وبالسند إلى المؤلف قال:
5 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) كنيته أبو سلمة المنقري _ بكسر الميم وإسكان النون وفتح القاف _ نسبة إلى منقر بن عبيد بن مقاعس البصري، الحافظ الكبير، المكثر، الثبت، الثقة التبوذكي _ بفتح المثناة من فوق وضم الباء الموحدة ثم واو ساكنة ثم ذال معجمة مفتوحة _ نسبة إلى تبوذك نسب إليه؛ لأنه نزل دار قوم من أهل تبوذك، وقيل: غير ذلك توفي بالبصرة في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين، روى عنه يحيى بن معين، والبخاري، وأبو داود وغيرهم من الأعلام.
قال الداودي: كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة والنون اسمه: الوضاح بن عبد الله اليشكري _ بضم الكاف _ ويقال: الكندي الواسطي كان من سبي جرجان رأى الحسن وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثًا واحدًا، وسمع خلقًا بعدهم من التابعين وأتباعهم، روى عنه الأعلام منهم شعبة ووكيع وابن مهدي، قال عفان: كان صحيح الكتاب ثبتًا.
وقال ابن أبي حاتم: كتبه صحيحة وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا وهو صدوق، مات سنة ست وسبعين ومئة، وقيل: سنة خمس وسبعين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) أبو الحسن الكوفي الهمداني _ بالميم الساكنة والدال المهملة _ مولى آل جعدة _ بفتح الجيم _ ابن أبي هبيرة _ بضم الهاء _ روى عن كثير من التابعين، وعنه الأعلام الثوري وغيره، ووثقه السفيانان، ويحيى، والبخاري، وابن حبان، وأبو عائشة لا يعرف اسمه.
(قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون
ج 1 ص 98
الياء آخر الحروف ابن هشام الكوفي الأزدي الوالبي _ بكسر اللام وبالباء الموحدة _ منسوب إلى بني والبة بالولاء، ووالبة هو ابن الحارث ابن ثعلبة ابن دودان _ بمهملتين وضم الأولى _ ابن أسد بن خزيمة إمام مجمع عليه بالجلالة والعلو في العلم، والعظم في العبادة، قتله الحجاج صبرًا في شعبان سنة خمس وتسعين ولم يعش الحجاج بعده إلا أيامًا ولم يقتل أحدًا بعده، سمع خلقًا من الصحابة منهم العبادلة غير ابن عمرو، وعنه خلق من التابعين منهم الزهري، وكان يقال له: جهبذ العلماء.
قال خلف بن خليفة: حدثنا بواب الحجاج قال: رأيت رأس سعيد بن جبير بعد ما سقط يقول: لا إله إلا الله.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما وهو من الأعلام الغالبة غلب على عبد الله دون بقية إخوته من أولاد العباس كابن عمر على أولاد عمر بن الخطاب عبد الله الحبر البحر ترجمان القرآن، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين وهو والد الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وقول الجوهري في (( الصحاح ) )بدل ابن العاص ابن مسعود مردود عليه؛ لأنه منابذ لما قال أعلام المحدثين كالإمام أحمد وغيره، كذا في (( عمدة القاري ) ).
وقال ابن كمال باشا: قال الزمخشري في (( المفصل ) ): وقد يغلب بعض الأسماء الشائعة على أحد المسميين به فيصير علمًا بالغلبة، وذلك نحو ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود غلبت على العبادلة دون من عداهم من أبناء آبائهم انتهى.
وهذا الذي ذكره في عرف الفقهاء، وأما في عرف المحدثين فالعبادلة أربعة ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو، وابن الزبير، ولم يذكر فيهم ابن مسعود لأنه من كبار الصحابة صرح بهذا التفصيل في (( المغرب ) ).
وقال النووي في (( تهذيبه ) ): هكذا قال أحمد بن حنبل وسائر المحدثين وغيرهم قيل لأحمد فابن مسعود قال: ليس هو منهم، قال البيهقي: لأنه تقدمت وفاته وهؤلاء عاشوا طويلًا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اتفقوا على شيء قيل هذا قول العبادلة أو فعلهم، ثم ذكر اعتراض النووي على صاحب (( الصحاح ) )بعده ابن مسعود من العبادلة بأنه ليس في (( الصحاح ) )ذكر ابن مسعود، وعلى فرض وقوعه فيها فهو اصطلاح الفقهاء لا اصطلاح المحدثين قال: ومن هنا تبين أن قول من قال: وأما قول الجوهري في (( الصحاح ) )بدل ابن العاص ابن مسعود فمردود عليه مردود عليه؛ لأن ذلك القول على تقدير وقوعه في نسخة الجوهري صحيح مطابق على عرف الفقهاء، وإن لم يكن مطابقًا على عرف المحدثين.
