وبالسند قال:
883 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) : أي: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب فنسبه لجده الأعلى واسم أبي ذئب هشام القرشي (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) كيسان المقبري (عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ) مكبرًا عبد الله.
قال في (( الفتح ) ): وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وهو تابعي جليل وذكره ابن سعد وابن منده في الصحابة، وعزاه ابن منده لأبي حاتم ومستندهم أن بعض الرواة لم يذكر بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أحدًا لكنه لم يصرح بسماعه، فالصواب إثبات الواسطة وهذا من الأحاديث التي تتبعها الدارقطني على البخاري وذكر أنه اختلف فيه على سعيد المقبري فرواه ابن أبي ذئب عنه هكذا.
ورواه ابن ماجه عن ابن عجلان عنه فقال: عن أبي ذر بدل سلمان وأرسله أبو معشر عنه فلم يذكر سلمان ولا أبا ذر، ورواه عبيد الله العمري عنه فقال: عن أبي هريرة انتهى.
ورواية ابن عجلان المذكورة عند ابن ماجه، ورواية أبي معشر عند سعيد بن منصور، ورواية العمري عند أبي يعلي فأما ابن عجلان فهو دون ابن أبي ذئب في الحفظ، فروايته مرجوحة مع أنه يحتمل أن يكون ابن وديعة سمعه من أبي ذر وسلمان جميعًا.
ويرجح كونه عن سلمان وروده من وجه آخر عنه، أخرجه النسائي وابن خزيمة من طريق علقمة بن قيس عن قرثع الضبي وهو بقاف مفتوحة وراء ساكنة ثم مثلثة، قال: وكان من القراء الأولين عن سلمان نحوه، ورجاله ثقات.
وأما أبو معشر فضعيف وقد قصر فيه بإسقاط الصحابي، وأما العمري فحافظ قد تابعه صالح بن كيسان عن سعيد عند ابن خزيمة، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج [1] عن رجل عن سعيد وأخرجه ابن السكن من وجه آخر عن عبد الرزاق وزاد فيه مع أبي هريرة عمارة بن عامر الأنصاري انتهى.
وقوله: ابن عامر خطأ فقد رواه الليث عن ابن عجلان عن سعيد فقال: عمارة بن عمرو بن حزم أخرجه ابن خزيمة، وبيّن الضحاك بن عثمان عن سعيد أن عمارة إنما سمعه من سلمان ذكره الإسماعيلي، وأفاد في هذه الرواية أن أبا سعيد أحضر أباه لما سمع هذا الحديث من ابن وديعة وساقه الإسماعيلي من رواية حمادة بن مسعدة وقاسم بن يزيد الحرمي كلاهما عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن ابن وديعة فيه عن أبيه، فكأنه سمعه من أبيه من ابن وديعة ثم أثبت أباه فيه، فكان يرويه على الوجهين وإذا تقرر ذلك علم أن الطريق التي اختارها البخاري أتقن الروايات وبقيتها إما موافقة لها أو قاصرة عنها، ويمكن الجمع بينها، وفي الإسناد ثلاثة
ج 2 ص 723
من التابعين في نسق فإن ثبت أن لابن وديعة صحبة ففيه تابعيان وصحابيان كلهم من أهل المدنية.
(عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ) رضي الله عنه أصله من رام هرمز أسلم حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم سافر لطلب الدين فأخذه العرب فباعوه يقال: أنه تداوله أربعة عشر مالكًا حتى أفضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساعده النبي صلى الله عليه وسلم في نجوم كتابته.
وقال فيه: سلمان منا أهل البيت عاش مائتين وخمسين سنة وقيل: ثلاثمائة وخمسين وقيل: أدرك وحي عيسى عليه السلام، وكان يأكل من عمل يده ولاه عمر المدائن ومات بها.
(قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لاَ يَغْتَسِلُ) بالرفع؛ أي: غسلًا شرعيًا (رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ الطُّهْرِ) وللكشميهني: (( من طهر ) )بالتنكير، وفائدة عطفه على يغتسل المبالغة في التنظيف إشارة إلى أن الغسل يكفي فيه إفاضة الماء من غير مبالغة.
وقيل: المراد بالطهر غسل الرأس، وبالغسل غسل باقي الجسد وقيل: المراد به التنظيف بأخذ الشارب والظفر والعانة وإزالة الروائح الكريهة وتنظيف الثياب، ويحتمل أن يراد به الوضوء مستقلًا.
