6 -فقال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبالدال المهملة وهو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد ميمون، وقيل: أيمن العتكي _ بالعين المهملة والمثناة الفوقية المفتوحتين _ أبو عبد الرحمن المروزي مولى المهلب _ بفتح اللام المشددة _ ابن أبي صفة _ بضم الصاد المهملة _ سمع مالكًا وحماد بن زيد وغيرهما من الأعلام.
وروى عنه الذهلي [1] والبخاري وغيرهما، وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن رجل عنه، مات سنة إحدى أو اثنين وعشرين، أو عشرين ومائتين عن ست وسبعين سنة.
قال العيني: وعبدان لقب جماعة أكبرهم هذا، وعبدان أيضًا ابن بنت عبد العزيز بن أبي رواد.
وقال ابن طاهر: إنما قيل له ذلك؛ لأن كنيته أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله فاجتمع من اسمه وكنيته عبدان.
وقال بعض الشارحين: وهذا لا يصح
ج 1 ص 105
بل ذلك من تغيير العامة للأسامي وكسرهم لها في زمن صغر المسمى أو نحو ذلك كما قالوا في علي علان، وفي أحمد بن يوسف السلمي وغيره حمدان، وفي وهب بن بقية الواسطي وهبان.
قلت: الذي قاله ابن طاهر هو الأوجه؛ لأن عبدان تثنية عبد ولما كان أول اسمه عبد وأول كنيته عبد قيل عبدان انتهى.
وعلى هذا فلك في إعرابه مراعاة الأصل، وإعرابه إعراب المثنى وأن تعربه إعراب سلمان.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك بن واضح الحنظلي، التيمي، مولاهم المروزي، الإمام المتفق على جلالته، وإمامته، وورعه، وسخائه، وعبادته، الثقة، الحجة، الثبت، وهو من تابعي التابعين، وكان أبوه تركيًا مملوكًا لرجل من همدان، وأمه خوارزمية ولد سنة ثماني عشرة ومائة، ومات في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة بهيت في العراق منصرفًا من الغزو، وهيت بكسر الهاء وفي آخره مثناة من فوق مدينة على شاطئ الفرات سميت بذلك؛ لأنها في هوة وهو المكان المنحط.
وليس في الكتب الستة عبد الله بن المبارك غير هذا، وحدث عنه معمر بن راشد، والحسين بن داود، وبين وفاتهما مائة واثنان وثلاثون سنة، وقيل: مائة وثلاثون، وقيل: وتسع وعشرون وكان كثيرًا ما يتمثل بهذين البيتين:
~وإذا صاحبت فاصحب صاحبًا ذا عفاف وحياء وكرم
~قوله للشيء لا إن قلت لا وإذا قلت نعم قال نعم
وروي عن الحسن بن عيسى أنه قال: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا: تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، والفصاحة، والورع، والزهد، والإنصاف، وقيام الليل، وسداد الرأي.
وقال ابن مهدي: ابن المبارك أفضل من الثوري فقيل: إن الناس يخالفونك فقال: لم يجربوا ما رأيت مثل ابن المبارك.
وقال أبو شامة: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس.
وقال الإمام أحمد: لم يكن في زمن ابن المبارك أطلب منه للعلم رحل إلى اليمن والشام ومصر والبصرة والكوفة كتب عن الصغار والكبار، وما كان أحد أقل سقطًا منه كان يحدث من الكتاب.
وقال ابن أبي جميل: قلنا لابن المبارك: يا عالم الشرق حدثنا فسمعها حدثنا فسمعها سفيان فقال: ويحكم هو عالم المشرق والمغرب وما بينهما.
وقيل: لما قدم هارون الرشيد الرقة أشرفت أم ولد له من قصره فرأت الغبرة قد ارتفعت والنعال قد خنقت وانحفل الناس فقالت: ما هذا؟ قالوا: قدم عالم من خراسان يقال له ابن المبارك فقالت: والله هذا الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بالسوط والخشب.
(قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ) ابن يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن شهاب (قال) أي: البخاري، وفي الفرع كأصله: (( ح ) )مهملة مفردة في الخط مقصورة في النطق وهي مسماة حاء بالمد، قاله ابن الكمال.