والعبادلة تكسير عبد الله كأنه ركب من المضاف والمضاف إليه اسم رباعي نحو عبدل، ثم جمعوه على عبادلة كصيارفة وصياقلة انتهى.
وقد جمعهم القاضي شرف الدين بن محمد الأرميني في قوله:
~إن العبادلة الأحبار أربعة مناهج العلم كالأعلام في الناس
~ابن الزبير ونجل العاص وابن أبي حفص الخليفة والحبر ابن عباس
~وقد يضاف ابن مسعود لهم بدلًا عن ابن عمرو لوهم أو لإلباس
وفي قوله: نجل العاص مسامحة؛ لأنه نجل عمرو بن العاص، ولا يطلق النجل على ولد الولد فلو قال: وسبط العاص لكان أولى؛ لأن السبط ولد الولد كما في (( القاموس ) ).
وهو أحد المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم وهم أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وبعضهم زاد أبا سعيد الخدري وأكثرهم أبو هريرة، ثم من يليه في هذا الترتيب إلى آخرهم، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ألف حديث وستمائة وستين حديثًا اتفقا منها على خمسة وتسعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
وقال أحمد: خمس عشرة سنة والأول هو المشهور، مات بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة على الصحيح في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وكان قد عمي في آخر عمره رضي الله تعالى عنه.
(فِي قَوْلِهِ تَعَالَى) وللأصيلي: ( {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} ) التحريك تغيير الشيء من مكان إلى مكان، أو من جهة إلى جهة، واللسان آلة الكلام يذكر ويؤنث، فمن ذكره ذهب إلى أنه عضو وجمعه على ألسنة كحمار وأحمرة، ومن أنثه ذهب إلى أنه جارحة وجمعه على ألسُن كذراع وأذرع، والعجلة طلب الشيء قبل وقته الذي ينبغي أن يعمل فيه، وضده الأناة والسرعة عمل الشيء في أول وقته الذي هو له وضده الإبطاء.
(قَالَ) أي: ابن عباس (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال ابن كمال باشا: لفظ كان زائد لتصوير الحال، وتأكيدِ القصة كجعل في قولهم جعل يشتمني
قال الإمام المرزوقي في (( شرح الحماسة ) ): قوله: فاذهب أمر من ذهب يقول: كذا وعلى هذا قول الشاعر:
~فاذهب فما بك والأيام من عجبٍ
وكذلك قول الغريم: قم فأعطني حقي، فالأمر في الحقيقة بالعطية لا بما سواها وأجري مجراه قولهم: أخذ يتمسك بكذا، وطفق يتحدث بكذا، وجعل يشتمني، وخرجوا في التوسع إلى أن قالوا: قام يهزأ بي، وقعد يظن أنه أمير، وليس القصد إلى فعله القيام والقعود، ولكنَّ زيادةَ كان للتصوير للحال والتأكيدِ للقصة، ومن غفل عن هذا قال لفظة كان في مثل هذا التركيب تفيد الاستمرار والتكرار انتهى.
ومراده بمن غفل الكرماني، والذي يظهر أن الحق في مثل هذا التركيب ما ذكره الكرماني لتصريح كثير من الأئمة أنها تفيد الاستمرار والتكرار في كل تركيب وقع فيه خبرها فعلًا مضارعًا، وموارد استعمال الفصحاء شاهد صدق على ذلك لذي الطبع السليم كقولك: كان حاتم يقري الضيف، وأكثر شمائله صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 99
من هذا القبيل وأيضًا لم نر أحدًا من النحاة صرح بأنها تزاد في مثل هذا التركيب، وبين هذا التركيب وبين ما استشهد له مما مثل به المرزوقي بَونٌ بعيد إذ تلك الكلمات التي حكم بزيادتها غير مقصودة أصلًا، فإن قول الغريم قم فأعطني حقي القيام فيه غير مقصود، ولا يتوقف عليه أداء الحق، وكذلك قول حسان رضي الله عنه:
~على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمزغ في رماد
الإنكار التوبيخي لم يتعلق بالقيام، وإنما هو متعلق بالشتم فأين هذا من قوله كان يعالج من التنزيل شدة فإنه لولا كان لكان المعنى على الاستقبال الصرف لا على الماضي المستمر فليتأمل.
(يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) أي: يزاول من تنزيل القرآن عليه، ففي (( الصحاح ) ): عالجت الشيء علاجًا ومعالجة إذا زاولته.