(وَيَدَّهِنُ) بتشديد الدال المهملة من باب الافتعال؛ لأن أصله يتدهن فقلبت التاء دالًا وأدغمت في الدال وجوبًا (مِنْ دُهْنِهِ) بضم الدال ليزيل شعثه، وفيه المطابقة للترجمة (أَوْ يَمَسُّ) بفتح التحتية والميم؛ أي: يصيب (مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ) : أي: إذا لم يجد دهنًا ويحتمل أن تكون أو للإباحة؛ أي: إن شاء تطيب بدهنه وإن شاء بطيب بيته، وإن شاء جمع بينهما، وقيل: أو بمعنى الواو كما لابن عساكر.
قال الكرماني: أضاف البيت إلى بيته ليؤذن بأن السنة أن يتخذ لنفسه طيبًا يعده في البيت ويجعل استعماله عادة له.
وقال في (( الفتح ) ): هذا مبني على أن المراد بالبيت حقيقته، لكن في حديث ابن عمر وعند أبي داود: (( أو يمس من طيب امرأته ) )وزاد فيه: (( ويلبس من صالح ثيابه ) )، فعلى هذا المعنى إن لم يتخذ لنفسه طيبًا فليستعمل من طيب امرأته، وهو موافق لحديث أبي سعيد عند مسلم بلفظ: (( ولو من طيب المرأة ) )، ويستفاد منه أن البيت يطلق على المرأة والظاهر أنه مجاز مرسل من إطلاق المحل وإرادة الحال.
(ثُمَّ يَخْرُجُ) : أي: إلى المسجد كما في رواية ابن خزيمة، ولأحمد في حديث أبي الدرداء: (( ثم يمشي وعليه السكينة ) ).
(فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ) كناية عن عدم التخطي وهو بمعنى ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر ثم لم يتخط رقاب الناس، وفي حديث أبي الدرداء: (( ولم يتخط أحدًا ولم يؤذه ) )وقيل: إنه كناية عن التبكير؛ أي: عليه أن يبكر كيلا يتخطى رقاب الناس.
وقيل: المعنى لا يزاحم رجلين فيدخل بينهما؛ لأنه ربما ضيق عليهما فيضرهما ولا سيما في شدة الحر واجتماع الأنفاس.
(ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: فرض عليه من صلاة الجمعة أو قدر له من فرض ونفل وهو أنسب بتعدية كتب باللام ولو كان بمعنى فرض لقال عليه، وفي حديث أبي الدرداء: (( ثم يركع ما قضي له ) )، وفي حديث أبي أيوب: (( فيركع إن بدا له ) )، ففيه مشروعية النافلة قبل صلاة الجمعة.
(ثُمَّ يُنْصِتُ) قال العيني: بضم الياء من الإنصات، يقال: أنصت إذا سكت وأنصته إذا أسكته، فهو لازم ومتعد والأول هو المراد هنا، وفي بعض أصول مسلم: (( ثم انتصت ) )بزيادة التاء المثناة من فوق
قال عياض: وهو وهم وذكر صاحب الموهب والأزهري وغيرهما: أنصت ونصت وانتصت ثلاث لغات بمعنى واحد فلا وهم حينئذ انتهى.
(إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ) : أي: شرع في الخطبة، وزاد ابن خزيمة من رواية قرثع حتى يقضي صلاته.
وفيه دليل أن الإنصات إنما هو حال الخطبة، وعن أبي حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام ونحوه في حديث أبي أيوب وفي (( النهرو [2] ) )إذا خرج الإمام؛ أي صعد على المنبر كذا في المعراج وغيره وفي السراج؛ أي: من المقصورة فظهر عليهم انتهى.
(إِلاَّ غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول (مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى) ضمير بينه عائد ليوم الجمعة الحاضرة؛ أي: ما بين يوم الجمعة هذا وبين الجمعة الأخرى.
قال العيني: الأخرى يحتمل الماضية قبلها أو المستقبلة بعدها؛ لأن الأخرى تأنيث الآخر
ج 2 ص 724
بفتح الخاء لا بكسرها انتهى.
وأقول: احتمال الماضية أقرب وأنسب بقوله: غفر لأن المستقبلة لم يقع فيها ذنب فيغفر وإن أمكن حمله على ما حمل عليه تكفير صوم عرفة للسنة القابلة، وكما في قوله تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2] .
وفي العيني: فإن قلت: تكفير الذنوب الماضية بالحسنات وبالتوبة، ويتجاوز الله تعالى فكيف يعقل تكفير الذنب قبل وقوعه؟
قلت: المراد عدم المؤاخذة به إذا وقع، ومنه ما ورد في مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر، ومنه ما في (( صحيح مسلم ) )صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده. انتهى.
وتقدم غير مرة أن المكفر هو الصغائر لا الكبائر لما في رواية ابن ماجه عن أبي هريرة: (( ما لم يغش الكبائر ) )، وفي بعض الروايات: (( ما اجتنبت الكبائر ) ).
قال شيخ الإسلام الأنصاري في شرحه: والمغفرة كما تكون للماضي تكون للمستقبل بأن يعفى عنه إذا وقع قال تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2] .
لكن في رواية عند ابن خزيمة: (( ما بينه وبين الجمعة التي قبلها ) )، وجرى عليه شيخنا وعلى الأول الكرماني وغيره وهو أقعد، وما وقع في هذه الرواية خرج مخرج الغالب من استعمال غفر في الماضي والمراد غفران الصغائر لما في رواية لابن ماجه: (( ما لم تغش الكبائر ) )؛ أي: فإنها إذا غشيت لم تكفر فغشيانها مانع من التكفير لها وذلك جار على قاعدة إذا اجتمع المانع والمقتضى قدم المانع وليس المراد أن تكفير الصغائر بالمذكورات متوقف على اجتناب الكبائر إذ اجتنابها بمجرده يكفر الصغائر كما نطق بذلك القرآن في قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31] ؛ أي: صغائركم ولا يلزم من ذلك أن لا يكفرها إلا اجتناب الكبائر فإن لم يكن للمرء صغائر كفر عنه بمقدار ذلك من الكبائر، فإن لم تكن له كبائر أعطي من الثواب بمقدار ذلك وهو جار في جميع ما ورد من نظائر ذلك.
فإن قلت: لزم من جعل الصغائر مكفرة بالمذكورات عند اجتناب الكبائر اجتماع سببين على سبب واحد وهو ممتنع قلت: لا مانع من ذلك في الأسباب المعرفة لأنها علامات لا مؤثرات كما في اجتماع أسباب الحدث وما هنا كذلك انتهى.
وقال العيني: يشتمل الحديث على شروط سبعة لحصول المغفرة ونذكرها ملخصة:
الأول: الاغتسال يوم الجمعة.
الثاني: التطهير وهو معنى (( ويتطهر ما استطاع من الطهر ) )والمراد به المبالغة في التنظيف الشامل لتنظيف الثياب.
الثالث: الادهان وهو معنى قوله: (( ويدهن من دهنه ) ).
الرابع: مس الطيب وهو معنى قوله: (( أو يمس من طيب بيته ) ).
الخامس: أن لا يفرق بين اثنين الذي هو كناية عن التبكير أو عن عدم تخطي رقاب الناس.
السادس: ثم يصلي ما شاء وهو معنى قوله: (( ثم يصلي ما كتب له ) ).
السابع: الإنصات وهو معنى قوله: (( ثم ينصت ) )انتهى ملخصًا.
ثم قال: واختلف العلماء في الكلام هل هو حرام أو مكروه تنزيها قولان للشافعي
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء يجب: الإنصات للخطبة.
وحكي عن الشعبي والنخعي وبعض السلف: أنه لا يجب إلا إذا تلا فيها القرآن، واختلفوا إذا لم يسمع الإمام فقال الجمهور: يلزمه الإنصات كما لو سمعه.
وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه ولو لغا الإمام ففي لزوم الإنصات قولان، وإذا بلغ في الخطبة إلى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء:43] الآية، صلى القوم ندبًا عند الشافعية جهرًا بلا مبالغة في رفع الصوت.
وقال الطحاوي: وجوبًا سرًا والذي عليه محققوهم أنهم ينصتون وإذا سمع صلاة الإمام على الرسول يصلي في نفسه، وعن أبي يوسف يصلون سرًا، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق وهذا في القريب من الإمام.
وأما البعيد فليس فيه رواية لكن المعتمد عندهم أنه كالقريب وكأن الحكم بن زهير من مشاهيرهم ينظر في الفقه كذا يؤخذ من العيني.
[1] لم يتضح الاسم في المخطوط بين (( جريح ) )أو (( جريج ) ).
[2] هكذا في الأصل ولم يفهم الاسم الأصل صفحة: (( 369/أ ) ).