخير عام ونحو ذلك.

وقال العلماء: إدراك صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة فضيلة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء مع أن نية الفقراء أن يعملوا مثل عملهم أو أكثر لو كانوا أغنياء ونية المؤمن خير من عمله فلهم ثواب النية وهذه الأذكار.

واستشكل أيضًا: بأنه لم لا يحصل لمن بعدهم ثواب ذلك.

وأجاب: بأنه يحصل لهم ذلك إذا عملوا أخذًا من الاستثناء فإن الاستثناء المتعقب للجمل يعود لكلها كما هو مذهب الشافعي. انتهى.

(وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِم) بفتح النون وجمع الضمير للأكثر، وفي رواية كريمة وأبي الوقت: (( ظهرانيه ) )بالإفراد وكذا للإسماعيلي وعلى كل فهو مقحم بين المتضايفين للتأكيد وفي رواية لمسلم ولا يكون أحد أفضل منكم (إِلاَّ مَنْ عَمِلَ) بكسر الميم؛ أي: من الأغنياء (مِثْلَهُ) : أي: مثل ما عملتم به.

قال في (( الفتح ) ): قيل ظاهره يخالف ما مر لأن الإدراك ظاهره المساواة وهذا ظاهره الأفضلية.

وأجيب: بأن الإدراك لا يلزم منه المساواة فقد يدرك الإنسان غيره ثم يفوقه وعلى هذا فالتقرب بهذا الذكر أفضل من التقرب بالمال وبأن الضمير في كنتم للمجموع من السابق والمدرك وكذا في إلا من عمل مثل عملكم وبأن الخطاب للفقراء خاصة لكن يشاركهم الأغنياء في الخيرية المذكورة فيكون كل من الصنفين خيرًا ممن لا يتقرب بذكر ولا صدقة.

ويشهد له ما عند البزار من حديث ابن عمر: (( أدركتم مثل فضلهم ) )وما عند مسلم من حديث أبي ذر: (( أوليس قد جعل لكم ما تتصدقون إن بكل تسبيحة صدقة ) )الحديث.

وهذه الأجوبة أحسن من تأويل بعضهم بإلا من عمل مثله وزاد بغيره من فعل البر فإن من زاد لا شك في أنه خير فتأمل.

وقوله: (تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ) بيان لما ... إلخ فهو مستأنف استئنافًا بيانيًا كأنهم قالوا: ما ذلك الذي تحدثنا به ... إلخ فقال: تسبحون ... إلخ.

(خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ، ثَلاثًَا وثَلاثِينَ) ظرف ومصدر تنازعهما الأفعال الثلاثة وتمييز ثلاثًا وثلاثين محذوف؛ أي: مرة وخلف بمعنى دبر الواقع التعبير به للمصنف في الدعوات.

ولجعفر الفريابي في حديث أبي ذر: (( إثر كل صلاة ) ).

قال في (( الفتح ) ): ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا أو كان ناسيًا أو كان متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر.

وظاهر قوله: كل صلاة يشمل الفرض والنفل لكن حمله أكثر العلماء على الفرض وقد وقع في حديث كعب بن عجرة عند مسلم التقييد بالمكتوبة فكأنهم حملوا المطلق عليها وعلى هذا هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلًا بين المكتوبة و الذكر المذكور أو لا، محل نظر انتهى.

وتقدم أن التشاغل بها لا يضر مالم يفحش وقوله: ثلاثا وثلاثين.

قال في (( الفتح ) ): يحتمل أن المجموع للجميع فإذا وزع كان لكل واحد إحدى عشرة وهو الذي فهمه سهيل بن صالح كما رواه مسلم لكن لم يتابع سهيل على ذلك بل لم يقع في شيء من الأحاديث التصريح بإحدى عشرة إحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند البزار وإسناده ضعيف والأظهر أن المراد المجموع لكل فردٍ فردٍ كذا في (( الفتح ) ).

ج 2 ص 679

وقال ابن الملقن: وقد أخرجه مسلم مطولًا وفي آخره يقول سهيل: إحدى عشرة إحدى عشرة إحدى عشرة فجميع ذلك كله ثلاث وثلاثون، وللبخاري في الأدعية: تسبحون في كل صلاة عشرًا وتحمدون عشرًا وتكبرون عشرًا ثم قال ورواه أبو صالح عن أبي الدرداء قلت: وأخرجه النسائي.