(شِدَّةً) الشدة بالكسر اسم من الاشتداد وبالفتح الحملة في الحرب وهي إما مفعول به ليعالج، وإما مفعول مطلق له من غير لفظه مبين للنوع؛ أي: علاج شدة.
قال ابن الكمال: وليس ذلك لعظم ما يلاقيه من الملك، والقول الثقيل كما توهم لأن آخر الكلام يبين أنها من جهة تحريكه الشفتين لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منه انتهى.
وقوله: كما توهم تعريض بالكرماني.
أقول: ما ذكره الكرماني غير مناف لذلك بل يجامعه، وأي مانع من أن تكون معالجة الشدة من كلا الأمرين، وما ذكره الكرماني عام في هذا وفي غيره ومأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: (( وهو أشده علي ) ).
ومن قول عائشة رضي الله عنها: (( ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقًا ) )فنفى أن يكون له مدخل في معالجة الشدة مما لا وجه له فليتأمل.
(وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) قال في (( المصابيح ) ): الضمير في كان يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده التصريح به في رواية مسلم: (( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي مما يحرك شفتيه ) )ومما مرادفة ربما كقوله:
~وإنا لمما نضرب الكبش ضربة على رأسه تلقي اللسان من الفم
قاله السيرافي وجماعة ومعناها التكثير، وخرَّجوا عليه قول سيبويه، واعلم أنهم مما يحذفون، كذا قال ابن هشام، والظاهر أن من فيهما ابتدائية وما مصدرية، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب والحذف مثل: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] .
قلت: ليس المثالان نظير الآية، ولا يتأتى فيهما ما أراد وذلك؛ لأن فعل الصلة فيهما مسند إلى ضمير يرجع إلى المحدث عنهم فيلزم عند السبك إضافة المصدر إلى ذلك الضمير فيؤول الأمر إلى جعلهم كأنهم خلقوا من ضربهم ومن حذفهم، وذلك غير متصور البتة، وهذا غير موجود في الآية، وانظر هل يمكن جعل قوله: يحرك شفتيه خبر كان، والتقدير: (( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه ) )مما يعالج فحذف صلة ما للعلم بها كقوله:
~نحن الأولي فاجمع جمو عك ثم وجههم إلينا
أي: نحن الأولي عرفوا بالنجدة والشجاعة فتأمله انتهى.
وقال ابن كمال باشا: والواو في وكان مما يحرك شفتيه للاستئناف، والجملة في مقام التعليل والتبيين لما يعرضه من الشدة يعني كان ذلك الحال من تحريكه عليه السلام شفتيه وقت التنزيل فما مصدرية، وحملها على معنى من يفضي إلى تضمن الكلام زيادة ركيكة لتمامه بقوله: (( وكان يحرك شفتيه ) )انتهى.
وحاصل كلامه أن الضمير في كان ليس راجعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بل راجع إلى الحال المفهوم من المقام، وفيه بعد من وجهين:
الأول: جعله الواو للاستئناف وهو قليل مع ظهور
ج 1 ص 100
كونها للعطف على كان الأولى، والداعي له إلى صرفها عن العطف جعل الضمير في كان الثانية للحال لا للرسول، وكان ينبغي له على هذا التقدير أن يجعل الضمير فيها راجعًا للعلاج المفهوم من يعالج كما في قوله تعالى: {اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]
الثاني: أن رواية مسلم قد عينت أن الضمير في كان الثانية راجعًا إلى الرسول كما تقدم آنفًا في كلام الدماميني، ويؤيده رواية المؤلف في التفسير من طريق جرير عن موسى بن أبي عائشة ولفظها: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه ) )ذكرها في (( فتح الباري ) )وفي (( عمدة القاري ) ).
واختلفوا في معنى هذا الكلام وتقديره: فقال القاضي: معناه كثيرًا ما كان يفعل ذلك قال: وقيل: معناه هذا من شأنه ودأبه فجعل ما كناية عن ذلك، ومثله قوله في كتاب الرؤيا كان مما يقول لأصحابه: (( من رأى منكم رؤيا ) )أي: هذا من شأنه وأدغم النون في ميم ما.
وقال بعضهم: معناه ربما؛ لأن من إذا وقع بعدها ما كانت بمعنى ربما، قاله السيرافي وابن خروف وابن طاهر والأعلم، وخرجوا عليه قول سيبيويه المتقدم في كلام الدماميني والبيت المذكور فيه أيضًا.
ثم قال: وقال الكرماني: أي: كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين؛ أي: مبدأ العلاج منه أو بمعنى مَنْ إذ قد يجيء للعقلاء أيضًا؛ أي: وكان ممن يحرك شفتيه.
