وبالسند قال:
855 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ) بكسر العين (ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم المهملة وفتح الفاء، ونسبه لجده لشهرته وهو سعيد بن كثير بن عفير (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصري (عَنْ يُونُسَ) : ابن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري.
(زَعَمَ عَطَاءٌ) : أي: قال عطاء بن رباح فالزعم هنا للقول المحقق، وللأصيلي: (( عن عطاء ) )ولمسلم من وجه آخر: (( عن ابن وهب حدثني عطاء ) ) (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ) : أي: قال فهو كسابقه، وفي الرواية الآتية عن جابر لم يقل زعم.
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا. أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا) ومن المسجد رحبته؛ لأنها فيه والشك من الزهري ولم يختلف عنه الرواة في ذلك، ولابن عساكر: (( أو فليعتزل مسجدنا ) )والأولى من هذه الروايات أعمها (وَلْيَقْعُدْ) بالواو، وفي رواية لمسلم ولأبي ذر: (( أو ليقعد ) )بأو.
(فِي بَيْتِهِ) وعلى الأولى فالمأمور به كلا الأمرين الاعتزال والقعود في بيته وعلى الثانية أحدهما (وَأَنَّ النَّبِيَّ) بفتح الهمزة فهو موصول بالإسناد السابق؛ أي: وحدثنا سعيد بن عفير بإسناده إلى جابر أن النبي (صلى الله عليه وسلم أُتِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: من عند أبي أيوب كما سيأتي (بِقِدْرٍ) بكسر القاف، وهو معروف وتأنيثه أشهر من تذكيره.
(فِيهِ) أتى بضميره هنا مذكرًا على غير الأشهر، وجعله في (( فتح الباري ) )عائدًا إلى الطعام المدلول عليه بقدر ولا داعي إليه بعد ما علم من جواز الوجهين.
(خَضِرَاتٌ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة، ولأبي ذر وعزاها عياض وابن قرقول للأصيلي: (( خَضَرات ) )بفتح الخاء والضاد جمع خَضرة بالفتح، ويجوز مع ضم أوله ضم الضاد وتسكينها.
(مِنْ بُقُولٍ) بضمتين جمع بقل كفلس وفلوس وكانت مطبوخة لكنها لم تنضج فلذا قال: (فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا) : أي: رائحة كريهة؛ لأنها لم تنضج (فَسَأَلَ) صلى الله عليه وسلم (فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (بِمَا فِيهَا) : أي: القدر وأعاد الضمير عليها مؤنثًا لما تقدم.
(مِنَ الْبُقُولِ) بيان لما [فيها] (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (قَرِّبُوهَا) بكسر الراء مشددة؛ أي: القدر وقيل: الضمير راجع إلى البقول (إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ) .
قال الكرماني: فيه النقل بالمعنى إذ لم يقل صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ بل قال: قربوها إلى فلان مثلًا أو فيه حذف؛ أي: قال: قربوها مشيرًا إلى بعض أصحابه (كَانَ) : أي: البعض (مَعَهُ) صلى الله عليه وسلم وهذا البعض هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
قال في (( الفتح ) ): كما في (( صحيح مسلم ) )من حديث أبي أيوب في قصة نزوله صلى الله عليه وسلم عليه أول ما هاجر فكان يصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا فإذا جيء به إليه؛ أي: بعد ما يأكل النبي صلى الله عليه وسلم منه سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم ليأكل من ذلك الموضع تبركًا فصنع مرة فلم يجد موضع أصابعه فقيل له: لِمَ لم تأكل وكان الطعام فيه ثوم فقال: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: (( لا ولكن أكرهه ) ).
وفي العيني بسنده إلى جابر بن سمرة يقول: (( نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب وكان إذا أكل طعامًا بعث إليه بفضله فبعث إليه يومًا بطعام ولم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتى أبو أيوب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال صلى الله عليه وسلم: فيه الثوم فقال: يا رسول الله أحرام هو؟ قال: لا ولكني أكرهه من أجل ريحه ) ).
ثم إن حديث الباب في الثوم فقط وسيجيء حديث جابر في هذا الباب أن البصل مثل الثوم وأن الخضرات من البقول التي لها رائحة كذلك ويدخل فيه الكراث والفجل أيضًا.
ونص على الفجل في معجم الطبراني الصغير وذكره مع الثوم والكراث ونقل ابن التين عن مالك قال: الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم، وقيده عياض بالجشأ. انتهى ملخصًا.
(فَلَمَّا رَآهُ) : أي: رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا أيوب أو غيره على الاختلاف في ذلك (كَرِهَ أَكْلَهَا) حال بتقدير قد (قَالَ) صلى الله عليه وسلم جواب لما، ولأبي ذر والأصيلي: (( فقال ) ) (كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي) : أي: أحدث.
(مَنْ لاَ تُنَاجِي) من الملائكة ويدل لذلك ما عند ابني خزيمة وحبان عن أبي أيوب: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل وكراث فلم ير فيه أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل فقال له: ما منعك؟ قال: لم أر فيه
ج 2 ص 694
أثر يدك قال: أستحي من ملائكة الله وليس بمحرم )) .
قال الكرماني: قيل فيه دليل على أن الملائكة أفضل من بني آدم. انتهى.
أي: في قول: (( أناجي من لا تناجي ) ).
ونقله في (( الفتح ) )عن ابن التين ثم قال: وتعقب بأنه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس على الجنس. انتهى.
والحديث أخرجه المصنف في الاعتصام ومسلم في الصلاة وأبو داود في الأطعمة والنسائي في الوليمة.
(وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) هو شيخ المصنف من إفراده (عَنْ ابْنِ وَهْبٍ) هو عبد الله (أُتِيَ) بضم الهمزة (بِبَدْرٍ) بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة.
قال في (( الفتح ) ): مراده أن أحمد بن صالح خالف سعيد بن عفير في هذه اللفظة فقط وشاركه في سائر الحديث عن ابن وهب بإسناده المذكور وقد أخرجه البخاري في الاعتصام ثم قال: وسمي الطبق بذلك لاستدارته تشبيهًا بالقمر عند كماله. انتهى.
( [وَ] قَالَ ابْنُ وَهْبٍ) في تفسير بدر (يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ) : أي: بقول ورجح جماعة من الشراح رواية أحمد المذكور لكون ابن وهب فسر البدر بالطبق فدل على أنه حدث به كذلك حتى زعم بعضهم أن لفظة: بقدر تصحيف لأنها تشعر بالطبخ
وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة بخلاف الطبق فظاهره أن البقول فيه كانت نيئة.
وقال في (( الفتح ) ): والذي يظهر لي أن رواية القدر أصح لما تقدم من حديث أبي أيوب وأم أيوب جميعًا فإن فيه التصريح بالطعام ولا تعارض بين امتناعه عليه الصلاة والسلام من أكل الثوم وغيره مطبوخًا وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخًا لأنه علل ذلك بقوله: (( إني لست كأحد منكم ) ).
وترجم ابن خزيمة على حديث أبي أيوب ذكر ما خص الله نبيه صلى الله عليه وسلم من ترك أكل الثوم ونحوه مطبوخًا وجمع القرطبي بين الروايتين بأن الذي كان في القدر لم ينضج حتى تضمحل رائحته فبقي في حكم النيء.
(وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ) : ابن سعد مما وصله الذهلي في الزهريات (وَأَبُو صَفْوَانَ) : أي: عبد الله بن سعيد الأموي مما وصله المصنف في الأطعمة عن ابن المديني عنه.
(عَنْ يُونُسَ) : بن يزيد عن عطاء عن جابر (قِصَّةَ القِدْرِ) قصة مفعول يذكر ومضاف إلى القدر بل اقتصر على الحديث الأول كما اقتصر عقيل عن الزهري فيما أخرجه ابن خزيمة.
وقوله: (فَلاَ أَدْرِي) : أي: المذكور من قصة القدر ولذا ذكر الضمير (هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ) : أي: مدرج (أَوْ فِي الحَدِيثِ) من كلام المصنف أو من كلام شيخه سعيد بن عفير.
وقال في (( الفتح ) ): هو من كلام البخاري ووهم من زعم أنه من كلام أحمد بن صالح أو من فوقه ولم يذكر لما جزم به دليلًا.
نعم هو المتبادر وعلى كل حال فالغرض منه أن قصة القدر هل هي من نفس الحديث أو هي مدرجة فيه من كلام الزهري والظاهر الأول.
فقد قال البيهقي: الأصل أن ما كان من الحديث متصلًا به فهو منه حتى يجيء البيان الواضح بأنه مدرج فيه. انتهى.
ويبعد أنها من قول الزهري فإنه تابعي لم يشاهد القصة وألفاظها تقتضي المشاهدة فهو مرسل تابعي وإذا كان كذلك فهلا قيل إنها من قول عطاء إذ هو أقرب من الزهري لأنه شيخه هنا فليتأمل.
ويمكن أن يقال: علم من عادة عطاء أنه لم يكن يدرج وبالجملة فالنسخ هنا مختلفة.