وعليه فيلفظ بها حه بهاء السكت كنظائرها من مسميات أحرف المعجم كما نقل عن الخليل أنه سأل أصحابه فقال: كيف تنطقون بالجيم من جعفر؟ فقالوا: جيم فقال: إنما نطقتم بالاسم ولم تنطقوا بالمسئول عنه وهو المسمى والصواب جه، وعلى هذا فيشكل قول القسطلاني مفردة في الخط مقصورة في النطق؛ لأن المقصورة ليست الاسم لهذا الحرف ولا المسمى، فلعله أراد بالقصر التلفظ بها في حال الدرج مفتوحة.
قال ابن الكمال: وأصل ذلك أن عادتهم إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى آخر تلك العلامة فقيل: هي إشارة إلى التحول من إسناد إلى آخر، وقيل: إشارة إلى الحيلولة بين الإسنادين، وعلى كلا القولين فائدتها التمييز بين الإسنادين، ودفع ذهاب الوهم إلى كونهما إسنادًا واحدًا، وعند قائل القول الأول يقول القارئ: إذا انتهى إليها ح مقصورة ويستمر في قراءة ما بعدها.
ج 1 ص 106
وعند قائل القول الثاني أنه لا يلفظ عند الانتهاء أنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وأهل المغرب يقولون: إذا وصلوا إليها الحديث فهي عندهم إشارة إلى قوله الحديث، وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها صح فهم جعلوها إشارة إلى قوله صح انتهى.
وقد وقع في عبارته ما وقع في عبارة القسطلاني أنه يلفظ بها بالقصر، وتأويله ما تقدم.
قال القسطلاني: وزعم بعضهم أنها معجمة إشارة إلى إسناد آخر فوهم انتهى.
ولعل وجه التوهيم أن الثابت في نسخ البخاري الإهمال ولم يثبت إعجامها، وإلا فلو نقل إعجامها لما كان في الإشارة إلى إسناد آخر وهم فليتأمل.
(وَحَدَّثَنَا) بواو العطف وتسمى واو التحويل أيضًا (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وإسكان الشين المعجمة، أبو محمد المروزي السختياني، روى عنه البخاري منفردًا به عن باقي الكتب الستة، ذكره ابن حبان في (( ثقاته ) )وقال: كان مرجئًا مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) ابن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: يعني أن عبد الله بن المبارك حدث به عبدان عن يونس وحده، وحدث به بشر بن محمد عن يونس ومعمر معًا أما عن يونس فباللفظ، وأما عن معمر فبالمعنى، ومن ثم زاد لفظة نحوه.
(قَالَ) أي: الزهري (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتصغير (بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة _ بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية وفتح الموحدة _ ابن مسعود الهذلي المدني، الإمام الجليل التابعي، أحد الفقهاء السبعة، سمع خلقًا من الصحابة منهم ابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعنه جمع من التابعين وهو معلم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وكان قد ذهب بصره، توفي سنة تسع أو ثمان أو سبع أو خمس أو أربع وتسعين.
(عَنِ) عبد الله (ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ) قال العيني: أجود أفعل التفضيل من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن يبغي.
وزاد بعضهم لا لغرض ولا لعوض، ومعناه أنه أسخى سائر الناس لما كانت نفسه أشرف النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة لابد أن يكون فعله أحسن الأفعال، وشكله أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق فلا شك يكون أجود وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات انتهى.
وقال ابن الكمال: قال الإمام الراغب في (( الذريعة ) ): الجود بذل المقتنى ويقابله البخل، والسخاء هيئة للإنسان داعية إلى ذلك المقتنيات حصل معه البذل أو لم يحصل، ويقابله الشيخ هذا هو الأصل، وإن كان كل منهما قد يستعمل في موضع الآخر، ويدلك على صحة هذا الفرق أنهم جعلوا الفاعل من السخاء والشح على بناء الأفعال الغريزية فقالوا: شحيح وسخي، وقالوا جواد وباخل.
وأما قولهم: بخيل فمصروف عن لفظ الفاعل للمبالغة كقولهم: راحم ورحيم، ولكون السخاء غريزة لم يوصف الباري سبحانه به إلى هنا كلامه.
وإذ قد عرفت هذا فقد وقفت على وجه رجحان قوله: (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) على قوله: وكان أسخى ما يكون في رمضان، وعلى فساد ما قيل وهو يعني الجود إعطاء ما ينبغي ومعناه يعني معنى قوله: (( أجود الناس ) )هو أسخى الناس.
أما أولًا: فلأنه اعتبر في معنى الجود قيدًا لا ينبغي اعتباره.
وأما ثانيًا: فلأنه لم يفرق بين الجود والسخاء والفرق بينهما قديم، وعليه يدور جودة لفظ الجود في هذا المقام على ما نبهت عليه آنفًا انتهى.