وفي الترمذي: في الأول والله أكبر أربعًا وثلاثين ولا إله إلا الله عشرًا ثم قال: حسن غريب.

وفي أفراد مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: (( من سبح الله عند دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين وحمد الله ثلاثًا وثلاثين وكبر الله ثلاثًا وثلاثين فذلك تسعة وتسعون ثم قال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) ).

وفي أفراده عن كعب بن عجرة مرفوعًا معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن (( دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة ) ).

وروى الترمذي عن ابن عمرو مرفوعًا وقال: حسن صحيح (( خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعملهما قليل قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قال: أن يحمد الله ويسبحه ويكبره في كل صلاة عشرًا عشرًا ) ).

وفي (( صحيح ابن حبان ) )عن ابن عمر: (( أن رجلًا رأى فيما يرى النائم أي شيء أمركم نبيكم قال: أمرنا أن نسبح ثلاثًا وثلاثين ) )الحديث.

فقال: (( سبحوا خمسًا وعشرين واحمدوا خمسًا وعشرين وكبروا خمسًا وعشرين وهللوا خمسًا وعشرين فتلك مئة فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: افعلوا كما قال الأنصاري ) )وأخرجه ابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح الإسناد. انتهى.

وأقول: هذه الروايات المختلفة كلها ثابتة والجمع بينها باختلاف الأوقات والأشخاص ويحصل العمل بالسنة بكل واحدة قلَّت أو كثرت ولكن الأكثر أولى.

قال ابن رجب: بعد ذكره لروايات في هذا الذكر ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات والأفضل أن لا ينقص عن مئة لأن أحاديثها أصح. انتهى.

واختلف المتأخرون فيمن زاد على الوارد كأن سبح أربعًا و ثلاثين فقال القرافي يكره لأنه سوء أدب وأيد بأنه دواء وهو إذا زيد فيه على قانونه يصير داء وبأنه مفتاح وهو إذا زيد على أسنانه لا يفتح.

وقال غيره: يحصل له ثوابه وزيادة وكيف تبطله زيادة من جنسه واعتمده ابن العماد بل بالغ فقال: لا يحل اعتقاد عدم حصول الثواب لأنه قول بلا دليل بل الدليل برده وهو عموم من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ثم قال: ورجح بعضهم أنه إن نوى عند انتهاء العدد الوارد امتثال الأمر ثم زاد أثيب وإلا فلا، وأوجه منه تفصيل آخر وهو أنه إن زاد لشك عذر أو لتعبد فلا؛ لأنه حينئذ مستدرك على الشارع وهو ممتنع فليتأمل.

وقوله: (فَاخْتَلفَنا بَيْنَنا) من قول سمي؛ أي: اختلفت أنا وبعض أهلي هل كل واحدة من الثلاث تقال: ثلاثًا وثلاثين أو المجموع ثلاثًا وثلاثين؟ فتكون كل واحدة تقال أحد عشر زاد الكرماني: أو أن تمام المئة بالتكبير أو بغيره؟.

ورواية مسلم تدل لذلك ولفظها: (( قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث فقال: وهمت فذكر كلامه قال: فرجعت إلى أبي صالح ) ). انتهى.

وعلى هذا فضمير فقال تقول: سبحان الله لأبي صالح.

قال في (( الفتح ) ): وعلى رواية مسلم اقتصر صاحب العمدة لكن لم يوصل مسلم هذه الزيادة. انتهى.

وقيل: إن قوله: فاختلفا ... إلخ من قول أبي هريرة وإن الاختلاف بين الصحابة وأن الراجع أبو هريرة وأن ضمير فقال تقول إلى ... إلخ هو للنبي صلى الله عليه وسلم والأول أولى.

وإن هذا ظاهر السياق كما في (( الفتح ) )لموافقته رواية مسلم السابقة.

(فَقَالَ بَعْضُنَا) : أي: بعض أهل سمي أو بعض الصحابة (نُسَبِّحُ) : بنون المتكلم فيه وفي تالييه وفي بعض النسخ: بالتحتية فيهن فعليها ففاعل يسبح ضمير يعود إلى المصلي المعلوم من السياق (ثَلاثًا وثَلاثِينَ، ونَحمَدُ َثلاثًا وثَلاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ) .

قال في (( الفتح ) ): ويخالف ما في رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة عند أبي داود ففيه ويختم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ.