وقال بعضهم: وفيه نظر؛ لأن الشدة حاصلة له قبل التحريك.
قلت: في نظره نظر؛ لأن الشدة وإن كانت حاصلة له قبل التحريك ولكنها ما ظهرت إلا بتحريك الشفتين؛ لأن هذا أمر مبطن، ولم يقف عليه الراوي إلا بالتحريك، ثم استصوب ما نقل عن هؤلاء من المعنى المذكور ومع هذا فيه خدش؛ لأن من في البيت وفي كلام سيبويه ابتدائية وما فيهما مصدرية، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب والحذف مثل: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] ثم الضمير في كان على قولهم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى تأويل الكرماني يرجع إلى العلاج الذي يدل عليه قوله يعالج، والأصوب أن يكون الضمير للرسول، ويجوز هنا تأويلان آخران:
أحدهما: أن تكون كلمة من للتعليل وما مصدرية وفيه حذف، والتقدير وكان يعالج أيضًا من أجل تحريك شفتيه ولسانه، كما جاء في رواية أخرى للبخاري في التفسير من طريق جرير عن موسى بن أبي عائشة لفظه: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه ) )وتحريك اللسان مع الشفتين مع طول القراءة لا يخلو عن معالجة الشدة.
والآخر: أن تكون كان بمعنى وجد بمعنى ظهر، وفيه ضمير يرجع إلى العلاج، والتقدير وظهر علاجه الشدة من تحريك شفتيه انتهى.
ولا يخفى ما فيهما من التكلف.
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا) أي: شفتي وفي تقديم أنا على الفعل إشعار بتقوية الفعل ووقوعه لا محالة بناء على أن الإتيان بالجملة الاسمية من جملة المؤكدات، وفائدة ذلك كون المخاطب على ثقة وتنبه كيلا يفوت عنه ما يحصل بالتصوير من البيان الواضح.
واللام في (لك) للتبيين كما في سقيا لك، والخطاب لسعيد بن جبير، وفي بعض النسخ كما في اليونينية: بالجمع فالخطاب على هذا لسعيد ومن معه أو للتعظيم.
(كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ) ابن جبير (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ) أي: حرك سعيد شفتيه، والظاهر أن ابن عباس حرك أيضًا شفتيه حين روى الحديث إلا أنه اكتفى عن ذكره بهذا.
قال العيني: قوله: قال ابن عباس إلى قوله: فأنزل الله تعالى جملة معترضة بالفاء وذلك جائز كما قال الشاعر:
~واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كلما قدرا
فإن قلت: ما فائدة الاعتراض؟.
قلت: زيادة البيان بالوصف على القول.
فإن قلت: كيف قال في الأول كان يحركهما، وفي الثاني بلفظ رأيت؟.
قلت: العبارة الأولى أعم من أنه رأى بنفسه تحريك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سمع أنه حركهما، كذا قاله الكرماني.
ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما لم ير النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة؛ لأن سورة القيامة مكية باتفاق، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك ولد؛ لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، والظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، ولكن يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك بعد أو أخبره بعض الصحابة أنه شاهد النبي، وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا خلاف، ومثل هذا الحديث يسمى بالمسلسل بتحريك الشفة لكنه لم يتصل تسلسله وقل في المسلسل
ج 1 ص 101
الصحيح انتهى.
وقال ابن كمال باشا في قوله فقال ابن عباس: أتى بالفاء التعقيبية لبيان أن ابن عباس رضي الله عنه لم يؤخر عن رواية فعله عليه السلام تصوير ما رواه، وليس هذا من قبيل الاعتراض كما توهم، وقيل: قوله فقال ابن عباس إلى قوله فأنزل الله تعالى جملة معترضة بالفاء وذلك جائز كما قال:
~واعلم فعلم المرء ينفعه البيت
لأن الاعتراض لا يكون بكلام أجنبي فإن ما تقدم وما تأخر من كلام ابن عباس، وهذه الجملة من كلام ابن جبير، والجملة التالية لها من كلام من روي عنه بل من قبيل الفصل بين شطري لمصلحة اقتضته على ما نبهناك عليه فقوله: (( فأنزل الله تعالى ) )حقه أن يصدر بقال إلا أنه حذف على التوسع الشائع انتهى.
قوله: قيل عطف على توهم لا ابتداء كلام، وكان الأولى عطفه بالفاء ليظهر ارتباطه به بالتفريع؛ لأنه داخل في حيز الرد، ثم إن ما ذكره مبني على أن الاعتراض من كلام، والمعترض بينه من كلام آخر، والذي يظهر خلافه؛ لأن ما تقدم وما تأخر من كلام ابن جبير أيضًا راويًا له عن ابن عباس فلم يقع الاعتراض بكلام أجنبي، وكذلك من دون سعيد بن جبير بعد ذلك من كلامه أيضًا حين تكلم به راويًا له عنه فليتأمل.
وقد أبدى ابن كمال باشا نكتة بديعة لقول ابن عباس كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما غير ما ذكره الشراح فقال: لم يقل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما كما قال سعيد: كما رأيت ابن عباس يحركهما لا لما قيل: إن ما ذكر أعم من أنه رأى بنفسه تحريك رسول الله صلى الله عليه وسلم شفتيه أم سمع أنه حركهما، والغالب أنه لم ير؛ لأن هذا كان في أوائل البعثة وابن عباس لم يولد بعد أو كان صغيرًا؛ لأنه كان عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث عشرة سنة؛ لأن فيه تهمة التدليس، وابن عباس أعلى شأنًا من أن يظن فيه مثل هذا، بل لأن فيه مزية تفرد بقصدها ابن عباس وهي أن فيه دلالة على عدم التصور في التصوير حيث شبهه بما هو الواقع لا بما هو المرئيُّ، والفرق بينهما واضح وقد نبه عليه من قال: قال عليه السلام: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) )ولو قال صلوا كما أصلي لما تيسر الخروج عن عهدة المأمور به فافهم هذه الدقيقة فإني تفردت باستخراجها كما تفرد ابن عباس بقصدها.
بقي هنا شيء وهو أن هذا الحديث مسلسل بتحريك الشفة من آخره، وعادة المحدثين في المسلسلات وغيرها تقديم الراوي على المروي عنه، فكان مقتضى ذلك أن يقال: فقال سعيد بن جبير: (( فأنا أحركهما لك كما رأيت ابن عباس يحركهما ) )، وقال ابن عباس: (( وأنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما ) )فانظر السر والحكمة في إيراده على خلاف المعتاد.
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) ولأبوي ذر والوقت: وهذه الجملة قال العيني: معطوفة بالفاء على كان رسول الله يعالج.
وقال ابن كمال باشا: فأنزل الله تعالى قد مر أنه مرتبط بقوله: وكان مما يحرك شفتيه فالفاء تفريعية يعني كان ما ذكر من تحريكه عليه السلام شفتيه عند نزول القرآن عليه سببًا لنزول قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} الآية انتهى.
( {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ} ) أي: بالقرآن لسانك؛ أي: لا تتكلم بما يلقيه جبريل عليك من القرآن حال قراءته عليك، بل اصبر حتى يتم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر إذا لقن القرآن نازع جبريل عليه السلام القراءة ولم يصبر حتى يتمها مسارعة إلى الحفظ؛ لئلا يتفلت منه شيء، قاله الحسن وغيره.
قال في (( عمدة القاري ) ): قال الكرماني: فإن قلت: القرآن يدل على تحريك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسانه لا شفتيه فلا تطابق بين الوارد والمورد فيه.
قلت: التطابق حاصل؛ لأن التحريكين متلازمان غالبًا، أو أنه يحرك الفم المشتمل على اللسان والشفتين فيصدق كل منهما، وتبعه بعض الشراح على هذا.
وهذا تكلف وتعسف بل إنما هذا من باب الاكتفاء والتقدير، وكان مما يحرك شفتيه ولسانه كما في قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] أي: والبرد، ويدل عليه رواية البخاري في التفسير من طريق جرير: (( فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه ) )والملازمة بين التحريكين ممنوعة كما لا يخفى، وتحريك الفم مستبعد بل مستحيل؛ لأن الفم اسم لما يشتمل عليه الشفتان، وعند الإطلاق لا يشتمل على الشفتين ولا على اللسان لا لغة ولا عرفًا فافهم انتهى.
ومراد ببعض الشراح الحافظ ابن حجر وعبارته: قوله فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} لا تنافي بينهما؛ لأن تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان، أو اكتفى بالشفتين وحذف اللسان لوضوحه؛ لأنه الأصل المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان انتهى.
فقوله: واكتفى بالشفتين ... إلخ عين ما ذكره العيني بقوله: بل هذا من باب الاكتفاء لا مخالفة بينهما إلا في العبارة على أن في كلام ابن كمال باشا ما يؤيد الوجه الأول ولفظه: فإن قلت يفهم منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرك لسانه عند نزول القرآن عليه فما وجه قول الراوي أنه عليه السلام يحرك شفتيه؟.
قلت: إنه كني بتحريك الشفتين عن تحريك اللسان لعلاقة اللزوم بينهما غالبًا، ولا يخفى ما في هذه الكناية من حسن الأدب حيث تضمنت التحرز عن التصريح برؤيته تحريكه عليه السلام لسانه لتوقف رؤية تحريك اللسان على انفتاح الفم وفيه ما فيه فافهم
ج 1 ص 102
انتهى.
فليس مراد الحافظ بقوله: يلزم منه تحريك اللسان اللزوم العقلي ليرد عليه ما ذكره بقوله: والملازمة بين التحريكين ممنوعة بل اللزوم بحسب الأعم الأغلب، كما ذكره ابن الكمال فليتأمل.
( {لِتَعْجَلَ بِهِ} ) أي: لتأخذه على عجلة مخافة أن يتفلت منك، وعند ابن جرير من رواية الشعبي: (( عجل به من حبه إياه ) )ولا تنافي بين محبته إياه والشدة التي تلحقه في ذلك.
وفي (( الكشاف ) ): أمر صلى الله عليه وسلم بأن ينصت له ملقيًا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضى إليه وحيه، والمعنى: لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأه لتأخذه على عجلة.
ثم علل النهي عن العجلة بقوله: ( {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} ) أي: في صدرك ( {وَقُرْآنَهُ} ) أي: إثبات قراءته في لسانك ( {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} ) جعل قراءة جبريل قراءته، والقرآن القراءة ( {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ) فكن مقتفيًا له وطن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ فنحن في ضمان تحفيظه ( {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ) إذا أشكل عليك شيء من معانيه كأنه كان يعجل، والحفظ والسؤال عن المعنى جميعًا كما ترى بعض الحراص على العلم ونحوه: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه:114] انتهى.
وفي (( تفسير القاضي البيضاوي ) ): وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب العجلة لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهم الأمور وأصل الدين، فكيف بها في غيره، أو بذكر ما اتفق في أثناء نزول هذه الآيات، وقيل: الخطاب مع الإنسان المذكور، والمعنى أنه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفًا فيقال له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا} بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك، وقراءته: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} بالإقرار والتأمل فيه ثم إن علينا بيان أمره بالجزاء عليه انتهى.
ووجه الدليل من الآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ما في ثم من التراخي.
قال العيني: وفيه دلالة على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو مذهب أهل السنة وذلك؛ لأن ثم تدل على التراخي، كذا قاله الكرماني.
قلت: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع عند الكل إلا عند من جوز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فاختلفوا فيه فذهب الأكثرون إلى جوازه، واختاره ابن الحاجب.
وقال الصيرفي والحنابلة: ممتنع، وقال الكرخي: بالتفصيل وهو أن تأخيره عن وقت الخطاب ممتنع في غير المجمل كبيان التخصيص والتقييد، والنسخ إلى غير ذلك، وجائز في المجمل كالمشترك.
وقال الجبائي: تأخير البيان عن وقت الخطاب ممتنع في غير النسخ، وجائز في النسخ انتهى.
ونازع ابن كمال باشا: في كون الآية دليلًا على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب معناه فقائم إن تم لترتيب الأخبار لا لترتيب الوجود؛ أي: ثم يخبرك أنا نبين لك كما أنزلناه عليك، ذكره النسفي في (( تفسيره ) ).
وإنما يصح حمله على ترتيب الوجود أن لو قيل: ثم نبين، وأما على ما وقع في نظم القرآن فلا وجه لحمله عليه إذ لا معنى؛ لأن يقال أن كون البيان عليه تعالى مؤخر عن نزول القرآن عليه، ومن غفل عن هذا قال: هو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب انتهى وأراد بمن غفل البيضاوي والكرماني كما في هامش تعليقه.
(قَالَ) أي: ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير جمعه في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} [القيامة:17] (جَمْعُهُ) بفتح الميم والعين (لَكَ [1] صَدْرِكَ) بالرفع على الفاعلية، كذا في أكثر الروايات وهي في اليونينية للأربعة، وفيه إسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز العقلي؛ لأنه محل الجمع؛ أي: جمعه الله لك في صدرك كقولهم: أنبت الربيع البقل؛ أي: أنبت الله البقل في الربيع واللام في لك للتبيين أو التعليل، وفي رواية كريمة والحموي: بفتح الجيم وإسكان الميم لك في صدرك.
قال في (( الفتح ) ): وهو توضيح للأول؛ أي: للرواية الأولى، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: بسكون الميم وضم العين مصدرًا ورفع صدرك فاعلًا به، كذا في (( إرشاد الساري ) ).