قال في (( المصابيح ) ): وأجود إما مرفوع على أنه اسم كان مضاف إلى المصدر المؤول مما يكون؛ أي: أجود أكوانه وفي رمضان خبرها، أو على أنه بدل اشتمال من اسم كان وهو حينئذ ضمير عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما منصوب على أنه خبر كان واسمها ضمير مستكن كما سبق، وما حينئذ مصدرية ظرفية؛ أي: كان عليه السلام متصفًا بالأجودية مدة كونه في رمضان مع أنه أجود الناس مطلقًا، وإنما التفضيل بين حالتيه هو في رمضان وفي غيره.
قلت: ولك مع نصب أجود أن تجعل ما نكرة موصوفة فيكون في رمضان متعلقًا لكان مع أنها ناقصة بناء على القول بدلالتها
ج 1 ص 107
على الحدث وهو الصحيح عند جماعة، واسم كان ضمير عائد إليه عليه الصلاة والسلام أو إلى جوده المفهوم مما سبق؛ أي: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود شيء يكون، أو وكان جوده في رمضان أجود شيء يكون فجعل الجود متصفًا بالأجودية مجازًا كقولهم شعر شاعر انتهى.
وقال ابن كمال باشا: أجود بالرفع؛ لأنه اسم كان وخبره محذوف حذفًا واجبًا، ولفظة ما مصدرية وكان تامة والموصوف بالجود كون الرسول عليه السلام، ولا يخفى ما في هذا التوصيف المجازي من المبالغة والكون بمعنى الحصول لا بمعنى الوجود كما توهم إذ لا حسن في إسناد الجود إلى الوجود، بل فيه نوع بشاعة كما لا يخفى على من له ذوق، وفي رمضان في محل الحال واقع موقع الخبر الذي هو حاصل، فالمعنى أجود أكوان الرسول عليه السلام حاصل حال كونه في رمضان.
ونظيره أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة بنصب يوم، وإنما قلنا بنصب يوم؛ لأنه إذا كان برفعه يؤول المعنى إلى أن أخطب أوقات كون الأمير يوم الجمعة على أن يوم الجمعة خبر أخطب فلا يكون نظيرًا لما نحن فيه إذ لا وجه لتقدير الوقت فيما نحن فيه؛ لأنه حينئذ يؤول المعنى إلى أن أجود أوقات كون الرسول وقت كونه في رمضان، ولا يخفى ما فيه من التكلف من جهة اللفظ لكثرة التقدير والتعسف من جهة المعنى؛ لأن وقت كونه في رمضان هو رمضان أو بعضه فيحتاج إلى اعتبار الظرفية بينهما بلا فائدة، وأما قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائمًا فلاحتماله الوجهين على ما نبين في محله لا يناسب التنظير لما نحن فيه انتهى.
وكلامه مبني على أن خبر كان محذوف وجوبًا لسد الحال وهو في رمضان مسده.
وتقدم عن الدماميني: أن أجود اسم كان، وفي رمضان خبرها فلا يكون التركيب مما حذف فيه الخبر وجوبًا ولم يتعرض لرواية النصب.
قال النووي: الرفع أشهر والنصب جائز، وذكر أنه سأل ابن مالك عنه فخرج الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين، ولعل الأوجه الثلاثة ما تقدم عن الدماميني من الوجهين وهذا الوجه الذي ذكره ابن الكمال، وأما توحيد النصب فقد تقدم في كلام الدماميني.
(حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) قال العيني: هو حال من الضمير الذي في حاصل المقدر فهو حال عن ذي حال، ومثلهما يسمى بالحالين المتداخلتين، والتقدير كان أجود أكوانه حاصلًا في رمضان حال الملاقاة انتهى.
أقول: في كون هذا التركيب من التداخل في الحال نظر؛ لأن التداخل بين الحالين أن تكون الحال الثانية من ضمير الحال الأولى، وحاصلًا ليست حالًا بل خبر كان كما اعترف به هو في قوله: وفي رمضان في محل النصب على الحال واقع موقع الخبر الذي هو حاصل المقدر فكيف مع هذا يقول إنها من الحال المتداخل.