وكذا لمسلم من رواية عطاء بن يزيد عن أبي هريرة ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم ولجعفر الفريابي في حديث أبي ذر.

قال النووي: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين ويقول معها لا إله إلا الله ... إلخ.

وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرة بزيادة تكبيرة ومرة بزيادة لا إله إلا الله على وفق ما وردت به الأحاديث.

أقول: والجمع الأول أولى لأنه إن ختم المئة بالتكبير فإنه ختمها بلا إله إلا الله ... إلخ، وإن ختمها بلا إله إلا الله ... إلخ، فاته الختم بالتكبير فلا جمع في الحقيقة وأما إذا ختم بكل مرة فالجمع ظاهر كما لا يخفى وقد وقع في أكثر الأحاديث كما

ج 2 ص 680

في (( الفتح ) )تقديم التسبيح على التحميد وتأخير التكبير عنهما.

وفي رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد خاصة ومثله لأبي داود من حديث أبي هريرة بلفظ: (( تكبر وتحمد وتسبح ) )وكذا في حديث ابن عمر ولأبي داود أيضًا من حديث أم الحكم: (( تقول الله أكبر وسبحان الله والحمد الله ) ).

قال في (( الفتح ) ): وهذا الاختلاف دال على أن لا ترتيب فيها ويستأنس له بقوله في حديث الباقيات الصالحات: (( لا يضرك بأيهن بدأت ) )

لكن يمكن أن يقال الأولى البداءة بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري سبحانه ثم التحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال له لأن نفي النقائص عن شيء لا يلزم منه إثبات الكمال له ويكون ذلك من باب تقديم التخلية على التحلية

ثم لما نفى عنه النقائص وأثبت له المحامد والكمالات ناسب أن يوصف بالكبرياء والعظمة فيقال: الله أكبر من كل كبير ثم يختم بالتهليل الدال على إنفراده تعالى بجميع ذلك وأنه لا شريك له في شيء من تلك الصفات.

وقال الكرماني: وجه تخصيص هذه الأذكار أن التسبيح ... إلخ فذكر ما تقدم وقد أبدى بعضهم حكمة لتخصيص هذه الأعداد.

قال الشهاب بن حجر في التحفة: لأن أسماء الله تعالى التسعة والتسعين إما ذاتية كالله أو جلالية كالكبير أو جمالية كالمحسن فجعل للأول التسبيح لأنه تنزيه للذات وللثاني التكبير وللثالث التحميد لأنه يستدعي النعم وزيد في الثالثة التكبير أو لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ لأنه قيل إن تمام المئة في الأسماء الاسم الأعظم وهو داخل في أسماء الجلال.

(فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) من قول سميّ أو أبي صالح (فَقَالَ: تَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ) : أي: العدد المذكور (مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ) تأكيد للضمير المجرور بمن (ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ) خبر يكون، وهذه رواية الأصيلي وكريمة وأبي الوقت، وبالرفع لغيرهم فـ (( يكون ) )شأنية على هذه الرواية فاسمها ضمير الشأن وجملة منهن ثلاثة وثلاثون خبرها.

قال في (( الفتح ) ): وفي قوله: منهن الاحتمال المتقدم هل العدد للجميع أو للمجموع، ورواية ابن عجلان ظاهرها أن العدد للجميع لكن يقول ذلك مجموعًا وهذا اختيار أبي صالح لكن الروايات الثابتة عن غيره الإفراد.

قال عياض: وهو أولى ورجح بعضهم الجمع للإتيان فيه بواو العطف والذي يظهر أن كلًا من الأمرين حسن إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر وهو أن الذاكر يحتاج إلى العدد وله على كل حركة لذلك سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث. انتهى.

وقال ابن رجب: وهل الأفضل أن يجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كل مرة فيقولهن ثلاثًا وثلاثين مرة ثم يختم بالتهليل أم الأفضل أن يفرد التسبيح والتحميد والتكبير على حدة.

قال أحمد في رواية: لا تضييق وظاهره أنه مخير بين الجمع والإفراد.

وقال في رواية: يقول هكذا سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا يقطعه وهذا ترجيح منه للجمع لكن ذكر التهليل فيه غرابة. انتهى.

قال العيني: ومما يستفاد من الحديث المسألة في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر فذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى فكان أفضل بمعنى أشرف.