والتركيب على هذا الإعراب غير مفيد على ما لا يخفى لعدم تمامه فلابد من تقدير خبر للمبتدأ الذي هو المصدر كواقع أو حاصل، وضمير جمعه في جميع الروايات راجع للقرآن.
قال ابن كمال باشا: ومن زعم أنه راجع إلى الله تعالى فقد أخطأ؛ لأن ابن عباس ذكره في تفسير قوله تعالى: {جَمْعَهُ} وضميره راجع إلى القرآن قطعًا، والمطابقة بين التفسير والمفسر واجبة انتهى، ومراده بمن زعم الكرماني.
(وَتَقْرَأَهُ) بفتح الهمزة في اليونينية على حذف أن، وفي بعضها بالرفع، وهذا أيضًا من قول ابن عباس تفسيرًا لقوله تعالى: {وَقُرْآنَهُ} يعني أن علينا أن نقرأه؛ أي: إثبات قراءته في لسانك، قاله البيضاوي.
فالمراد بالقرآن هنا القراءة لا الكتاب المنزل عليه صلى الله عليه وسلم.
(فإذا قرأناه) أي: بلسان جبريل عليك، وفيه كما قال القاضي عياض:
ج 1 ص 103
إضافة ما يكون بأمره تعالى إليه (فاتبع قرآنه) قال ابن عباس في تفسير فاتبع: فاسمع له يعني لا تكن قراءتك مع قراءة جبريل عليه السلام بل متأخرة عنها، ولأبي الوقت: من باب الافتعال.
قال العيني: والفرق بين السماع والاستماع أنه لابد في باب الافتعال من التصرف، والسعي في ذلك ولهذا ورد في القرآن: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] بلفظ الاكتساب في الشر؛ لأنه لابد فيه من السعي بخلاف الخير، فالمستمع هو المصغي القاصد للسماع.
وقال الكرماني عقيب هذا الكلام: وقال الفقهاء: تسن سجدة التلاوة للمستمع لا للسامع.
قلت: هذا لا يتمشى على مذهب الحنفية، فإن قصد السماع ليس بشرط في وجوب السجدة مع أن هذا يخالف ما جاء في الحديث: (( السجدة على من تلاها وعلى من سمعها ) )انتهى.
أقول: عدم تمشيه على مذهب الحنفية ظاهر من قوله تسن؛ لأن السجدة عند الحنفية واجبة وكون سنية السجدة مخصوص بالمستمع وجه عند الشافعية والراجح خلافه.
(وَأَنْصِتْ) همزته همزة قطع، قال تعالى: {فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} [الأعراف:204] وفيه لغتان: أنصت بكسر الهمزة وفتحها، فالأولى من نصت ينصت نصتًا، والثانية من أنصت ينصت إنصاتًا إذا سكت واستمع للحديث يقال: أنصتوه وأنصتوا له وأنصت فلان فلانًا إذا أسكته وانتصت سكت.
وذكر الأزهري: نصت وأنصت وانتصت الكل بمعنى واحد، كذا في (( عمدة القاري ) ).
وقال ابن كمال باشا: الإنصات هو السكوت حال الاستماع لأجله نص على ذلك الزمخشري في (( الفائق ) )لا مطلق السكوت كما ذهب إليه الكرماني.
قال الإمام الراغب في كتابه (( الذريعة ) ): الفرق بين الصمت والسكوت والإنصات أن الصمت أبلغ؛ لأنه قد يستعمل فيما لا قوة فيه للنطق ولما له قوة النطق، ولهذا قيل: لما لم يكن له نطق الصامت والمصمت والسكوت لما له نطق فترك استعماله، والإنصات سكوت مع استماع ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له في الحقيقة إنصات، وعلى ذلك قال تعالى: {فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} إلى هنا كلامه.
أراد أنه مقيد بمقارنة الاستماع لا أن الاستماع معتبر في مفهومه داخل في حده كما يفهم من قول الجوهري الإنصات السكوت والاستماع للحديث؛ لأن ما وقع في قوله تعالى من عطف الإنصات على الاستماع يأباه انتهى.
فقد اضطرب كلام أهل اللغة في ترادفهما، وأخصية الإنصات، والأكثر على الثاني وهو أحكم؛ لأن التأسيس خير من التأكيد.
( {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيِانَه} ) قال ابن عباس في تفسيره: ثم إن علينا أن نقرأه بالنون في أوله حمل البيان على القراءة مرة بعد أخرى.
وفي (( تفسير النسفي ) ): أي نأمر جبريل عليه السلام أن يقرأه عليك في كل سنة حتى لا تنسى منه شيئًا.
قال ابن عباس: نزل {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى} [الأعلى:6] قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فلم يفسر بعد نزول هذه الآية شيئًا حتى مات، وهذا تفسير ابن عباس، وفسره غيره ببيان ما أشكل عليك من معانيه قال: وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب انتهى.
قال في (( إرشاد الساري ) ): وهو الصحيح عند الأصوليين، ونص عليه الشافعي لما تقتضيه، ثم من التراخي، وأول من استدل لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن الطيب وتبعوه، وهذا لا يتم إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حمل على أن المراد استمرار حفظه له بظهوره على لسانه فلا.
قال الآمدي: يجوز أن يراد بالبيان الإظهار لا بيان المجمل يقال: بان الكوكب إذا ظهر قال: ويؤيد ذلك أن المراد جميع القرآن، والمجمل إنما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعض.
وقال أبو الحسن البصري: يجوز أن يراد البيان التفصيلي ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجمالي فلا يتم الاستدلال، وتعقب باحتمال إرادة المعنيين الإظهار والتفصيل وغير ذلك؛ لأن قوله بيانه جنس مضاف فيعم جميع أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير
ج 1 ص 104
ذلك، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة طه: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه:114] انتهى.
وقد تقدم بحث ابن الكمال في ذلك.
(فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد نزول هذه الآيات (إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ) عليه السلام.
قال العيني: جبريل هو ملك الوحي إلى الرسل عليهم السلام الموكل بإنزال العذاب والزلازل والدمادم، ومعناه عبد الله بالسريانية؛ لأن جبر عبد بالسريانية وإيل اسم من أسماء الله تعالى، وروى عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة: أن اسم جبريل عبد الله، واسم ميكائيل عبد [2] الله.
وقال السهيلي: جبريل سرياني، ومعناه عبد الرحمن أو عبد العزيز، كذا عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح.
وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذه الأسماء مقلوبة فأيل هو العبد وأوله اسم من أسماء الله تعالى، والجبر عند العجم موافق للغة العرب وهو إصلاح ما فسد وفي الوحي إصلاح ما فسد، وجبر ما وهى من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة ولا بأرض العرب، ولهذا لما ذكرته خديجة لبعض الرهبان كعداس ونسطورا قالا: قدوس قدوس من أين هذا الاسم بهذه البلاد؟.
ورأيت في أثناء مطالعتي في بعض الكتب أن اسم جبريل عبد الجليل، وكنيته أبو الفتوح، واسم ميكائيل عبد الرزاق وكنيته أبو الغنائم، واسم إسرافيل عبد الخالق وكنيته أبو المنافح، واسم عزرائيل عبد الجبار وكنيته أبو يحيى انتهى.
وذكر صاحب (( الكشاف ) )فيه سبع لغات، وزاد ابن الأنباري لغتين أخريين تطلب من كتب القراءات وهو أفضل الملائكة على المشهور.
لكن في (( الفتاوى الحديثية ) )لابن حجر المكي ما نصه: وأفضلهم جبريل وإسرافيل، وتعارضت الأحاديث في أفضلهما، وأكثرها يدل على أفضلية إسرافيل عليه السلام انتهى.
(اسْتَمَعَ) أي: له وأصغى إليه.
قال ابن الكمال: وحذف المفعول لإظهار كمال العناية إلى أصل الفعل، ولا يخفى حسن موقعه في هذا المقام.
(فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ) عليه السلام أعاده ظاهرًا والمقام للإضمار للتبرك باسمه (قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ) ضميره المستتر راجع إلى جبريل والبارز إلى القرآن، وللأصيلي وابن عساكر: بحذف المفعول، ولأبي ذر عن الكشميهني: ، والحاصل من تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ثلاث حالات:
الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره وإيضاحه.
ومناسبة الحديث لما ترجم له واضحة؛ لأن فيه بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الوحي أو عند ظهوره، ورواته ما بين مكي، وكوفي، وبصري، وواسطي، وفيه تابعي عن تابعي وهما موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير.
وأخرجه المؤلف في التفسير وفضائل القرآن، ومسلم في الصلاة.
ولما كان ابتداء نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان على الأصح كنزوله من اللوح المحفوظ إلى السماء إلى بيت العزة جملة واحدة بشرع يذكر حديث تعاهد جبريل عليه السلام له صلى الله عليه وسلم، ومدارسته القرآن في رمضان كل سنة مرة إلا في السنة التي قبض فيها فعارضه به مرتين.
[1] في المتن: (( له في صدرك ) ).
[2] كذا في المخطوط ولعل الصواب: (( عبيد ) ).