ثم رأيت ابن الكمال اعترض عن ذلك على الكرماني فقال: حين يلقاه جبريل حال عن الضمير في حاصلًا فهو من الأحوال المترادفة لا من المتداخلة كما توهم من قال إنه حال عن الضمير الموجود في حاصلًا المقدر فهو حال عن حال، ومثلهما يسمى الحالين المتداخلتين، والعجب أنه بعد تصريحه بأنه حال عن الضمير في حاصلًا، وأن حاصلًا خبر كان كيف يقول حال عن حال، ويحتمل أن يكون في كان ضمير الشأن فيكون المعنى كان الشأن أجود أكوانه حاصل في رمضان عند ملاقاته جبريل عليه السلام انتهى.
قال العيني: فإن قلت ما وجه كون هذين الأمرين سببًا موجبًا لأعلى جوده عليه السلام؟
قلت: أما رمضان فإنه شهر عظيم وفيه الصوم وفيه ليلة القدر وهو من أشرف العبادات فلذلك قال: (( الصوم لي وأنا أجزي به ) )فلا جرم يتضاعف ثواب الصدقة والخير فيه، وكذلك العبادات، ولهذا قال الزهري: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره.
وقد جاء في الحديث: (( أنه يعتق في كل ليلة
ج 1 ص 108
ألف ألف عتيق من النار )) ، وأما ملاقاة جبريل عليه السلام فإن فيها زيادة ترقية في المقامات، واطلاعه على علوم الله سبحانه وتعالى ولا سيما عند مدارسته القرآن معه مع نزوله إليه في كل ليلة، ولم ينزل إلى غيره من الأنبياء عليهم السلام ما نزل إليه فهذا كله من الفيض الإلهي الذي فتح لي في هذا المقام ولم يفتح لغيري من الشراح فلله الحمد والمنة.
وقال ابن كمال باشا: وأما وجه كونه أجود في رمضان فلأنه في ذلك الشهر المبارك ينقص تعلق بإله بعالم الملك، ويزداد اتصاله بعالم الملكوت على ما أشير إليه بقوله: حين يلقاه جبريل.
(وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ) الضمير المرفوع في يلقاه لجبريل عليه السلام والمنصوب للنبي صلى الله عليه وسلم.
وجوز الكرماني العكس أيضًا، ووجهه أن النفي نسبة بين الشخصين فتصح نسبته لكل منهما؛ لأن من لقيك فقد لقيته، ورجح العيني الأول لنسبة اللقي لجبريل أولًا.
وقال ابن الكمال: لا وجه للعكس؛ لأن الملاقاة بين اثنين من حقها أن تسند إلى من لاختياره مدخل فيها، ومن غفل عن هذا جوز العكس أيضًا.
ورمضان في الأصل مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء قيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا ومنع الصرف للتعريف والألف والنون.
قال ابن الكمال: فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعًا فما وجه ما جاء في الحديث من قوله: (( من صام رمضان ) )؟.
قلت: هو من باب الحذف لا من الإلباس.
قال الفاضل التفتازاني في بيان أن العلم مجموع المضاف والمضاف إليه: وإلا لم يحسن إضافة شهر إليه كما لا يحسن إضافة إنسان إلى زيد، ولهذا لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان، وبالجملة فقد أطبقوا على أن العلم في ثلاثة أشهر هو مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، والبواقي لا يضاف شهر إليه انتهى.
قوله: ولا لم يحسن إضافة شهر إليه ليس بشيء كيف وقد وقع مثل هذه الإضافة في كلام الله تعالى: ومن أحسن من الله قيلًا وقد اعترف به هذا الفاضل فقال في شرح قول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [المائدة:1] كل ذات أربع في البر والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان وهي الإضافة التي بمعنى من كخاتم فضة ومعناه: البهيمة من الأنعام انتهى.
يعني: أن دعوى التفتازاني أن العلم مجموع المضاف والمضاف إليه صحيحة، واستدلاله عليها بقوله: وإلا لم يحسن إضافة شهر إليه فاسد؛ لأن مثل هذه الإضافة وهي إضافة الأعم إلى الأخص واقع في كلام الله تعالى.
وقد يقال: إن قياس شهر رمضان على تقدير كون العلم رمضان فقط، والحكم بأن الإضافة فيه بيانية لا يخلو عن توقف؛ لأن شرط الإضافة البيانية أن يكون المضاف إليه كلًا للمضاف يصح حمله عليه وشهر رمضان ليس كذلك.
والجواب السديد عن الحديث أن رمضان علم للشهر أيضًا كشهر رمضان على ما صرح به صاحب (( الكشاف ) )كما نقله عنه الخطابي في (( حاشيته على المختصر ) )عند قوله: صاحب (( التلخيص ) )فكما كان علم البلاغة وتوابعها، وأما كونه من حذف جزء العلم لا من اللبس فبعيد على ما لا يخفى.
(فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ) بنصب القرآن؛ لأنه المفعول الثاني للفعل المذكور ومفعوله الأول الضمير الراجع إلى الرسول عليه السلام وذلك أنه منقول إلى باب المفاعلة عن المتعدي وهو درس فيتعدى إلى مفعولين والدرس القراءة والتعلم والمدارسة المذاكرة، كذا ذكره صاحب (( الكشاف ) ).
وقال أبو زيد: درست أدرس دراسة وهي القراءة، وإنما تقول ذلك إذا قرأت على غيرك وأصل الدرس استمرار التلاوة.
وقال أبو علي: معنى دارست العلماء ذاكرتهم انتهى.
وفي (( عمدة القاري ) ): أدرس الكتاب قرأه مثل درسه وقرأ أبو حيوة: {بِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} من الإدراس ودرس تدريسًا شدد للمبالغة، ومنه مدرس المدرسة والمدارسة المقارأة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} أي: قرأت على اليهود، وقرأوا عليك وههنا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 109
وجبريل يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ مثلًا هذا عشرًا والآخر عشرًا أتى بلفظة المدارسة، أو أنهما يتشاركان في القراءة يقرآن معًا، وقد علم أن باب المفاعلة لمشاركة اثنين نحو ضاربت زيدًا وخاصمت عمرًا انتهى.
وفائدة المدارسة تعليم وجوه القراءات، وإعلام ما نسخت تلاوته وتقرره عنده ورسوخه أتم رسوخ فلا ينساه، وكان هذا إنجاز وعده تعالى لنبيه عليه السلام حيث قال له: {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى} [الأعلى:6] .
قال الكرماني: وتصحيح مخارج الحروف وتجويد الألفاظ، ونازعه ابن الكمال فقال: ليس ذلك مما يؤخذ عن جبريل عليه السلام كما لا يخفى فتأمل فيه.
وقال القسطلاني: وحكمة المدارسة ليكون ذلك سنة في عرض القرآن على من هو أحفظ منه والاجتماع عليه والإكثار منه.
وقال الكرماني: لتجويد لفظه.
وقال غيره: لتجويد حفظه، وتعقب بأن الحفظ كان حاصلًا له والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس انتهى.
وتخصيص رمضان بذلك لشرفه ولنزول القرآن فيه جملة إلى سماء الدنيا.
وفي (( الفتح ) ): قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر متابعة سنة الله في عباده، فبمجموع ما ذكر من الوقت والنزول والنازل به والمذاكرة به حصل المزيد في الجود والعلم عند الله تعالى انتهى.
وفي (( عمدة القاري ) ): ويقال: إن في ليلة أربعة وعشرين من رمضان نزلت صحف إبراهيم والتوراة والإنجيل، وقيل: نزلت صحف إبراهيم عليه السلام أول ليلة منه والتوراة لست، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين انتهى.
(فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بفتح اللام؛ لأنها لام الابتداء دخلت على المبتدأ لتأكيد مضمون الجملة.
وقال الزركشي: هي جواب قسم مقدر.
وقال في (( الفتح ) ): الفاء للسببية، واللام للابتداء أو هي جواب قسم مقدر، وفي العبارة مسامحة؛ لأن جواب القسم الجملة.
(أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ) من أي نوع كان ليعم طبقات الناس، ويشمل أصناف حاجاتهم فإنه عليه السلام كان يجود على كل واحد منهم بما يسد خلته ويشفي علته ويروي غلته.
(مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) بفتح السين؛ أي المبعوثة لنفع الناس هذا إذا جعلنا الألف واللام في الريح للجنس، وإن جعلناها للعهد يكون المعنى من الريح المرسلة للرحمة قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف:57] ، وقال تعالى {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات:1] أي: الرياح المرسلات للمعروف على أحد التفاسير، كذا في (( عمدة القاري ) ).
وقال في (( الفتح ) ): والمرسلة المطلقة يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه انتهى.
وقال ابن كمال باشا: المرسلة من الإرسال وهو نقيض الإمساك ومثله الإطلاق ونقيضه التقييد وإرسال الريح إجراؤه انتهى.
وقال في (( المصابيح ) ): والذي يظهر لي أن المراد بالريح المرسلة هي اللينة السهلة الهبوب ضد العاصفة وكأنه من قولهم ناقة مرسال؛ أي: سهلة السير انتهى.
وقال ابن كمال باشا: أجود من الريح المرسلة في عموم النفع وسرعة الإيصال وسهولته وعدم المنة ونحو ذلك فالجهة الجامعة بينهما متعددة، ومن قال: إنها أما الأمران عموم النفع والإسراع فيه، وأما أحدهما فقد قصر وليس فيه تشبيه نشر جوده صلى الله عليه وسلم بنشر الريح القطر كما توهم من قال: وشبه نشر جوده عليه السلام في العباد بالخير بنشر الريح القطر في البلاد وشتان ما بين النشرين، فإن أحدهما يحيي القلب بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها، بل استعارة الجود لأثر الريح المرسلة، وتلك الاستعارة قرينة دالة على أن المراد من الريح ما يعم ريح الرحمة لا ما يعم ريح العذاب، ثم إن المفهوم من كلام ذلك القائل أن يكون جل منفعة الريح نشر القطر، ويكون أثره إحياء الأرض وليس كذلك
ج 1 ص 110
فإن جل منفعته تصحيح الهواء الذي هو مادة الحياة وأثره الأجل إحياء النفوس انتهى.
قال في (( الفتح ) ): ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث: (( لا يسأل شيئًا إلا أعطاه ) )وثبتت هذه الزيادة في الصحيح من حديث جابر: (( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فقال لا ) ).
وقال النووي: في الحديث فوائد: منها الحث على الجود في كل وقت، والزيادة منه في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح.
وفيه: زيارة الصلحاء وأهل الفضل، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لفعلاه.
فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ، قلنا الحفظ كان حاصلًا، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس، وأنه يجوز أن يقال رمضان من غير إضافة وغير ذلك مما يظهر بالتأمل انتهى.
وتعقب بعضها ابن كمال باشا فقال: ويرد عليه أن لفظ رمضان من كلام الراوي فلا يكون حجة على الرخصة المذكورة من جهة الشرع، وقد عرفت الحكم فيه من جهة اللغة، ثم إن مدارسة القرآن كانت لمصلحة بيناها فيما سبق فلا دلالة فيها على أن التنفل بها أفضل من التسبيح وسائر الأذكار، والتعليل الذي ذكره إنما يدل على فضل مدارسة القرآن المتضمنة لمصلحة لازمة لا على فضل قراءته مطلقًا كما توهمه انتهى.
وأقول: راوي هذا الحديث هو ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن فيثبت بقوله جواز الإطلاق المذكور لغة وشرعًا، ولاسيما على مذهب المعترض على أنه قد اعترف بأنه جاء في الحديث (( من صام رمضان ) )كما تقدم نقل ذلك عنه آنفًا.
قال في (( المنار ) ): وتقليد الصحابي واجب يترك به القياس انتهى.
فيندفع التعقب الأول ويدفع التعقب الثاني بأن تضمنه تلك المصلحة لا ينافي كونه أفضل في ذاته على أن المصلحة ليست مذكورة في متن الحديث ليلزم ما ذكره وإنما هي من استنباط الشراح ذكر كل ما سنح له فيجوز أن تكون لمصلحة كثرة الثواب وحدها لأفضلية القرآن على غيره من الأذكار أو منضمة إلى ما ذكروا وكان الأولى له بالتعقب قوله: والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس؛ لأن للمنع فيه مجالًا إذ زيادة الحفظ للقرآن لا تحصل عادة إلا بالمرور عليه مرارًا، ومن المستبعد أن يدارسه القرآن كله في مجلس واحد وبفرض وقوعه لا تحصل به زيادة الحفظ ومتانته اللهم إلا أن يقال: أن للنبي صلى الله عليه وسلم قوة قدسية يتمكن معها من زيادة الحفظ في بعض المجالس فليتأمل.
وفي الحديث أيضًا جواز استعمال أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي؛ لأن الجود منه صلى الله عليه وسلم حقيقي، ومن الريح مجازي فكأنه شبه مجيء الريح بالخير بالجود فاستعار له اسمه ثم اشتق منه أجود، وفي هذا الحديث التحديث، والإخبار، والعنعنة والتحويل وفيه عدد من المراوزة.
وأخرجه المؤلف أيضًا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وفضائل القرآن وبدء الخلق، ومسلم في الفضائل النبوية.
[1] قال في هامش المخطوط: الذهلي بالضم والسكون نسبة إلى ذهل بن ثعلبة أو ذهل بن شيبان كما في لب الألباب للسيوطي منه.