وذكر القرطبي أن في هذه المسألة خمسة أقوال:

فمن قائل بتفضيل الغني ومن قائل بتفضيل الفقير ومن قائل بتفضيل الكفاف ومن قائل برد هذا إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك ومن قائل بالوقف لأنها مسألة لها غور وفيها أحاديث متعارضة.

قال: والذي يظهر لي أن الأفضل ما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولجمهور صحابته رضي الله عنهم وهو الفقر غير المدقع ويكفيك من هذا أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمئة عام وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموالهم.

وقال ابن بطال عن المهلب: في هذا الحديث فضل الغني نصًا لا تأويلًا إذا استوت أعمال الغني والفقير فيما افترض الله عليهما فللغني حينئذ فضل عمل البر من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير.

قال: ورأيت بعض المتكلمين ذهب إلى أن الفضل المرتب على الذكر يخص الفقراء

ج 2 ص 681

دون غيرهم.

قال: وغفل عن قوله: إلا من عمل مثله فحصل الفضل لقائله كائنًا من كان.

وقال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث القريب من النص أنه فضل الغني وبعض الناس تأوله بتأويل مستكره.

قال: والذي يقتضيه النظر أنهما إن تساويا وفضلت العبادة المالية أن يكون الغنى أفضل وهذا لا شك فيه وإنما النظر إذا تساويا وانفرد كل منهما بمصلحة مما هو فيه أيهما أفضل إن فسر الفضل بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة فيترجح الغنى وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل لها من التطهير بحسب الفقر أشرف فيترجح الفقر ومن ثم ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر. انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): قال الكرماني: قضية الحديث أن شكوى الفقراء تبقى بحالها.

وأجاب: بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العلى والنعيم المقيم لهم أيضًا لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا. انتهى.

والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة ويظهر أن الجواب كان قبل أن يعلم صلى الله عليه وسلم أن متمني الشيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر كما سبق في كتاب العلم في الكلام على حديث ابن مسعود الذي أوله لا حسد إلا في اثنتين فإن في رواية الترمذي من وجه آخر التصريح بأن المنفق والمتمني إذا كان صادق النية في الأجر سواء

وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء ) ).

فإن الفقراء في هذه القضية كانوا السبب في تَعلُّم الأغنياء الذكر المذكور فإذا استووا معهم في قوله: امتاز الفقراء بأجر السبب مضافًا إلى التمني فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شظف العيش وشكر الغني على التنعم بالمال.

ومن ثم وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر وسيكون لنا عودة إلى ذلك في الكلام على حديث: (( الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر ) )في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى. انتهى.

وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم كما في (( الفتح ) )والعيني أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل ولا يجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف قاله ابن بطال وكأنه أخذه من كونه صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله: (( ألا أدلكم على أمر تساوونهم فيه وعدل ) )عن قوله: (( هم أفضل منكم بذلك ) )

وفيه التوسعة في الغبطة وقد تقدم تفسيرها في كتاب العلم والفرق بينها وبين الحسد المذموم وفيه المسابقة إلى الأعمال المحصلة للدرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم فيؤخذ منه أن قوله: (( إلا من عمل ) )عام للفقراء والأغنياء خلافًا لمن أوله بغير ذلك وفيه أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق وفيه فضل الذكر عقب الصلوات.

واستدل به البخاري على فضل الدعاء عقب الصلاة كما سيأتي في الدعوات لأنه في معناه أو لأنها أوقات فاضلة يرتجى فيها إجابة الدعاء.

وفيه أن العمل القاصر قد يساوي المتعدي خلافًا لمن قال: إن المتعدي أفضل مطلقًا. نبه على ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام. انتهى.

ومن الأذكار الواردة بعد الصلاة غير ما تقدم ما رواه ابن خزيمة عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر الصلاة: (( اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر ) ).

ومنها ما ذكره العيني عن كتاب اليوم والليلة لأبي نعيم الأصبهاني: (( أن من قال حين ينصرف من صلاة الغداة قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات أعطي بهن سبع خصال كتب له عشر حسنات ومحي عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكن له عدل عشر نسمات وكن له عصمة من الشيطان وحرز من المكروه ولا يلحقه في ذلك اليوم ذنب إلا الشرك ومن قالهن حين ينصرف من صلاة المغرب أعطي مثل ذلك ) ).

وفي لفظ: من قال بعد الفجر ثلاث مرات وبعد العصر ثلاث مرات أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه كفرت عنه

ج 2 ص 682

ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت