فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 1465

ولما فرغ من بدء الوحي شرع يذكر جملة من أوصاف الموحى إليه فقال:

مما رويناه بالسند السابق:

7 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بفتح التحتية وتخفيف الميم بعدها ألف فنون، واسمه الحكم بفتح الحاء المهملة والكاف (ابْنُ نَافِعٍ) بنون فألف ففاء مكسورة فعين مهملة الحمصي البهراني نسبة على غير القياس إلى بهراء كحمراء اسم قبيلة، وإنما نسب إليها نسبة ولاء؛ لأنه مولى امرأة منها يقال لها: أم سلمة، روى عنه أحمد بن حنبل وطائفة منهم يحيى بن معين وأبو حاتم والذهلي.

ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، وتوفي سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين، وليس في الكتب الستة الحكم بن نافع غير هذا، وفي الرواة الحكم بن نافع آخر روى عنه الطبراني وهو قاضي القلزم، وللأصيلي وكريمة وأبي ذر وابن عساكر في نسخة: بدون كنية.

(قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة _ بالحاء المهملة والزاي _ دينار القرشي الأموي مولاهم أبو بشر الحمصي سمع خلقًا من التابعين منهم الزهري وعنه خلق وهو ثقة حافظ متقن، مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وستين ومائة وقد جاوز السبعين وهذا الاسم مع أبيه من إفراد الكتب الستة ليس فيها سواه.

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتصغير (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بالتكبير (ابْنِ عُتْبَةَ) بالعين المهملة والمثناة

ج 1 ص 111

الفوقية (ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) بفتح همزة أن (ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ، أَنَّ) بفتح الهمزة (أَبَا سُفْيَانَ) مثلث السين، ويكنى أيضًا بأبي حنظلة وهو صخر (بْنَ حَرْبٍ) بمهملة فراء ساكنة فموحدة ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي والد معاوية رضي الله عنهما ولد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح على يد العباس قبل دخول مكة، وشهد الطائف وحنينًا، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية؛ لأنه كان من المؤلفة ثم حسن إسلامه كما في (( التهذيب ) ).

وفقئت إحدى عينيه يوم الطائف، والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد نزل المدينة، ومات بها سنة إحدى وثلاثين وقيل: سنة أربع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

وأمه صفية بنت حزن _ بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبالنون _ ابن بجير وهي عمة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين روى عنه ابن عباس وابنه معاوية، وأبو سفيان في الصحابة جماعة لكن أبو سفيان بن حرب من الأفراد.

(أَخْبَرَهُ: أَنَّ) بفتح الهمزة (هِرَقْلَ) بكسر الهاء وفتح الراء كدمشق غير منصرف للعلمية والعجمة وحكى فيه هرقل كزبرج.

قال في (( الصحاح ) ): هرقل ملك الروم على وزن خندق ويقال أيضًا: هرقل على وزن دمشق انتهى.

ولم يذكر القزاز وكذا صاحب (( الموعب ) )إلا الذي على وزن زبرج، ولما أنشد صاحب (( المحكم ) )بيت لبيد بن ربيعة:

~غلب الليالي حلف آل محرق وكما فعلن بتبع وبهرقل

بكسر الهاء وسكون الراء، قال: أراد هرقلًا بفتح الراء فاضطر فغير، والهرقل المنخل ودل كلامه على أن تسكين الراء ضرورة وليست بلغة على خلاف ما مر عن (( الصحاح ) )ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.

وقد جاء في الشعر على المشهور أيضًا كقوله:

~كدينار الهرقلي أصفرا

قال العيني: واحتج بعضهم في تسكين الراء بما أنشده أبو الفرج لدعبل بن علي الخزاعي في أبي عباد وزير المأمون:

~أولى الأمور بضيعة وفساد أمر يدبره أبو عباد

~وكأنه من دير هرقل مفلت فرد يجر سلاسل الأقياد

قلت: لا يحتج بدعبل في مثل هذا، ولئن سلمنا يكون هذا أيضًا للضرورة انتهى.

أقول: يرد عليه ما تقدم عن (( الصحاح ) )وهرقل اسم علم وقيصر لقب له ولكل من ملك الروم وكان ملكه إحدى وثلاثين سنة، وفي مدة ملكه توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكما أن كل من ملك الروم يقال له: قيصر كذلك كل من ملك الفرس يقال له: كسرى، ويقال لمن ملك الترك خاقان والحبشة النجاشي والقبط فرعون ومصر العزيز وحمير تبع والهند دهمى والصين فغفور والزلخ غانه واليونان بطليموس، واليهود قطيون أو مالخ، والبربر جالوت، والصابئة نمروذ، واليمن تبعًا وفرغانة إخشيد، ويقال لمن ملك العرب من قبل العجم النعمان، ولمن ملك إفريقية جرجير، ولمن ملك خلاط شهريان، ولمن ملك السندفور والخزر رتبيل والنوبة كابل، والصقالبة ماجدا والأرمن تقفور، وخوارزم خوارزم شاه، وجرجان صول، وآذربيجان أصبهبذ، وطبرستان سالار، وإقليم خلاط شهرمان، ونيابة ملك الروم دَمَسْتق، وإسكندرية مقوقس.

وهرقل أول من ضرب الدنانير وأحدث البَيْعة يعني لأولاده.

قال العيني: فإن قلت ما معنى الحديث الصحيح: (( إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ) )؟.

قلت: معناه لا قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده في العراق، قاله الشافعي في (( المختصر ) )وسبب الحديث أن قريشًا كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارة في الجاهلية، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم أهل الشام، وأهل العراق بالإسلام فقال عليه الصلاة والسلام: (( لا قيصر ولا كسرى ) )أي: بعدهما في هذين الإقليمين، ولا ضرر عليكم فلم يكن قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق ولا يكون انتهى.

ج 1 ص 112

أقول: في هذا الجواب نظر؛ لأن كسرى الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم لما هلك تولى بعده كسرى آخر، ثم لما هلك تولى بعده آخر في العراق إلى زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعدتهم بكسرى الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم إلى انقراض ملكهم أربعة عشر ملكًا كما هو مسطور في كتب التاريخ عدد الشرافات التي سقطت من إيوان كسرى عند مولده صلى الله عليه وسلم، فلعل المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا كسرى بعده ) )أي: في القوة والتغلب فليتأمل.

وهذا الذي أطبق عليه الشراح من أن هرقل علم لملك مخصوص، وقيصر لقب لكل من ملك الشام نازع فيه ابن كمال باشا فقال نقلًا عن ابن خلكان في (( تاريخه ) ): وتفسير هرقل بالعربي ملك الملوك، وكل من ملك تلك الناحية لقبوه بهذا اللقب كما لقبوا كل من ملك بلاد فارس كسرى وملك الترك خاقان، وملك الروم قيصر، وملك الشام هرقل، وملك اليمن تبع، وملك الحبشة النجاشي انتهى.

ومن قال: هرقل اسم علم لصاحب حروب الشام ولقبه قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له قيصر كما أن من ملك فارس يسمى بكسرى، وملك الحبشة بالنجاشي، وملك الترك بخاقان، وملك القبط بفرعون، وملك مصر بالعزيز، وملك حمير بتبع ونحوه فقد أخطأ من وجوه:

أما الأول: فلما عرفت أن هرقل لقب ملك الشام لا اسم علم لقيصر ذلك الزمان ومن تتبع التواريخ وقف على أن هرقل صاحب الشام كان نائبًا لقيصر صاحب قسطنطينية، وهذا مما أخطأ فيه الجوهري أيضًا حيث قال: هرقل ملك الروم، وتبعه صاحب (( القاموس ) )حيث قال: هرقل ملك الروم أول من ضرب الدنانير، وأول من أحدث البيعة.

وأما الثاني: فلأن الفراعنة ملوك العمالقة بمصر، قال صاحب (( الكشف ) )في توجيه قول صاحب (( الكشاف ) ): وفرعون علم لمن ملك العمالقة هم من أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام، وسكان الشام منهم سموا بالجبابرة وملوكهم بمصر بالفراعنة فلم يرد بالعمالقة المستغرق انتهى.

وأما الثالث: فلأن العزيز ليس لقب ملك مصر، بل لقب خازنة، وقد عرفت أن لقب ملكه فرعون في زمن العمالقة، وكان العزيز الذي اشترى يوسف عليه السلام في زمن الفراعنة وقد كان يوسف عليه السلام ملقبًا بالعزيز بعد ما فوض إليه أمر الخزانة على موجب طلبه بقوله: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ أمين} وهذا كله ظاهر عند من تتبع التواريخ والتفاسير انتهى كلام ابن كمال باشا.

وقد وقع له سهو في تلاوة الآية الكريمة وصواب التلاوة: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55] .

(أَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي: إلى أبي سفيان حال كونه (فِي رَكْبٍ) أي: معهم كقوله تعالى: {ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ} [الأعراف:38] أي: معهم ويحتمل الظرفية المجازية، وإنما خصه لشرفه فيهم؛ لأنهم كبيرهم.

وجوز الكرماني وتبعه البرماوي أن يكون المعنى أرسل إليه في شأن الركب وطلبهم إليه، ورده ابن كمال باشا فقال: ولا يجوز أن يكون المعنى أرسل إليه في شأن الركب وطلبهم إليه؛ لأنه أيضًا مطلوب، ولا وجه لجعل طلبه تبعًا لطلبهم لما عرفت أنه متبوع انتهى.

والركب جمع راكب كصحب وصاحب وهم أولوا الإبل العشرة فما فوقها، كذا ذكره الحافظ تبعًا للكرماني، واعترض ذلك ابن كمال باشا بأن ركبًا اسم جمع لراكب لا جمع بدليل جواز تصغيره، ولو كان جمعًا لما صغر على لفظه بل كان يجب أن يرد إلى واحدة، وبأن الركب أصحاب الإبل العشرة فما فوقها في السفر قال: ومن أهمل قيد السفر، وقال: وهم أصحاب الإبل العشرة فما فوقها فقد سهى، وأما الركب بالضم فجمع ركاب وهي الرواحل انتهى.

ويمكن الجواب عنه بأن اسم الجمع كثيرًا ما يطلق عليه الجمع، وبأن قيد في السفر لم يذكره صاحب (( القاموس ) )في معنى الركب، وبتقدير اعتباره يكون مرادًا في عبارة من أطلق مسامحة.

قال في (( الفتح ) ): وكان عدد الركب ثلاثين رجلًا، رواه الحاكم في (( الإكليل ) )، ولابن السكن: نحو من عشرين، وسمى منهم المغيرة بن شعبة في (( مصنف ابن أبي شيبة ) )بسند مرسل، وفيه نظر؛ لأنه كان إذ ذاك

ج 1 ص 113

مسلمًا انتهى.

أي: فيبعد أن يكون حاضرًا ويسكت، ثم قال: ويحتمل أن يكون رجع حينئذ إلى قيصر ثم قدم المدينة مسلمًا.

وقد وقع ذكره أيضًا في أثر آخر في كتاب (( السير ) )لأبي إسحاق الفزاري، وكتاب (( الأموال ) )لأبي عبيد من طريق سعيد بن المسيب قال: (( كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر ) )الحديث.

وفيه: (( فلما قرأ قيصر الكتاب قال: هذا كتاب لم أسمع بمثله، ودعا أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة وكانا تاجرين هناك، فسأل عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )انتهى.

ولينظر ما معنى قوله، ويحتمل أن يكون رجع حينئذ إلى قيصر، ثم ورد المدينة مسلمًا فإن ظاهره يقتضي أنه ارتد بعد إسلامه فلم يكن مسلمًا حين اجتمع بقيصر، ثم عاد إلى الإسلام قبل دخوله المدينة وإلا فعوده إلى قيصر مسلمًا لا يرفع الإشكال، ولا يحصل به الجمع، وهذا احتمال بعيد جدًا يصد عنه ما يأتي في هذا الحديث، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب فليتأمل.

وقال العيني: إسلامه لا ينافي مرافقتهم وهم كفار إلى دار الحرب انتهى.

واستبعد ذلك ابن الملقن فقال: يبعد أن يكون حاضرًا وهو مسلم ويسكت؛ لأن الكتاب كان في مدة المهادنة انتهى.

أقول: مجرد الاستبعاد لا ترد به الرواية، ولاسيما بعد ما تقوت بأمر آخر كما ذكره في (( الفتح ) )إذ يحتمل أن يكون سكوته خوفًا؛ لأنه لم يكن ثم مسلم غيره فليتأمل.

وقوله: (مِنْ قُرَيْشٍ) صفة لركب ومن للتبعيض، ويبعد جعلها للبيان؛ لأن الركب ليسوا قريشًا بل بعضهم، وقريش تصغير قرش وهم عند الجمهور ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسمه عامر دون سائر ولد كنانة وهم مالك، وملكان، ومويلك، وغزوان، وعمرو، وعامر أخوة النضر لأبيه وأمه، وأمهم مرة بنتُ مر أخت تميم بن مر، وهذا قول الشعبي وابن هشام وأبي عبيدة معمر بن المثنى وهو الذي ذكره الجوهري، ورجحه السمعاني وغيره.

قال النووي: وهو قول الجمهور، وقال الرافعي: قال الأستاذ أبو منصور: هو قول أكثر النسابين، وبه قال الشافعي وأصحابه وهو أصح ما قيل، وقيل: إن قريشًا بنو فهر بن مالك، وفهر جماع قريش ولا يقال لمن فوقه قرشي، وإنما يقال له كناني، ورجحه الزبير بن بكار وحكاه عن عمه مصعب بن عبد الله قال: وهذا قول من أدركت من نساب قريش ونحن أعلم بأمورنا وأنسابنا.

وذكر الرافعي وجهين غريبين قال: ومنهم من قال هم ولد إلياس بن مضر، ومنهم من قال هم أولاد مضر بن نزار.

وفي (( العباب ) ): قريش قبيلة وأبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون ولد كنانة ومن فوقه.

وقال قوم: سميت قريش بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عيرهم وكانوا يقولون: قدمت عير قريش وخرجت عير قريش.

قال الصغاني: ذكر إبراهيم الحربي في (( غريب الحديث ) )من تأليفه في تسمية قريش قريشًا سبعة أقوال، وبسط الكلام وأنا أجمع ذلك مختصرًا فقال: سأل عبد الملك أباه عن ذلك فقال لتجمعهم إلى الحرم.

والثاني: أنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها.

والثالث: أنه جاء النضر بن كنانة في ثوب له يعني اجتمع في ثوبه.

والرابع: قالوا: جاء إلى قومه فقالوا: كأنه جمل قريش؛ أي: شديد.

والخامس: أن ابن عباس سأله عمرو بن العاص رضي الله عنهم بم سميت قريش فقال: بدابة في البحر تسمى قريشًا.

والسادس: قال عبد الملك بن مروان: سمعت أن قصيًا كان يقال له القرشي لم يسم قرشي قبله.

والسابع: قال معروف بن جرمود: سميت قريشًا؛ لأنهم كانوا يفتشون الحاج عن خلتهم فيسدونها انتهى من (( عمدة القاري ) ).

وقيل: من القرش وهو الكسب؛ لأنهم كانوا أهل كسب وتجارة، وقيل غير ذلك، وقريش مصروف إن أردت به الحي وإن أردت به القبيلة منعته

ج 1 ص 114

من الصرف والأكثر صرفه قال تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش:1] والنسبة إليه قرشي بحذف الياء، وقريشي بإثباتها وعليه قوله:

~بكل قريشي عليه مهابة

(وَكَانُوا تُجَّارًا) جملة حالية بتقدير قد، أو معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وهما قوله أرسل إليه فأتوه.

وتجارًا _ بضم الفوقية وتشديد الجيم وبكسرها وتخفيف الجيم _ جمع تاجر، والثاني في الفرع وأصله ويجمع أيضًا على تجر كصاحب وصحب.

وقوله: (بِالشَّأمِ) في موضع نصب نعتًا لتجارًا، ويجوز أن يكون خبرًا ثانيًا لكان.

وقال ابن كمال باشا: بالشام متعلق بتجارًا، ويجوز أن يكون متعلقًا بكانوا، والأول أولى؛ لأن معنى تجارتهم بالشام يفيد معنى كونهم فيه بدون العكس فهو أوفر معنى مع كونه أقرب لفظًا انتهى.

ولا يخفى ما فيه من البعد لأن تجارًا غلبت عليه الاسمية، ولأنه يتوجه على قوله لأن معنى تجارتهم بالشام يفيد معنى كونهم فيه منع ظاهر إذ لا يلزم من كون تجارة تخص في بلد كونه فيها.

والشام قال في (( المصابيح ) ): إقليم معروف يقال: مهموزًا ومسهلًا، وزاد أبو الحسين بن سراج شآم بهمزة ممدودة، قال القاضي: وأباه أكثرهم فيه إلا في النسب انتهى.

وقال ابن كمال باشا: الشأم بفتح أوله وسكون همزته وتفتح همزته مثل نهر ونهَر لغتان ولا يمد، وفيه لغة ثالثة وهي الشام بغير همزة، هكذا يزعم اللغويون وقد جاءت في شعر قديم ممدودة وهي تذكر وتؤنث انتهى.

وفي كلامه نظر من وجهين:

الأول: أن تحريك الهمزة في شأَم غير ثابت، ولم يعزه إلى شيء من كتب اللغة، ولا أورد عليه شاهدًا من كلام من يحتج به وقد راجعت (( الصحاح ) (( القاموس ) )فلم أجده فيهما.

الثاني: جعله الشام بغير همزة لغة ثالثة مع أنها لغة من همز غير أن الهمزة قلبت ألفًا فكما لا يقال في رأس بالألف إنه لغة في رأس بالهمز كذلك لا يقال في شام بالألف أنها لغة في شأم بالهمز اللهم إلا أن يكون مَن تلفظَ بها من العرب مهموزة لا يتلفظ بها بدون الهمز وبالعكس فحينئذ يثبت تعدد اللغات فيها.

وفي (( عمدة القاري ) ): والنسبة إليه شامي وشآم بالمد على فعال، وشآمي بالمد والتشديد حكاها الجوهري عن سيبويه، وأنكرها غيره لأن الألف عوض من ياء النسب فلا يجمع بينهما سمي بشامات هناك حمر وسود.

وقال الرشاطي: الشام جمع شامة سميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها ببعض فشبهت بالشامات.

وقيل سميت بسام بن نوح عليه السلام وذلك لأنه أول من نزلها فجعلت السين شينًا.

وقال أبو عبيد: لم يدخلها سام بن نوح قط.

وقال أبو بكر بن الأنباري: يجوز أن يكون مأخوذًا من اليد الشومى وهي اليسرى لكونها من يسار الكعبة، وحد الشام طولًا من العريش إلى الفرات، وقيل: إلى بالس.

وقال ابن حبان في (( صحيحه ) ): أول الشام بالس وآخره العريش، وأما حده عرضًا فمن جبل طي من نحو القبلة إلى بحر الروم وما يسامت ذلك من البلاد، ودخله النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها، ودخله أيضًا عشرة آلاف صحابي، قاله ابن عساكر في (( تاريخه ) ).

قال الكرماني: دخله نبينا عليه السلام مرتين قبل النبوة مرة مع عمه أبي طالب وهو ابن ثنتي عشرة سنة حتى بلغ بصرى وهو حين لقيه الراهب والتمس الرد إلى مكة، ومرة في تجارة لخَديجة رضي الله تعالى عنها إلى سوق بصرى وهو ابن خمس وعشرين سنة ومرتين بعد النبوة إحداهما ليلة أسري به وهو من مكة، والثانية في غزوة تبوك وهو من المدينة انتهى.

(فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ) بتشديد الدال فعل ماض من المفاعلة، وأصله مادد فأدغم أحد المثلين في الآخر يقال: مادّ الغريمان إذا اتفقا على أجل للدين وضربا له زمانًا وأصله من المدة (فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ) زاد الأصيلي: (وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ) بالنصب عطفًا على أبا سفيان.

قال العيني: ويجوز أن يكون مفعولًا معه، والمدة المذكورة هي مدة

ج 1 ص 115

صلح الحديبية سنة ست ماد فيه قريشًا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين على شروط وعهود ثم نقضوا العهد سنة ثمان فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم وفتح مكة على ما هو مفصل في كتب السير (فَأَتَوْهُ) ؛ أي: أتوا بابه على التجوز يدل على ذلك قوله: فدعاهم فإنه لو كان الإتيان إياه على حقيقته لما صح تعقيبه بالدعوة، قاله ابن كمال باشا.

قال الكرماني: الفاء فيه فصيحة إذ تقدير الكلام أرسل إليه في طلب إتيان الركب إليه فجاء الرسول فطلب إتيانهم فأتوه ونحوه قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ} [البقرة:60] ؛ أي: فضرب فانفجرت انتهى.

وتبعه على ذلك الحافظ بن حجر.

وقال ابن كمال باشا: هذه الفاء سببية لا فصيحة، ونص عبارته: أن هرقل أرسل إليه؛ أي: دعاه، وهذا بطريق الكناية، ووجه الكناية ظاهر وكذا ما فيها من الإيجاز البليغ وإن خفي على من قال تقدير الكلام أرسل إليه في طلب إتيان الركب إليه فجاءه الرسول فطلب إتيانهم فأتوه ثم إنه اكتفى بدعوته عن دعوة من معه لكونه مقتدى ومتبوعًا لهم، أو اكتفى الراوي بذكر دعوته عن ذكر دعوتهم لما ذكر، وبالجملة فكلهم مدعوون على ما يفهم من تفريع قوله فأتوه على الدعوة المذكورة وتلك الفاء سببية لا فصيحة كما توهم لما عرفت أنه لا محذوف في الكلام، وما زعمه للتوهم من أن هنا جملًا محذوفة وهم منشؤه سوء الفهم، فإن ما ذكره تفصيل لإجمال الدعوة المذكورة بقوله: أرسل إليه بطريق الكناية فهو من قبيل تصوير المعنى لا من قبيل تقدير اللفظ، وشرط كون الفاء فصيحة هو أن تكون مَبنيّة على التقدير مُنبئة عن المحذوف.

قال الفاضل الرازي في (( شرح الكشاف ) ): الفاء الفصيحة هي التي تدل على أن ما بعدها متعلق بمحذوف هو سبب لما بعدها فالفاء التي ما قبلها يكون سببًا لما بعدها إن كان ما قبلها محذوفًا فهي الفصيحة وإلا فهي السببية لا غير انتهى.

(وَهُمْ) بضمير الجمع وللأصيلي والكشميهني بالإفراد على مقتضى الظاهر (بِإِيلِيَاءَ) بهمزة مكسورة فمثناتين آخر الحروف أولهما ساكنة بينهما لام آخره ألف مهموزة بوزن كبرياء، وإيليا بالقصر حكاها البكري، وإلْيا بحذف الياء الأولى وسكون اللام.

وقال البرماوي: إلياء بوزن إعطاء وإيلاء مثله، لكن بتقديم الياء على اللام حكاها النووي واستغربها، وإيليّا بتشديد الثانية والقصر، حكاها البرماوي عن (( جامع الأصول ) ).

قال القسطلاني: ورأيتها في (( النهاية ) )والإيلياء بالألف واللام، كذا نقلها النووي في (( شرح مسلم ) )عن (( مسند أبي يعلى ) )الموصلي واستغربها، وقيل: معنى الجميع في لغتهم بيت الله والمراد بها بيت المقدس.

قال في (( الفتح ) ): وفي الجهاد عند المؤلف أن هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرًا لله تعالى.

زاد ابن إسحاق عن الزهري: أنه كان تبسط له البسط، وتوضع عليها الرياحين فيمشي، ونحوه لأحمد من حديث ابن أخي الزهري عن عمه، وكان سبب ذلك ما رواه الطبري وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة ملخصها أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل، فخربوا كثيرًا من بلاده، ثم استبطأ كسرى أميره فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره على ذلك فباطن هرقل واصطلح معه على كسرى وانهزم عنه بجيوش فارس، فمشى هرقل إلى بيت المقدس شكرًا لله تعالى على ذلك.

واسم الأمير المذكور شهر براز واسم الأمير الذي أراد كسرى تأميره فرّخان انتهى.

(فَدَعَاهُمْ) أي: فطلب هرقل أبا سفيان ومن معه (فِي مَجْلِسِهِ) أي: حال كونه في مجلسه وللمصنف في الجهاد: (( فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج ) ).

قال الكرماني: فإن قلت الدعاء يستعمل بإلى نحو: {يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} [يونس:25] فالمناسب فدعاهم إلى مجلسه.

قلت: في ليست صلة الدعاء إذ المراد دعاهم حال كونه في مجلسه؛ أي: محل

ج 1 ص 116

حكمه لإحالة كونه في الخلوة أو في الحرم ونحوه انتهى.

وناقشه ابن كمال باشا في ذلك، وزعم أن هذه النكتة لا تتوقف على كون في ليست صلة لدعاء، وعبارته أراد دعوتهم من خارج الباب إلى داخل مجلسه، وإنما قال في مجلسه دون إلى مجلسه مع أن تعدية دعا بإلى تنبيهًا على أن تلك الدعوة كانت منه حال كونه مستقرًا في مجلس حكومته على أبّهة الجلال كما هو شأن الملوك عند دخول الوفود عليهم، ويرشد إلى ذلك قوله: وحوله عظماء الروم، وقد صرح بذلك ما وقع في بعض الكتب من قوله: دعاهم وهو جالس في مجلس ملكه عليه التاج، ومن قال في ليست صلة للدعاء إذ المراد دعاهم حال كونه في مجلسه؛ أي: محل حكمه ... إلخ فكأنه زعم أن لخصوصية في ولعدم كونها صلة مدخلًا في إفادة ما ذكر من المراد، وليس الأمر كما زعمه فإنه لو قيل فدعاهم إلى مجلسه لكانت الدلالة على ما ذكر حاصلة كما لا يخفى انتهى.

أقول: في هذا الكلام نظر لا يخفى فإنه جعل مبنى هذه النكتة على التعبير بفي دون إلى حيث قال: وإنما قال في مجلسه دون إلى مجلسه ... إلخ وهذا عين ما قاله الكرماني فقوله بعد ذلك في الرد عليه، فإنه لو قيل فدعاهم إلى مجلسه ينقض ذلك المبنى فانظر كيف أوقعه الشغف بالرد على الكرماني في التدافع في كلامه كما لا يخفى على المنصف.

(وَحَوْلَهُ) منصوب على الظرفية خبر مقدم لقوله (عُظَمَاءُ الرُّومِ) وحول الشيء دائرته من حال الحول دار.

قال الجوهري: يقال: قعدوا حوله وحواله، وحوليه وحواليه، ولا تقل حواليه بالكسر انتهى فهي أربع لغات.

والعظماء جمع عظيم ككريم وكرماء، قال بعضهم: ولا يجمع على عظام، وإنما هو جمع عظم.

والروم قال في (( التهذيب ) ): جيل من الناس معروف كالعرب والفرس والزنج وهم الذين يسمونهم أهل هذه البلاد الإفرنج انتهى.

وقال الجوهري: هم من ولد الروم بن عيصو يقال: رومي وروم مثل زنجي وزنج فليس بين الواحد والجمع إلا الياء المشددة كما قالوا: تمرة وتمر فلم يكن بين الواحد والجمع إلا الهاء انتهى.

ودخل في الروم طوائف من العرب تنصروا من تنوخ وبهراء وغسان وغيرهم كانوا بالشام فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم فاستوطنوها فاختلطت أنسابهم، وعند ابن السكن وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان.

(ثُمَّ دَعَاهُمْ) عطف على قوله: فدعاهم وليس هذا تكرارًا؛ لأنه أولًا دعاهم بأن أمر بإحضارهم من الموضع الذي كانوا فيه، فلما حضروا استؤذن لهم فأمهلهم بُرْهة من الزمان على عادة الملوك لتأخذهم روعة الملك وأبهته كي يعظم في أعينهم فلا يتحاسروا أن يخبروا بخلاف الواقع عنده فلفظة ثم للتراخي بين الدعوتين ويحتمل أن تكون للتفاوت بينهما في الرتبة، فإن رتبة الدعاء الأول منحطة عن رتبة الدعاء الثاني إذ الأول كان لبابه والثاني كان لمجلسه.

(وَدَعَا تَرْجُمَانِهِ) معطوف بالواو التي هي لمطلق الجمع فدعاؤه له صادق بأن يكون معهم أو قبلهم أو بعدهم، وللأصيلي وأبي الوقت: ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بزيادة الباء في المفعول للتأكيد كقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] أو بتضمين دعاء معنى استعان.

والترجمة _ بفتح التاء والجيم _ التعبير بلغة عن لغة أخرى، يقال منه: ترجم يترجم ترجمة فهو مترجم وهو الترجمان _ بضم التاء وفتحها _ لغتان، والجيم مضمومة فيهما؛ وفي: الفتح ويجوز ضم التاء اتباعًا ورجحه النووي.

وفي (( شرح مسلم ) ): ويجوز فتح الجيم مع فتح أوله حكاه الجوهري ولم يصرحوا بالرابعة وهي ضم أوله وفتح الجيم انتهى.

والتاء في هذه اللفظة أصلية ليست بزائدة والكلمة رباعية.

قال ابن كمال باشا: وغلطوا الجوهري في جعله التاء زائدة، وذكره الكلمة في فصل رجم، كذا في (( التهذيب ) )انتهى.

وقال في (( المصابيح ) ): الترجمان هو المفسر لغة بلغة أخرى لمن لا يفهمها، وقال ابن الصلاح: ليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبر عما ذكر بعده، وقد كان أبو حمزة يترجم بين يدي ابن عباس ومحمله على أنه كان يترجم عنه إلى من خفي عليه الكلام من الناس لزحام أو اختصار، قيل: هو معرب، وقيل: عربي انتهى.

ج 1 ص 117

وفي كتاب التفسير من هذا الكتاب أنه دعا الترجمان بعد أن دعاهم، وكلمهم بعض كلمات وهو غير مناف لما هنا لما تقدم أنه معطوف بالواو التي هي لمطلق الجمع.

قال القسطلاني: ولم يسم الترجمان.

(فَقَالَ) أي: الترجمان والفاء فصيحة؛ أي: فقال هرقل للترجمان قل لهم أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل فقال ... إلخ، قاله الكرماني، وتبعه البرماوي، وشيخ الإسلام، وكذا الحافظ بن حجر.

ورده ابن كمال باشا فقال: القائل هرقل لا الترجمان يدل على ذلك رواية كتاب التفسير حيث قال: فقال أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان فقلت: أنا فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا بترجمانه.

فقوله: (( ثم دعا بترجمانه ) )صريح في أن الخطاب المذكور لم يكن بواسطة الترجمان ممن قال قوله فقال؛ أي: الترجمان والفاء أيضًا فصيحة؛ أي: فقال للترجمان قل أيكم أقرب فقال الترجمان فقد أخطأ انتهى.

أقول: إذا كان هذا الكلام صادرًا من هرقل بدون توسط الترجمان يكون عارفًا باللغة العربية فلا حاجة به إلى الترجمان، ويبعد أن تكون معرفته مقصورة على هذا التركيب، وفهم جوابه ورواية كتاب التفسير يمكن تأويلها بأن ثم فيها لترتيب الأخبار كقولك: أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب فتوافق ظاهر ما هنا، ويحصل به السلامة عن ارتكاب تخطئة هؤلاء المحققين من الشراح.

(أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ) قال ابن كمال باشا: إنما قال بهذا ولم يقل بذلك قصدًا إلى التحقير فإنه مما يذكر في مقام التحقير كما في قوله تعالى حكاية عن الكفار: {مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا} [المدثر:31] وفي موضع آخر: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا} [الفرقان:41] ويدل لذلك قوله: يزعم فإنه كالعلم في الباطل حتى قالوا: زعموا مطية الكذب انتهى.

والباء بمعنى من كقوله:

~شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نيج

ونيابة حروف الجر بعضها عن بعض مذهب متبع وإن كان كوفيًا أو على تضمين أقرب معنى فعل يتعدى بالباء كالصف.

وقال في (( الفتح ) ): وقوله: بهذا الرجل ضمن أقرب معنى أبعد فعداه بالباء انتهى.

وتبعه على ذلك القسطلاني وهو من البعد بمكان؛ لأن الفعل إنما يضمن معنى فعل يناسبه لا معنى فعل يضاده.

فإن قلت: لعله أراد بقوله ضمن أقرب معنى أبعد؛ أي: حمل عليه والضد قد يحمل على الضد كما يحمل النظير على النظير.

قلت: لو كان أبعد يتعدى بالباء لأمكن ذلك لكنه لا يتعدى بها لا يقال فلان أبعد بفلان وإنما يقال أبعد منه.

والعجب من العيني مع حرصه على مناقشته كيف سكت هنا، ووقع في رواية مسلم كالمؤلف في تفسير آل عمران من هذا الرجل على الأصل وهو مؤيد لكون الباء بمعنى من؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا، وفي الجهاد إلى هذا الرجل ولا إشكال فيها أيضًا؛ لأن أقرب يتعدى بإلى قال تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} [الواقعة:85] وجعل ابن كمال باشا هذه الباء زائدة لتقوية العامل وهو أقرب؛ لأنه متعد بنفسه، وعبارته أقرب أفعل من القرب وهو يحتمل أن يكون في المكان وأن يكون في المنزلة وأن يكون في الرحم فقال: نسبًا تمييزًا وتعيينًا لما هو المراد منها، ثم إن القريب إذا كان من القرب المكاني يتعدى بمن كما في قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] وإذا كان من القرب في الرحم يتعدى بنفسه يقال: هو قريبي.

قال الجوهري: تقول هذه امرأة قريبتي؛ أي: ذات قرابتي وزيادة الباء في قوله بهذا لتقوية تعديته لوقوع الفصل بينه وبين متعلقه وبما قررناه تبين فساد زعم من قال إن معنى القرب لابد وأن يكون من شيء فأين صلته، ثم أجاب عنه بأنه محذوف وتقديره أيكم أقرب من النبي عليه السلام من غيره انتهى.

ومراده بمن قال الكرماني ثم قال: فإن قلت: إن أفعل التفضيل لابد له من أحد الأمور الثلاثة الإضافة واللام ومن ولم يوجد هاهنا واحد منها.

قلت: من مقدرة هاهنا كما في قوله تعالى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه:7] ؛ أي: وأخفى من السر وعلى ذلك قولك الله أكبر؛ أي: أكبر من كل شيء، كذا في (( المغرب ) ).

وقال الإمام المرزوقي: أفعل

ج 1 ص 118

الذي يتم بمن يحذف منه من في باب الخبر دون الوصف وصاغ ذلك فيه؛ لأن الخبر كما يجوز حذفه بأسره لقيام الدلالة عليه فيجوز حذف بعضه أيضًا له انتهى.

(الَّذِي يَزْعُمُ) وعند ابن إسحاق عن الزهري يدعي (أَنَّهُ نَبِيٌّ؟) بفتح الهمزة وأنّ ومعمولاها سادة مسدة مفعولي يزعم عند سيبويه، وعند الأخفش مفعول يزعم الثاني مقدر وعبر بالزعم؛ لأنه غير مصدق بنبوته؛ لأن الوارد وبعد الزعم وما يشتق منه كلام غير موثوق به.

قال في (( الفتح ) ): وإنما خص هرقل الأقرب؛ لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره؛ ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في النسب بخلاف الأقرب، وظهر ذلك في سؤاله بعد ذلك: كيف نسبه فيكم؟ انتهى.

وفي (( المصابيح ) ): قال ابن بطال: وفيه دليل على أن أقارب الإنسان أولى بالسؤال عنه من غيرهم من أجل أنه لا ينسب إلى قريبه ما يلحقه به عار في نسبه عند العداوة كما يفعل غير القريب.

قلت: يا عجبًا للاستدلال بقول هرقل على أمر مشروع مع أنه من الكفار، وأيضًا فقد يعارض ما ذكره بأن القريب منهم في الإخبار عن نسب قريبه بما يقتضي شرفًا وفخرًا ولو كان عدوًا له لدخوله في شرف النسب الجامع لهما.

قال ابن المنيّر بعد حكايته كلام ابن بطال: وأيضًا فإن الأقرب أخبر من الأجانب، ولهذا لا تقبل تزكية البعيد وتقبل تزكية القريب المصاحب إما في نسب أو جوار أو معيشة، وهذا وإن كان من تصرف هرقل وهرقل كافر فهو مما صوبه حملة الشريعة وحسنوه، واستدلوا به على سداد سياسة هرقل ودقة نظره.

قلت: لا يلزم من تحسينهم لذلك وتصويبهم له جعله دليلًا لهذا الحكم إنما الدليل ما نصبه الشارع دليلًا، وموافقة شخص من الكفرة برأيه ونظره لذلك الحكم الذي قام الدليل الشرعي عليه لا يقتضي جعل كلام ذلك الكافر دليلًا هذا ما لا سبيل إليه أصلًا.

قال ابن الملقن: وفيه تقديم صاحب الحسب في أمور المسلمين ومهمات الدين والدنيا.

قلت: وفيه من الإشكال ما مر انتهى.

أقول: يمكن الجواب عن ذلك بأن هرقل كان نصرانيًا بلا شبهة، والظاهر أنه إنما تكلم بذلك عن شريعته وهي ملة عيسى، وقد صرح علماؤنا بأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا قص علينا من غير إنكار، والظاهر أن قصة هرقل بلغت النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر منها شيئًا إلا أن ذلك لا يقول به الدماميني؛ لأنه مالكي لكنه يكفي جوابًا عن هؤلاء الأئمة فليتأمل.

(فَقَالَ) بالفاء ولأبي الوقت وابن عساكر والأصيلي: بإسقاطها (أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ) وفي رواية كما في اليونينية بغير رقم: بزيادة فاء (أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا) وللأصيلي كما في الفرع كأصله: ؛ أي: من حيث النسب.

وإنما كان أبو سفيان أقرب؛ لأنه يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف فرسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن ثم قال أبو سفيان: وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري.

وقد أوضح المصنف ذلك في الجهاد بقوله: قال ما قرابتك منه؟ قال: هو ابن عمي، وفي رواية ابن السكن هنا: (( فقالوا هذا أقربنا منه نسبًا هو ابن عمه أخي أبيه ) )وإنما أطلقوا عليه ابن عم؛ لأنهم نزلوا كلًا منهما منزلة جده مسامحة.

(فَقَالَ) أي: هرقل وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر عن الحموي: بلا فاء (أَدْنُوهُ مِنِّي) بهمزة قطع مفتوحة من الإدناء وهو التقريب، وإنما فعل ذلك ليمعن في السؤال ولتأخذ أبا سفيان المهابة فلا يتمكن من تغيير صورة الحال.

(وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ) لم يقل وأدنوهم تفننًا في التعبير، والأصحاب جمع صَحِبٍ مخفف صاحب كثمر وأثمار، قاله سعد الدين التفتازاني في (( شرحه على خطبة التلخيص ) ).

وقال ابن كمال باشا: جمع صحب بالسكون كفرخ وأفراخ، وفيه نظر لأن فعلًا بالسكون لا يجمع على أفعال قياسًا كما لا يجمع فاعل عليه أيضًا.

(فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ) بيان للمراد من تقريب أصحابه فالفاء تفسيرية، وإنما أمر بذلك ليسهل عليهم تكذيبه إن كذب فيما أخبر به فإن المقابلة بالتكذيب لا تخلو عن صعوبة.

(ثُمَّ قَالَ) أي: هرقل (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ) أي: لأصحاب أبي سفيان (إِنِّي سَائِلٌ هَذَا) يعني أبا سفيان (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ) يعني النبي صلى الله عليه وسلم (فَإِنْ كَذَبَنِي) بالتخفيف؛ أي: نقل إلي الكذب، كذا قال الكرماني وتبعه الحافظ ابن حجر والعيني.

وقال ابن كمال باشا:؛ أي: أخبرني بما هو

ج 1 ص 119

خلاف الواقع ومن قال؛ أي: نقل إلى الكذب فقد أخطأ؛ لأن النقل لا يناسب المقام وإن نقل الكذب ليس بكذب انتهى.

ويمكن الجواب عن الكرماني ومن تابعه بأنه ليس المراد بنقل الكذب نقله من أحد حتى لا يكون الناقل كاذبًا، بل المراد نقل شيء من صفاته وشمائله صلى الله عليه وسلم على خلاف ما هو عليه فيكون قد أخبره بخلاف الواقع وصدق الخبر مطابقته للواقع وكذبه عدمها فليتأمل.

وكذب يتعدى إلى مفعولين، ومفعوله الثاني محذوف تقديره الحديث بخلاف كذب بالتشديد.

فقوله: (فَكَذِّبُوهُ) بالتشديد فعل أمر من التكذيب متعد لمفعول واحد وهو الضمير، قال التيمي: كذب يتعدى إلى مفعولين يقال: كذبني الحديث ونظيره صدق قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} [الفتح:27] وهما من غرائب الألفاظ، ففعل بالتشديد يقتصر على مفعول واحد، وفعل بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين انتهى.

قال الكرماني: ولفظ لكذبت عنه يجوز أن يكون منهما، ومعناه إن كذب لا تستحيوا منه فتسكتوا عن تكذيبه بل كذبوه انتهى.

(قال) أي: أبو سفيان، قال في (( الفتح ) ): وسقط لفظ: من رواية كريمة وأبي الوقت فأشكل ظاهره وبإثباته يزول الإشكال انتهى.

قال القسطلاني: وكذا هي ساقطة من اليونينية مطلقًا.

وقال ابن كمال باشا: وحذف القول كثير في الحديث والقرآن ومنه: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الصف:6] أي: قلنا يا بني إسرائيل ذكره الزمخشري في تفسير سورة الشعراء انتهى.

وبتقديره يندفع الإشكال الذي ذكره الحافظ، ولذا قال: فأشكل ظاهره إذ لا إشكال في الحقيقة مع التقدير والإشكال على حذفها ينشأ من توهم أن فوالله ... إلخ من كلام الترجمان.

(فَوَ اللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ) وفي نسخة كريمة: والخبر عليهما محذوف؛ أي: موجود أو حاصل عندي.

قال ابن كمال باشا: والفاء فصيحة؛ لأن تقدير الكلام لما كان الأمر كذلك استحيت.

(مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا) بضم المثلثة وكسرها، يقال: آثرت الحديث آثره إذا ذكرته عن غيرك، ومنه قيل حديث مأثور؛ أي: ينقله خلف عن سلف، كذا في (( الصحاح ) )وعلى بمعنى عن كما في قوله:

~إذا رضيت علي بنو قشير

لأن أثر بمعنى نقل يتعدى بعن.

وقال ابن كمال باشا: تعديته بعلى إنما هو باعتبار ما في رواية الكذب عنه من معنى الضرر والضمير في يأثروا راجع لأصحابه.

(لَكَذَبْتُ عَنْهُ) تعديته بعن باعتبار تضمينه معنى الإخبار؛ أي: لأخبرت عنه؛ أي: عما سأل عنه كاذبًا، ولأبوي الوقت وذر عن الحموي: .

قال في (( الفتح ) ): وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما لأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف، وفي قوله: يأثروا دون أن يقول يكذبوا دليل على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك ولفظه: (( فوالله لو قد كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرأ سيدًا أتكرم عن الكذب وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبت أن يحفظوا ذلك عني ثم يتحدثوا به فلم أكذبه ) ).

وزاد ابن إسحاق في روايته: (( قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف يعني هرقل ) )انتهى.

وقال الكرماني: قيل هذا دليل لمن يدعي أن قبح الكذب عقلي.

وأقول: لا يلزم منه لجواز أن يكون قبحه بحسب العرف أو مستفادًا من الشرع السابق انتهى.

قال ابن كمال باشا: وجه الدلالة أن قوله هذا صريح في أن العرب كانوا يعيبون بالكذب في زمان الجاهلية يعني حال كونهم غير كتابيين فلا احتمال حينئذ أن يكون معنى تعييبهم القبح الشرعي فتعين العقلي إذ لا معنى بالقبح العقلي إلا ما يعتقده العقلاء غير مقلدين فيه للشرع

ج 1 ص 120

فاندفع ما قيل لا يلزم منه ذلك لجواز أن يكون قبحه بحسب العرف أو مستفادًا من الشرع السابق انتهى.

(ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟) قال الكرماني: أول بالرفع اسم كان وخبره أن قال قالوا: ويجوز العكس وبه جاءت الرواية.

قال ابن كمال باشا: والأول أولى؛ لأن المناسب للمقام الإخبار عن أول سؤاله بأنه القول المذكور لا الإخبار عن القول المذكور بأنه أول سؤاله كما لا يخفى انتهى.

وفيه نظر إذ كيف يكون أولى مع مخالفته للرواية، فلعل الأولوية بالنظر إلى جهة العربية بقطع النظر عن الرواية.

قال العيني: وجاء النصب؛ أي: في أول ووجهه أن يكون خبرًا لكان، فإن قلت: أين اسم كان على هذا التقدير وما وقع قوله أن قال؟.

قلت: يجوز أن يكون اسم كان ضمير الشأن، ويكون قوله أن قال بدلًا من قوله ما سألني عنه، أو يكون التقدير بأن قال؛ أي: بقوله انتهى.

وفيه نظر لأن خبر ضمير الشأن لا يكون مفردًا فلو كان اسمها ضمير شأن لوجب رفع أول خبرًا مقدمًا، وإن قال مبتدأ مؤخرًا أو بالعكس والجملة خبر ضمير الشأن كقوله:

~إذا مت كان الناس صنفان شامت فآخر مئن بالذي كنت فاعله

وفي (( المصابيح ) ): قال الزركشي: يجوز نصبه ورفعه قلت: هذا على إطلاقه لا يصح وإنما الصواب التفصيل فإن جعلنا ما نكرة بمعنى شيء تعين نصبه على الخبرية، وذلك لأن إن قال مؤول بمصدر معرفة، بل قال ابن هشام: إنهم حكموا له بحكم الضمير فإذن يتعين أن يكون هو اسم كان، وأول ما سألني هو الخبر ضرورة أنه متى اختلف الاسمان تعريفًا وتنكيرًا فالمعرف الاسم والمنكر الخبر، ولا يعكس إلا في الضرورة وإن جعلناها موصولة جاز الأمران لكن المختار جعل أن قال هو الاسم لكونه أعرف انتهى وهذا كلام في غاية التحرير.

ومعنى قوله: (( كيف نسبه فيكم ) )أي: أهو من أشرافكم أم لا؟ فلذا قال أبو سفيان: (قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ) أي: صاحب نسب عظيم فالتنوين فيه للتعظيم.

قال في (( الفتح ) ): وأشكل هذا على بعض الشارحين وهذا وجهه، وجعله في (( المصابيح ) )من حذف الصفة على حد قوله تعالى: {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79] أي: صالحة فقال: ذو نسب؛ أي: شريف ليصح كون هذا جوابًا عن قوله كيف نسبه فيكم انتهى.

(قَالَ) أي: هرقل (فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ) أي: من قريش (أَحَدٌ قَطُّ) قال ابن كمال باشا: بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاء في الضم، وقد تخفف طاؤه مع ضمها وإسكانها، ويختص بالنفي يقال: ما فعلته قط والاستفهام له حكم النفي فيه، وأصل وضعه لاستيعاب الأزمنة الماضية إلا أنه قد يستعمل لاستيعاب الأزمنة المستقبلة مجازًا كما في قول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا} [الزمر:8] لا يصح له ند قط، وقد يستعمل لتأكيد عموم الإفراد كما في قول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة:73] المعنى: وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية.

وقال الفاضل التفتازاني في شرحه لـ (( الكشاف ) ): قد جرت عادته باستعمال قط لتأكيد الإفراد وإن كان وضعه لاستغراق الماضي وعمومه انتهى.

فالقائل بأنه لا يستعمل إلا في الماضي أراد بالاستعمال الاستعمال بطريق الحقيقة فلا ينافيه ثبوت الاستعمال في غيره مجازًا، وقوله: (قَبْلَهُ؟) ظرف لقال أو صفة لأحد، وللأصيلي والكشميهني وكريمة وابن عساكر: بدل (( قبله ) ).

قال الكرماني: فيكون منصوبًا على أنه بدل من هذا القول انتهى.

ويجوز أن يكون حالًا من أحد لوقوعه في

ج 1 ص 121

سياق الاستفهام والمراد بالمماثلة المماثلة في الشرف والنسب.

قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لاَ) أي: لم يقل هذا القول أحد منا قبله.

(قَالَ) أي: هرقل (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟) الآباء جمع أب ويطلق على الجد مجازًا، وقيل: حقيقة، واختاره السهيلي: (( ومن ملك ) )روي بوجهين ملك بصيغة الصفة المشبهة ومن حرف جر زيد لتأكيد العموم كما زيد فيما جاءني من أحد لذلك فإن النكرة في سياق النفي والاستفهام تفيد العموم وزيادة الحرف المذكور تؤكدها، وروي بلفظ الماضي ومن الموصولة والرواية الأولى هي المشهورة ولأبي ذر كما في (( الفتح ) ): بدون من.

قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لاَ. قَالَ) هرقل لأبي سفيان (فَأَشْرَافُ النَّاسِ) جمع شريف والشرف العلو يقال: شرف بالضم فهو شريف والجمع شرفاء وأشراف، وأراد بهم الأقوياء ولذلك قابلهم بالضعفاء، قاله ابن كمال باشا.

وقال في (( الفتح ) ): والمراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف حتى لا يرد مثل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال انتهى.

وتعقبه العيني بأن العمرين والحمزة كانوا من أهل النخوة فقول أبي سفيان جري على الغالب، والجواب بأن صاحب (( الفتح ) )لم يقتصر في تفسير الأشراف على أهل النخوة فقط، بل أضاف إليها التكبر المذموم ولا شبهة أنه ليس من صفات المذكورين فليتأمل.

ووقع في رواية ابن إسحاق: (( تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد ) )وهو محمول على الأكثر الأغلب انتهى.

(يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟) وللأربعة: بلفظ الماضي وعلى كلتا الروايتين فهمزة الاستفهام مقدرة وحذفها وإن كان قليلًا لكنه جائز فصيح عند ظهور القرينة، ووقع عند المؤلف في التفسير التصريح بالهمزة ولفظه: (( أيتبعه أشراف الناس ) ).

(قُلْتُ) ولغير الأربعة: (( فقلت ) )بالفاء (بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) مرفوع بالفاعلية لفعل محذوف تقديره بل يتبعه ضعفاؤهم أو بالابتداء والخبر محذوف؛ أي: بل ضعفاؤهم يتبعونه.

(قَالَ) أي: هرقل (أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟) بهمزة الاستفهام، وفي رواية سورة آل عمران بإسقاطها، وجزم ابن مالك بجوازه مطلقًا خلافًا لمن خصه بالشعر.

(قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ) هرقل (فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً) بفتح السين المهملة في اليونينية لا غير وبالنصب على التعليل، ويجوز أن يكون نصبًا على الحال لتأويلها بالمشتق؛ أي: ساخطًا.

وجوز في (( الفتح ) )ضم السين، وتعقبه العيني فقال: السخطة بالتاء إنما هي بالفتح فقط والسخط بلا تاء يجوز فيه الضم والفتح مع أن الفتح يأتي بفتح الخاء والسخط بالضم يجوز فيه الوجهان ضم الخاء وإسكانها انتهى.

قال القسطلاني: قلت في رواية الحموي والمستملي بضم السين وسكون الخاء انتهى.

والمعنى فهل يرتد أحد منهم كراهة (لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟) قال الكرماني: سخطة _ بفتح السين _ وهي الكراهة للشيء وعدم الرضا به انتهى.

وتعقبه ابن كمال باشا فقال: والسخط _ بضم السين وسكون الخاء _ خلاف الرضى، وكنى به عن الكراهة، ومن توهم أن معناه الكراهة ولم يفرق بين كراهة الشيء وعدم الرضى به فقد وهم فإن خلاف الرضى الغضب على ما أفصح عنه قول الجوهري السخط والسخط خلاف الرضى وقد سخط؛ أي: غضب والغضب لا يلزمه الكراهة انتهى.

وفيه نظر؛ لأن الكرماني فسر السخط بعدم الرضى كما فسره به الجوهري غاية الأمر أنه زاد في تفسيره الكراهة ولزومها لعدم الرضى إن لم يكن كليًا فأكثري وهو كاف في بيان معاني الألفاظ اللغوية فليتأمل.

وأخرج بقوله: سخطة لدينه من ارتد مكرهًا أو لا لسخطة دينه، بل لحظ نفساني كما وقع لعبيد الله بن جحش، وإنما لم يكتف هرقل بقول أبي سفيان بل يزيدون عن قوله: هل يرتد أحد منهم ... إلخ؛ لأنه لا ملازمة بين الازدياد وعدم

ج 1 ص 122

الارتداد فقد يرتد بعضهم، ولا يظهر فيهم النقص باعتبار كثرة الداخلين، وقلة المرتدين، وغرضه بهذا السؤال التثبت في حقية ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو لم يكن حقًا لما ثبت عليه من دخل فيه، ولا سيما إذا كان على بصيرة ومن أمثالهم: الحق أبلج والباطل لجلج.

قال ابن المنير: وارتداد من ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت