وبالسند قال:
3 -4 - (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: بواو العطف (يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) تصغير بكر بالموحدة أبو زكريا القرشي المخزومي المصري، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ونسبه المؤلف لجده لشهرته به، واسم أبيه: عبد الله وهو من كبار حفاظ المصريين، وأثبت الناس في الليث بن سعد، روى البخاري عنه في مواضع، وروى عن محمد بن عبد الله هو الذهلي عنه في مواضع، قاله أبو النصر الكلاباذي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بالمثلثة آخره، ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، وكنيته: أبو الحارث المصري عالم أهل مصر من تابعي التابعين، قال أبو نعيم: أدرك نيفًا وخمسين من التابعين.
وقال ابن الملقن: ولد بقلقشندة على نحو أربع فراسخ من القاهرة سنة ثلاث أو أربع وتسعين، ومات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وقبره في قرافة مصر يزار، وعليه من الجلالة والبهاء ما هو لائق به، وكان حنفي المذهب فيما قاله ابن خلكان.
قال القسطلاني: لكن المشهور أنه مجتهد، وقد روينا عن الشافعي أنه قال: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به.
وقال يحيى بن بكير: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك انتهى.
وكان دخله في السنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط؛ أي: لأنه كان ينفقه، ولما قدم المدينة أهدى إليه مالك من طرفها فبعث إليه ألف دينار.
وقال في (( أسنى المطالب ) ): كان دخل الليث بن سعد في كل يوم ألف دينار ومن ثم لما أرسل الرشيد لمالك بن أنس خمسمائة دينار أرسل إليه الليث ألفًا فعتب عليه الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين دخلي كل يوم ألف دينار فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم، وكان لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلاثمائة وستين مسكينًا، انتهى.
أقول: ولعل تخصيص الصدقة بهذا العدد للحديث المشهور: (( كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس ) )وقد قالوا: إن في كل إنسان ثلاثمائة وستين سلامى.
قال العيني: وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه، نعم في الرواة ثلاثة غيره أحدهم مصري وكنيته: أبو الحارث أيضًا وهو ابن أخي سعيد بن الحكم، والثاني: يروي عن ابن وهب ذكرهما ابن يونس في (( تاريخ مصر ) )، والثالث: تنيسي حدث عن بكر بن سهل.
(عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل _ بفتح العين _ الأيلي _ بالمثناة التحتية _ القرشي الأموي الحافظ، مولى عثمان بن عفان، مات سنة إحدى وأربعين ومائة وقيل: سنة أربع بمصر فجأة.
قال العيني: وليس في الكتب الستة من اسمه عقيل بضم العين غيره.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أبي بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله مصغرًا ابن عبد الله مكبرًا ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الزهري المدني، وهو من رهط آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، اتفق العلماء على إمامته
ج 1 ص 60
وحفظه وتوثيقه.
قال الليث: ما رأيت عالمًا أجمع من الزهري ولا أكثر علمًا منه، وقال الكرماني: وقد وصفوه بأنه جمع علم جميع التابعين.
قال العيني: وهو تابعي صغير سمع أنسًا وربيعة بن عباد وخلقًا من الصحابة، ورأى ابن عمر رضي الله عنهما، ويقال: إنه سمع منه حديثين وعنه جماعات من كبار التابعين منهم عطاء وعمر بن عبد العزيز ومن صغارهم ومن الأتباع أيضًا، سكن الشام ومات بها، وأوصى أن يدفن على الطريق بقرية يقال لها: شغب وبدا في رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن اثنين وسبعين سنة.
قلت: شغب بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين وفي آخره باء موحدة، وبدا بفتح الباء الموحدة انتهى.
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رضي الله تعالى عنها، وقد تقدم ذكرهما في الحديث السابق (أَنَّهَا) أي: عائشة (قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ) بضم الموحدة وكسر الدال وبالهمز آخره (بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ) إليه.
(الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ) قال القسطلاني: هذا الحديث يحتمل أن يكون من مراسيل الصحابة، فإن عائشة لم تدرك هذه القصة، لكن الظاهر أنها سمعت ذلك منه صلى الله عليه وسلم لقولها: (( قال فأخذني فغطني ) )فيكون قولها أول ما بدئ به حكاية ما تلفظ به النبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فلا يكون من المراسيل انتهى.
وفيه نظر لأن المحققين من الحفاظ جزموا بأنه مرسل صحابي وهو حجة عند جميع العلماء إلا ما تفرد به أبو إسحاق الإسفراييني.
ففي (( المصابيح ) ): هذه القصة لم تحضرها عائشة رضي الله عنها، ولا أدركتها فهذا من مراسيل الصحابة والصحيح أنها حجة.
وقال الإسفراييني: لا تكون حجة إلا إذا قال: لا أروي إلا عن صحابي انتهى.
وقال ابن كمال باشا: إن عائشة رضي الله عنها صحابية روت حادثة لم تشاهدها، ولم تذكر المروي عنه فلا جرم كان ما روته من مراسيل الصحابة رضي الله عنهم.
وما قيل فيه نظر؛ لأنها صحابية وقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مرسلًا وشهود الحادثة ليس بشرط مردود.
أما أولًا: فلأن سماعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متعين وكونها صحابية لا يوجب ذلك، فإن الصحابي كثيرًا ما يروي عن صحابي آخر.
وأما ثانيًا: فلأن سماعها عنه لا يجدي؛ لأنها لم ترو عنه عليه الصلاة والسلام فلا يخرج عن حد الإرسال بتحقق السماع؛ لأن المرسل ما لم يذكر فيه الرواية عنه لا ما لم يسمعه الراوي عنه عليه السلام.
وأما ثالثًا: فلأن المروي إذا كان فعلًا كالذي نحن فيه لابد للراوي من شهوده حتى تخرج روايته ذلك الفعل عن حد الإرسال.
وأما ما قيل: الظاهر أنها سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم لقولها: (( قال فأخذني فغطني ) )فيكون قولها أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية ما تلفظ به كقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران:12] بالتاء والياء.
فمعارض بمثله وهو الظاهر أنها لم تسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لما تركت الرواية عنه مع علمها بما في الإسناد من القوة وما في تركه من الضعف فيكون قولها: (( قال فأخذني ) )محمولًا على النقل من الغير انتهى.
وقائل القول الأول أكمل الدين في (( شرح المشارق ) )وقائل القول الثاني الطيبي في (( شرح مشكاة المصابيح ) ).
وقال علي القاري في (( شرحه على المشكاة ) )بعد ما نقل عن النووي الجزم بأنه من مراسيل الصحابة، ثم نقل عن الطيبي ما ذكره عنه ابن كمال باشا: قلت: هذا غريب من الطيبي لأنها لم تسند في صدر الحديث أنها
ج 1 ص 61
سمعت منه صلى الله عليه وسلم وما كان كذلك كان من المراسيل إما عنه، أو عن صحابي، ولا ينافيه قولها قال فإنه إما نقل كلامه صلى الله عليه وسلم، وإما نقل كلام الصحابي، والتقدير قال ناقلًا عنه صلى الله عليه وسلم انتهى.
و (( من ) )في قوله (( من الوحي ) )يحتمل أن تكون تبعيضية؛ أي: من أقسام الوحي، ويحتمل أن تكون بيانية ورجحه القزاز، كذا في (( الفتح ) ).
وقال في (( المصابيح ) ): لبيان الجنس، وقيل: للتبعيض، وقال في (( شرح المشكاة ) ): تبعيضية لا بيانية كما قيل؛ أي: أول ما ابتدئ به من أقسام الوحي الرؤيا الصالحة انتهى.
ووقع في رواية معمر ويونس عند المصنف الصادقة، وهي التي ليس فيها ضغث، والرؤيا مصدر كالرجعى وهي كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم فرق بينهما بحرفي التأنيث كالقربة والقربى يقال: رأى بالعين رؤية، ورأى بقلبه رأيًا، ورأى في المنام رؤيا.
قال ابن كمال باشا: والرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيه من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فيرسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه.
وفي رواية مسلم، ويوافقها رواية المصنف في كتاب التعبير الصادقة والمراد واحد، وفائدة التقييد بها الاحتراز عن الرؤيا الغير الصالحة، واحتمال كونه للتوضيح مبني على ما قيل: إن الرؤيا لا تكون إلا صالحة وغير الصالحة هي الحلم وذلك المبني وإن لم تساعده اللغة؛ لأن كلًا منهما يعم القسمين بحسب اللغة، لكن ورد في الخبر: (( الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ) ).
وكفى بذلك مستندًا له، ومن توهم أن الرؤيا الكاذبة مسماة بأضغاث أحلام فقد وهم؛ لأنها جمع معناها أباطيل الأحلام، والرؤيا مفرد على أن الثابت صحة إطلاقها على الرؤيا الكاذبة لا كونها اسمًا لها.
قالوا: إنما بدئ صلى الله عليه وسلم بالرؤيا؛ لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها القوى البشرية فبدئ بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا، وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الشجر والحجر عليه بالنبوة.
ولك أن تقول لما كان بدء الوحي بإنزال المعاني المجردة في القوالب الحسية كان المناسب أن يكون بالخيال في النوم دون الحس في اليقظة؛ لأن المعاني المجردة المعقولة أقرب إلى الخيال منها إلى الحس؛ لأن الحس طرف أدنى، والمعنى طرف أعلى وألطف والخيال بينهما، والوحي معنى فإذا أراد المعنى أن ينزل إلى الحس فلابد أن يعبر على الخيال قبل وصوله إلى الحس، والخيال من شأنه أن يصور كلما حصل عنده في صورة المحسوس فلهذا بدئ بالخيال انتهى.
وقال العارف بالله تعالى الشيخ محيي الدين بن عربي في فص حكمة نورية في كلمة يوسفية: هذه الحكمة النورية انبساط نور على حضرة الخيال، وهو أول مبادئ الوحي الإلهي في أهل العناية تقول عائشة رضي الله عنها: (( أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح تقول لا خفاء بها ) )، وإلى هنا بلغ علمها لا غير فكانت المدة له في ذلك ستة أشهر، ثم جاءه الملك وما علمت؛ أي: ما لاحظت ولا تنبهت أن رسول
ج 1 ص 62
الله صلى الله عليه وسلم قد قال: (( إن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) ).
وكل ما يرى في حال النوم فهو من ذلك القبيل وإن اختلفت الأحوال فمضى قولها [1] ستة أشهر بل عمره كله بتلك المثابة إنما هو منام في منام، وكل ما ورد من هذا القبيل فهو المسمى عالم الخيال ولهذا يعبّر؛ أي: الأمر الذي هو في نفسه على صورة كذا ظهر في صورة غيرها فيجوز العابر من هذه الصورة التي أبصرها النائم إلى صورة ما الأمر عليه إن أصاب كظهور العلم في صورة اللبن فعبر في التأويل من صورة اللبن إلى صورة العلم انتهى.
وقال في مكان آخر: فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج إلى علم آخر يسمى بعلم التعبير يدرك به ما أراد الله تعالى بتلك الصورة الظاهرة في حضرة الخيال، ألا ترى كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه في تعبيره الرؤيا: (( أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا ) )فسأله أبو بكر أن يعرفه ما أصاب فيه وما أخطأ فلم يفعل صلى الله عليه وسلم انتهى.
والحديث الذي وقع فيه تعبير أبي بكر مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبو هريرة يحدث أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت ظلة ينطف منها السمن والعسل، وأرى الناس يتكففون في أيديهم المستكثر والمستقل، وأرى سببًا واصلًا من السماء إلى الأرض، وأراك يا رسول الله أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلا فقال أبو بكر: أي رسول الله بأبي أنت وأمي لتدعني فلأعبرها فقال: (( اعبرها ) )فقال: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته، وأما المستكثر والمستقل فهو المستكثر من القرآن والمستقل منه، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به بعدك رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر بعده فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر بعده فيقطع به ثم يوصل له فيعلو، أي رسول الله لتحدثني أصبت أم أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا ) )فقا [ل] : أقسمت بأبي أنت وأمي يا رسول [الله] لتحدثني بالذي أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تقسم ) )هذا حديث متفق على صحته، كذا في (( شرح الفصوص ) )للجامي.
وقوله: (( في النوم ) )قال في (( الفتح ) ): صفة موضحة أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لجواز إطلاقها عليها مجازًا.
وقال ابن كمال باشا: تأكيد وتحقيق للمعنى المراد من الرؤيا فإن حقيقتها لما كانت إدراكًا للمعاني بالخيال، وذلك قد يكون في اليقظة فعسى أن يتوهم أن ما يقع في بدء الوحي من الرؤيا يكون في اليقظة فلدفع هذا الوهم أتى بالقيد المذكور انتهى.
وقال في (( إرشاد الساري ) ): وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر فيما حكاه البيهقي، وحينئذ فيكون ابتد [اء] النبوة بالرؤيا حصل في شهر ربيع وهو شهر مولده، واحترز بقوله من الوحي عما رآه من دلائل نبوته من غير وحي كتسليم الحجر عليه كما في مسلم، وأوله مطلقًا ما سمعه من بحيرا الراهب كما في الترمذي بسند صحيح انتهى.
(فَكَانَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم وفي نسخة للأصيلي: بالواو (لاَ يَرَى رُؤْيَا) بترك التنوين لمنع الصرف بألف التأنيث المقصورة (إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) (( كان ) )هنا للدلالة على استمرار تلك الحالة وعدم تخلفها، و (( مثل ) )منصوب على أنه حال من ضمير
ج 1 ص 63
(( جاءت ) )و (( فلق الصبح ) )ضياؤه كما في (( المصابيح ) ).
وفي (( المصباح ) ): و (( الفلق ) )بفتحتين ضوء الصبح انتهى.
وقال الجوهري: (( الفلق ) )بالتحريك الصبح بعينه، وقال صاحب (( الكشاف ) ): الفلق والفرق الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح انتهى.
وفي (( القاموس ) ): الفلق محركة الصبح أو ما انفلق من عموده انتهى.
أقول: ما في (( المصابيح ) )و (( المصباح ) )مخالف لظاهر كلام (( الصحاح ) )و (( القاموس ) )والزمخشري كما لا يخفى فما التوفيق بين الكلامين، ويمكن التوفيق بادعاء اشتراك الفلق بين ضياء الصبح وبين الصبح بعينه، ونظير ذلك لفظة الشمس فإنه مشترك بين الجرم والشعاع ومجموعهما على ما ذكره المولى سعد الدين في (( شرح التلخيص ) )فالإضافة على الإطلاق الأول ظاهرة، وأما على الإطلاق الثاني فهو كالإضافة في سعيد كرز.
وقال ابن الكمال: وأصل الفلق الشق، وإطلاق الفلق على الصبح باعتبار المعنى العام له ولغيره على ما أشار إليه صاحب (( الكشاف ) )فإضافته إلى الصبح من قبيل إضافة العام إلى الخاص كما في قولهم: عين الشيء ونفسه، ومن توهم أنه اسم للصبح فأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين فقد وهم انتهى.
أقول: الوهم ظاهر إن كان مراد القائل في تعليل صحة الإضافة باختلاف اللفظين اختلافهما مع اتحاد المعنى، وأما إن كان مراده باختلاف اللفظين اختلافهما مع اختلاف المعنى بالعموم والخصوص فلا وهم في كلامه.
ثم رأيت في (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري ما يقتضي أن ذلك مراد هذا القائل وعبارته: قال شارح: الفلق بالتحريك الصبح بعينه وحسنت إضافته إلى الصبح لاختلاف اللفظين لكونه من الألفاظ المشتركة فإنه يطلق الفلق على الصبح وعلى المطمئن من الأرض فشبهت ما جاء في اليقظة موافقًا لما رآه في المنام بالفلق لإنارته وإضاءته وصحته.
وقال القاضي: شبه ما جاء في اليقظة ووجد في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه والفلق الصبح، لكن لما كان مستعملًا في هذا المعنى وفي غيره كالخلق كله في قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق:1] أضيف إلى التخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص كقولهم: عين الشيء ونفس الشيء انتهى.
وقال الطيبي: للفلق شأن عظيم ولذلك جاء وصفًا لله تعالى في قوله سبحانه: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} [الأنعام:96] وأمر بالاستعاذة برب الفلق؛ لأنه ينبئ عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة، وطلوع تباشير الصبح بظهور سلطان الشمس وإشراقها الآفاق؛ لأن الرؤيا الصالحة مبشرات تنبئ عن وفود أنوار عالم الغيب، وأنار مطالع الهدايات شبه به الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوة وتنبيه من تنبيهاتها لمشركي العقول على ثبوت النبوة؛ لأن النبي إنما سمي نبيًا؛ لأنه منبئ عن عالم الغيب الذي لا تستقل العقول بإدراكه انتهى.
وهل نزل عليه شيء من القرآن في النوم؟
حكى الرافعي فيه خلافًا وقال: الأشبه أن القرآن كله نزل يقظة انتهى.
(ثُمَّ حُبِّبَ) بالبناء للمفعول (إِلَيْهِ) إلى ههنا للتبيين مثلها في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف:33] وهي المبينة لفاعلية مجرورها
ج 1 ص 64
(الْخَلاَءُ) بالمد مصدر بمعنى الخلوة يقال: خلا خلوة وخلاء، وهو مرفوع بالنيابة عن الفاعل لـ (( حبب ) )وإنما بني لما لم يسم فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كل من عند الله أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر أو يكون ذلك من وحي الإلهام، كذا في (( الفتح ) ).
وإنما حبب إليه الخلوة التي هي من قبيل التخلية المقدمة على التحلية؛ لأنها كما ذكره الخطابي معينة على الفكر لفراغ القلب معهما، والبشر لا ينتقل عن سجيته إلا بالرياضة فلطف الله تعالى به حيث حبب إليه في ابتداء أمره الخلوة، والانقطاع عن الخلطة بالناس ليجد الوحي منه متمكنًا ومرادًا سهلًا إذ بها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه ويجمع همه، فالمخلص في الخلوة يفتح الله عليه ما يؤنسه في خلوته من تعويض الله تعالى إياه عما تركه لأجله، واستنار قلبه بنور الغيب حين تذهب ظلمة النفس، واختيار الخلوة لسلامة الدين، وتفقد أحوال النفس، ولخلاص العمل لله تعالى انتهى.
واختلف في أفضلية الخلوة والجلوة والخلطة والعزلة، والصحيح أن كل واحدة بشروطها المعتبرة في محلها هي الأفضل والأكمل للمصلحة المترتبة عليها الحكمة الإلهية، واقتضاء صفة الربوبية، كذا في (( شرح المشكاة ) )للمحقق علي القاري.
وقال النووي: الخلوة شأن الصالحين وعباد الله العارفين.
وفي (( إرشاد الساري ) ): وفيه تنبيه على فضل العزلة؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا وتفرغه لله تعالى فتتفجر منه ينابيع الحكمة والخلوة أن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يصير خليقًا بأن يكون قالبه ممرًا لواردات علوم الغيب، وقلبه مقرًا لها وخلوته عليه الصلاة والسلام إنما كانت لأجل التقرب لا على أن النبوة مكتسبة انتهى.
(وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ) قال الجوهري: (( الغار ) )كالكهف في الجبل قال: والكهف كالبيت المنقور في الجبل، ومن لم يفرق بين الغار والكهف وقال الغار هو الكهف والنقب في الجبل فقد أخطأ، ذكره ابن الكمال ومراده بمن لم يفرق النووي وأكمل الدين.
و (( حراء ) )بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء، قال القاضي: يمد ويقصر ويؤنث ويذكر ويصرف ولا يصرف يريد أن الصرف مع التذكير على إرادة الموضع والمنع على التأنيث على إرادة البقعة، وحكى الأصيلي فتح الحاء والقصر وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة على يسار الذاهب إلى منى، كذا في (( المصابيح ) )للدماميني.
وقد ألغز فيه بعضهم فقال:
~وما اسم أنت فيه وجوه عديدة يؤنث طورًا وهو طورًا يذكر
~وقد جاء فيه الصرف أيضًا ومنعه ومن شاء يمدده ومن شاء يقصر
وكذا حكم قباء وقد جمع بينهما من قال:
~حراء وقباء ذكر وأنثهما معًا ومد أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا
واقتصر في (( الفتح ) )على كسر الحاء مع المد وفتحها مع القصر، قال: وحكي فيه غير ذلك جوازًا لا رواية انتهى.
(فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ) أي: فيتعبد في ذلك الغار فرارًا من الأغيار، والتحنث: بالحاء المهملة والنون فثاء مثلثة مشتق من الحنث وهو الإثم يقال: فلان يتحنث من كذا؛ أي: يتأثم منه، ونظيره التحوب والتأثم والتحرج والتخون، فإن مجيء فعَل للتجنب كثير شائع، ومن قصره على المثالين الأولين فقد قصر، كما ذكره ابن الكمال.
وفي (( المصابيح ) ): يقال: تأثم وتحوب إذا اجتنب الإثم والحوب، قال العسكري: ورواه بعضهم يتحنف؛ أي: يتبع الحنيفية؛ أي: دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وفي (( سيرة ابن هشام ) ):
ج 1 ص 65
تقول العرب: التحنث والتحنف يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من التاء كما قالوا جدث وجدف يريدون القبر انتهى.
(وَهُوَ) أي: التحنث المفهوم من (( يتحنث ) ) (التَّعَبُّدُ) فكان المتعبد يتحرز عن الحنث بمعنى الإثم، ويتجنب عنه بعبادته، وهذه الجملة مدرجة في كلام عائشة وليست منه.
قال في (( الفتح ) ): هذا؛ أي: لفظ (( وهو التعبد ) )مدرج في الخبر من تفسير الزهري كما جزم به الطيبي، ولم يذكر دليله، نعم رواية المؤلف من طريق يونس عنه في التفسير تدل على الإدراج انتهى.
(اللَّيَالِيَ) قال في (( المصابيح ) ): منصوب على الظرفية وعامله يتحنث لا التعبد من قوله (( وهو التعبد ) )لئلا يفسد المعنى انتهى.
أي: لأن التحنث لا يشترط فيه الليالي بل هو مطلق التعبد.
وقال ابن كمال باشا: والعامل في الظرف المذكور بـ (( يتحنث ) )لا التعبد لا لما قيل إنه يفسد المعنى؛ لأن التحنث لا يشترط فيه الليالي، بل لأن التعبد ليس من كلام عائشة رضي الله عنها بل هو مدرج كما عرفت فلا إمكان لتعلق التفسير المذكور له، والاعتبار لصحة المعنى وفساده بعد التحمل له من جهة اللفظ فإن المعنى الذي لا يحتمله نظم الكلام لا يرد من جهته فساد كما لا يخفى انتهى.
وأراد بـ (( الليالي ) )ما يشمل الأيام على سبيل التغليب، وإنما اعتبر التغليب في جانبها لأنها أنسب للخلوة.
وقوله: (ذَوَاتِ الْعَدَدِ) نعت (( لليالي ) )مفيد لقلتها نحو قوله تعالى: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف:20] .
قال صاحب (( الكشاف ) )في تفسير المعدودة: قليلة تعد عدًا ولا توزن؛ لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون درهمًا ويعدون ما دونها، وقيل للقليلة: معدودة؛ لأن الكثيرة يمتنع من عدها لكثرتها، وبهذا تبين ضعف ما قيل، ويحتمل أن يراد بها الكثرة إذا الكثير يحتاج إلى العدد دون القليل وهو المناسب للمقام، ثم إن الكثرة المفرطة لا تناسب المقام؛ لأن فيها تضييع حق الأهل كما أن القلة المفرطة التي يأبى عنها الكتاب بالدخول تحت العد عادة لا تناسب المقام فلابد من الحمل على القلة المعتدلة رعاية لمناسبة المقام فالرجحان لجانب القلة فافهم، كذا في (( تعليقة ) )ابن كمال باشا.
والقائل يحتمل أن يراد بها الكثرة الكرماني.
قال في (( الفتح ) ): وإبهام العدد لاختلافه كذا قيل، وهو بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهو شهر، وذلك الشهر كان رمضان رواه ابن إسحاق في (( الكتاب الكبير ) )انتهى.
ومراده بـ (( الكتاب الكبير ) )السيرة كما صرح به العيني.
وقال المحقق علي القاري في (( شرح المشكاة ) ): ويمكن أن تكون المدة أربعين على قياس ميقات موسى عليه السلام ولما فيها من الخواص والأسرار التي تظهر آثارها وأنوارها على الصوفية الأبرار مع ما فيها من مطابقة الأربعينيات في الأطوار وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( من أخلص لله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ) ).
هذا وقال الحافظ العسقلاني: ولم يأتي التصريح بصفة تعبده صلى الله عليه وسلم، لكن في رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق فيطعم من يرد عليه من المشركين، وجاء عن بعض المشايخ أنه يتعبد بالتفكر، ذكره السيوطي في (( حاشية مسلم ) ).
وفي (( التحرير ) )لابن الهمام: أن المختار أنه صلى الله عليه وسلم قبل بعثه متعبد فقيل: بشرع نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، ونفاه من المالكية الآمدي وتوقف الغزالي؛ أي: في تعبده قبل البعثة بشرع من قبله.
وفي (( شرح التحرير ) ): قال إمام الحرمين والمازري وغيرهما: لا يظهر
ج 1 ص 66
لهذه المسألة ثمرة في الأصول ولا في الفروع، بل يجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة انتهى.
والظاهر أن المراد بالتعبد هنا التجرد للعبودية وهو الانقطاع عن الخلق بالكلية والتبتل إلى الحق بحسب ما تقتضيه صفة الربوبية والخلو عن المطالب النفسية، والمآرب الشهوية، وخلاصة الغيبة عما سواه، والحضور مع الله المترجم عنه قول لا إله إلا الله الوارد فيه أفضل الذكر لا إله إلا الله المعني بقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد:19] المعبر عنه عند الصوفية بالفناء، والبقاء، والانفصال، والاتصال، والبينونة، والكينونة وهو نهاية مراتب العُباد، وغالب مطالب العباد انتهى.
أقول: في كون هذه المسألة لا يظهر لها ثمرة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة نظر إذ الخلوة بغار حراء كانت بعد ابتداء النبوة بالرؤيا الصالحة كما في حديث الباب المرتب فيه تحبيب الخلاء على الرؤيا الصالحة بثم كما نبه على ذلك الشهاب القسطلاني ثم قال: وأيضًا لو لم تكن من الدين لنهي عنها، بل هي ذريعة لمجيء الحق وظهوره مبارك عليه وعلى أمته تأسيًا، وسلامة من المناكير وضررها، ولها شروط مذكورة في محالها من كتب القوم انتهى.
وفي (( إرشاد الساري ) ): وأقل الخلوة ثلاثة أيام، وتأمل ما للثلاثة في كل مثلث من التكفير والتطهير والتنوير، ثم سبعة أيام، ثم شهر لما عند المؤلف، ومسلم: (( جاورت بحراء شهرًا ) )وعن ابن إسحاق أنه شهر رمضان.
قال في (( قوت الأحياء ) ): ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم أكثر منه، نعم روى الأربعين سوار بن مصعب وهو متروك الحديث، قاله الحاكم وغيره.
وأما قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف:142] فحجة للشهر، والزيادة إنما ما للثلاثين حيث استاك أو أكل فيها كسجود السهو فقوي تقديرها بالشهر وأنها سنة، نعم الأربعون ثمرة نتاج النطفة علقة فمضغة فصورة والدر في صدقه انتهى.
وتخصيص غار حراء بتعبده صلى الله عليه وسلم فيه؛ لأنه أبعد عن الناس، ولأنه يرى منه الكعبة والنظر إليها عبادة، نبه عليه ابن أبي جمرة.
(قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ) بفتح أوله وكسر الزاي؛ أي: يشتاق ويحن (إِلَى أَهْلِهِ) يقال: نزع إلى أهله ينزع نزاعًا ونزوعًا اشتاق.
قال ابن الكمال: والمراد ههنا من النزاع إلى أهله الرجوع إليهم، وقد أفصح عنه ما في (( صحيح مسلم ) )من قوله: قبل أن يرجع بدل قوله: قبل أن ينزع وطريق إرادته الكناية فإن الرجوع إلى شيء يلزم الاشتياق إليه عادة، ومن أوهم في تقرير تفسيره أن الرجوع معتبر في معناه فقد وهم انتهى.
وكتب في الهامش: يريد به الكرماني فإنه قال: ينزع؛ أي: يرجع، يقال: نزع إلى أهله إذا حن واشتاق إليهم فرجع إليهم انتهى.
والمراد بأهله ههنا زوجته خديجة رضي الله عنها والزوجة أحد إطلاقات الأهل.
(وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ) يتزود عطف على يتحنث، والإشارة بقوله لذلك إلى التحنث والتزود أخذ الزاد وهو طعام يتخذ للسفر، نص عليه الجوهري وليس كونه مستصحبًا في السفر مأخوذًا في مفهومه كما توهمه عبارة العيني تبعًا للكرماني، كما نبه عليه ابن الكمال.
(ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ) رضي الله عنها (فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) أي: لمثل الليالي، وخديجة رضي الله تعالى عنها هي أم المؤمنين بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهي أم أولاده كلهم إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها ولا في حياتها، وأقامت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعًا وعشرين سنة وأشهرًا، ولها مناقب كثيرة ذكر المصنف طائفة منها في باب مناقبها.
وفيه: أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتبتل عن أهله بالكلية إلى خلوته، بل كان يجعل لهم منه حظًا، ويرجع إليهم لمصالحهم وضروراتهم، ويتزود قدر تلك الأيام، فإذا نفد الزاد عاد إلى خديجة وتزود مرة أخرى.
وفيه: مشروعية التزود للسفر ونحوه وأنه لا ينافي التوكل.
قال في (( المصابيح ) ): قيل: وفيه رد لقول الصوفية أن من أخلص لله تعالى أنزل عليه
ج 1 ص 67
طعامًا، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أولى بهذه المنزلة؛ لأنه أفضل البشر.
وفيه: أن اتخاذه الزاد لا ينافي التوكل انتهى.
أقول: لا يخفى أن عدم منافاة الاتخاذ للتوكل لا يدفع اعتراض صاحب العقل، لأن محصله أن الإخلاص لو كان مقتضيًا لإنزال الطعام لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحق بهذا الإكرام، وليس في كلامه تعرض للتوكل وأن استصحاب الزاد ينافيه فليتأمل.
(حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ) غاية لقوله (( فيتحنث ) )أي: الأمر الحق بإقامة الصفة مقام الموصوف أو أمر الحق وهو وحيه، أو رسول الحق وهو جبريل، ذكرهما التوربشتي.
وعلى هذين الاحتمالين فقد حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وألحق عليهما من أسمائه تعالى بخلافه على الاحتمال الأول.
وفي كتاب التفسير: (( حتى فجئه الحق ) )بكسر الجيم، يقال: فجئه الحق يفجؤه وفجاءه يفجاؤه بكسر الجيم وفتحها في الماضي، وبفتحها فقط في المضارع منهما كما في (( المصابيح ) )أي: بغتة.
(وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) جملة حالية (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ) أي: جبريل عليه السلام، وروى ابن سعد بإسناده أن نزول الملك عليه بحراء كان يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أربعين سنة، كذا نقله الدماميني وغيره.
وهذا لا يوافق ما هو المشهور من أن ميلاده صلى الله عليه وسلم كان في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لعشر خلون، وقيل: غير ذلك، ولعل ما رواه ابن سعد مبني على أن مولده صلى الله عليه وسلم شهر رمضان.
قال البرهان الحلبي في (( سيرته ) )حاكيًا للخلاف في مولده صلى الله عليه وسلم: وقيل: لثمان ليال خلت من رمضان، وصححه كثير من العلماء، وهذا هو الموافق لما تقدم من أن أمه حملت به في أيام التشريق، أو في يوم عاشوراء وأنه مكث في بطنها تسعة أشهر كوامل، لكن قال بعضهم: إن هذا القول غريب جدًا ومستند قائله أنه أوحي إليه في رمضان فيكون مولده في رمضان انتهى.
أي: لأنه صلى الله عليه وسلم لما بعث كان عمره أربعين سنة، فإذا كانت ولادته في رمضان تم له عند البعثة أربعون سنة كوامل.
أقول: إن كان المستند مجرد ذلك فهو ضعيف، إذ يحتمل أن ولادته كانت في ربيع الأول كما هو المشهور فيكون عمره حين جاءه الملك في رمضان أربعين سنة وستة أشهر فألغى الكسر على أن حديث الباب يدل على أن نبوته متقدمة على إرسال الملك إليه بمدة الرؤيا الصالحة وهي ستة أشهر، ولا شك أنها وحي لقول عائشة رضي الله عنها: (( أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة ) ).
فهذا مما يعين أن ابتداء نبوته كان من ربيع الأول شهر المولد، وقد تم له إذ ذاك أربعون سنة من غير زيادة ولا نقصان، ثم لما أرسل إليه الملك في رمضان قيل: بُعث وهو ابن أربعين سنة بإلغاء الكسر وليس ذلك بابتداء للبعث؛ لأنه كان بالرؤيا التي هي من الوحي، وإنما أطلق على مجيء الملك بعثًا مع أن البعث كان قبله بالرؤيا؛ لأنه به ظهر للناس هذا ما ظهر للفكر القاصر فليحرر ذلك فإني لم أظفر بما يشفي فيما اطلعت عليه من شروح هذا الكتاب.
ثم رأيت العلامة الشيخ عبد اللطيف البشبيشي ذكر في جواب سؤال رفع إليه في جملة أسئلة: هل نبئ صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين سنة أم بعدها؟ ما نصه: وأما كونه نبئ على رأس الأربعين سنة أو بعدها ففيه خلاف أيضًا.
ففي (( المواهب ) ):
ج 1 ص 68
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة، وقيل: وأربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين يوم الاثنين لسبع عشرة من شهر رمضان، وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة.
وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل: في أول ربيع بعثه الله تعالى رحمة للعالمين رسولًا إلى كافة الثقلين أجمعين انتهى، والمشهور هو الأول.
قال شيخ مشايخنا: ويمكن الجمع بين القولين؛ أي: القول بأنه بعث في ربيع، والقول بأنه بعث في رمضان بأن ابتداء الوحي كان على رأس الأربعين في شهر ربيع منامًا، فإن ابتداء الوحي كان الرؤيا الصالحة، وكان مدة ذلك ستة أشهر ثم نزل عليه الوحي يقظة في غار حراء في رمضان، وكان ذلك الغار متعبده لانفراده فيه عن الناس، فلما جاءه الملك قال له: (( اقرأ ) )الحديث انتهى.
فالحمد لله على ذلك والفاء في قوله: (( فجاءه الملك ) ).
قال العيني وغيره: هي الفاء التفسيرية نحو قوله تعالى: {فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} [البقر:54] إذ القتل نفس التوبة على أحد التفاسير، وتسمى الفاء التفصيلية أيضًا؛ لأن مجيء الملك تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق، ولا شك أن المفصل عين المجمل، ولا يقال: إنه تفسير الشيء بنفسه؛ لأن التفسير وإن كان عين المفسر من جهة الإجمال فهو غيره من جهة الفصيل، ولا يجوز أن تكون الفاء هنا الفاء التعقيبية؛ لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقب به، بل مجيء الملك هو نفس الوحي هكذا قالت الشراح وفيه بحث؛ لأنه يجوز أن يكون المراد من قوله: (( حتى جاءه الحق ) )الإلهام أو سماع هاتف، ويكون مجيء الملك بعد ذلك بالوحي، فحينئذ يصح أن تكون الفاء للتعقيب انتهى كلام العيني.
أقول: كلامه يقتضي أنه انفرد بتوجيه صحة كون الفاء للتعقيب مع أنه مذكور في كلام أشهر شراح البخاري وهو الحافظ ابن حجر فإنه قال: وإن ثبت مرسل عبيد بن عمير أنه أوحي إليه بذلك في المنام أولًا قبل اليقظة أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة أعقب ما تقدم في المنام، وسمي حقًا؛ لأنه وحي من الله تعالى، وقد وقع في رواية أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول شأنه يرى في المنام وكان أول ما رأى جبريل عليه السلام بأجياد صرخ جبريل يا محمد فنظر يمينًا وشمالًا فلم ير شيئًا فرفع بصره، فإذا هو على أفق السماء فقال: يا محمد جبريل جبريل فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئًا، ثم خرج عنهم فناداه فهرب، ثم استعلن له جبريل من قبل حراء فذكر قصة إقرائه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1] ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر ) ). وهذا من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف.
وقد ثبت في (( صحيح مسلم ) )من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: (( لم أره يعني جبريل على صورته التي خلق عليها إلا مرتين ) ).
وبين أحمد من حديث ابن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي خلق عليها، والثانية عند المعراج.
وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة رضي الله عنها: (( لم ير محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في أجياد ) ).
وهذا يقوي رواية ابن لهيعة، وتكون هذه المرة
ج 1 ص 69
غير المرتين المذكورتين، وإنما لم يضمها إليهما لاحتمال أن لا يكون رآه على تمام صورته والعلم عند الله تعالى، ووقع في السيرة التي جمعها سليمان التيمي ورواها محمد بن عبد الأعلى عن ولده معتمر بن سليمان عن أبيه: (( أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في حراء وأقرأه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1] ثم انصرف فبقي مترددًا، فأتاه من أمامه في صورته فرأى أمرًا عظيمًا ) )انتهى.
(فَقَالَ) معطوف على جاء بالفاء المفيدة للتعقيب والسببية (اقْرَأْ) قال في (( إرشاد الساري ) ): يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقي إليه، وأن يكون على بابه من الطلب فيستدل به على تكليف ما لا يطاق في الحال وإن قدر عليه بعد انتهى.
أقول: إنما يكون فيه دليل على ذلك أن لو كان الأمر لمطلق القراءة وهو غير متعين إذ يجوز أن يكون المراد اِقرأ كما أقرأ وهو الظاهر فليتأمل.
(قَالَ) عليه الصلاة والسلام بلفظ الغيبة، ولأبوي ذر والوقت: ولا فاء فيهما (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) .
قال في (( المصابيح ) ): الظاهر أن ما نافية والباء زائدة في الخبر؛ أي: إني أمي فلا أقرأ الكتب هذا هو الصحيح، ويؤيده أنه قد جاء في رواية: (( ما أحسن أن أقرأ ) )وقيل: استفهامية بدليل رواية ابن إسحاق: (( ما أقرأ ) )ورد بأن الباء مانعة من الاستفهامية، ورواية ابن إسحاق ليست نصًا في الاستفهام ولا تدفع النفي.
قلت: بل فيها ما يرجح الاستفهام، وذلك أنه قال بعد غط الملك له في المرة الثالثة: (( ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ماذا أقرأ؟ ) )فهذا نص في الاستفهام يترجح به كون ما في قوله: (( ما أقرأ ) )استفهامية وزيادة الباء في الخبر الموجب، قال بها الأخفش ومن تابعه لكنه سماعي.
وقال ابن مالك في: (( بحسبك زيد ) )إن زيدًا مبتدأ مؤخر؛ لأنه معرفة وحسبك خبر مقدم؛ لأنه نكرة والباء زائدة فيه.
وفي (( فتح الباري ) ): قوله: (( مَا أَنَا بِقَارِئٍ ) )ما نافية، إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء، وإن حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أحسن القراءة، فلما قال ذلك ثلاثًا قيل له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1] أي: لا تقرأه بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك وإعانته فهو يعلمك، كما خلقك وكما نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان، وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية، ذكره السهيلي.
وقال غيره: إن مثل هذا التركيب وهو قوله (( ما أنا بقارئ ) )يفيد الاختصاص، ورده الطيبي بأنه إنما يفيد التقوية والتأكيد، والتقدير: لست بقارئ البتة، فإن قيل: لم كرر ذلك ثلاثًا؟.
أجاب أبو شامة: بأنه يحمل قوله أولًا: (( ما أنا بقارئ ) )على الامتناع.
وثانيًا: على الإخبار بالنفي المحض.
وثالثًا: على الاستفهام، ويؤيده أنه في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال في الثالثة: (( كيف أقرأ؟ ) )وفي رواية عبيد بن عمير عن ابن إسحاق: (( ماذا أقرأ؟ ) )وفي مرسل الزهري في (( دلائل البيهقي ) ): (( كيف أقرأ؟ ) )وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية، والله تعالى أعلم انتهى.
وفي مرسل عبيد بن عمير أنه عليه الصلاة والسلام قال: (( أتاني جبريل بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ قلت ما أنا بقارئ ) ).
قال السهيلي: وقال بعض المفسرين: إن قوله تعالى: {الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1 - 2] إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جبريل حين قال له (( اقرأ ) ).
(قَالَ) عليه الصلاة والسلام (فَأَخَذَنِي) أي: جبريل (فَغَطَّنِي) بالغين المعجمة فالطاء المهملة؛ أي: ضمني وعصرني، وعند الطبراني: (( فغتني ) )بالمثناة الفوقية بدل الطاء؛ أي: أخذ بفمي وحبس نفسي.
وقال ابن الملقن: يقال: غطني وغتني وضغطني وعصرني وغمزني وخنقني كله بمعنى الضم والعصر، وقيل: الغت حبس النفس مرة، وإمساك اليد أو الثوب على الفم والأنف، والغط الخنق وتغييب الرأس في الماء.
وقال
ج 1 ص 70
الخطابي: الغط والضغط بمعنى، ومنه الغط في الماء وغطيط النائم ترديد النفس إذا لم يجد مساغًا عند انضمام الشفتين.
وقال السهيلي: وأحسبه يروي أيضًا: فذعتني بالذال والدال وكلها بمعنى الخنق والضم.
ولأبي داود الطيالسي في (( مسنده ) ): بإسناد حسن: (( فأخذ بحلقي ) )، وفي رواية ابن إسحاق: إن هذا الغط كان في النوم.
قال العيني: ما الحكمة في كون الغط ثلاثًا على رواية ابن إسحاق أن الغط كان في النوم.
أجيب: بأنه يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل ثلاث شدائد يبتلى بها أولًا ثم يأتي الفرج والسرور:
الأولى: ما لقيه عليه الصلاة والسلام وأصحابه من شدة الجوع في الشعب حين تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم ولا يصلوا إليهم.
والثانية: ما لقوا من الخوف والإيعاد بالقتل.
والثالثة: ما لقيه عليه الصلاة [والسلام] من الإجلاء عن الوطن والهجرة عن حرم أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام انتهى.
أقول: لا يظهر لتخصيص ما ذكره من الحكمة برواية ابن إسحاق أن الغط كان منامًا وجه وجيه، وما المانع أن تكون كل واحدة من هذه الغطات الثلاثة الواقعة يقظة إشارة إلى شدة من تلك الشدائد ليحصل له شعور ما، بما يقع له من الشدائد فيستعد لها، ولا يضطرب عند وقوعها فإن وقوع المكروه بغتة أشق من وقوعه بعد الشعور به كما لا يخفى.
(حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) يروى: بفتح الجيم وضمها وبالرفع والنصب، قال النووي: (( الجهد ) )يجوز فيه فتح الجيم وضمها، وهو الغاية والمشقة، ويجوز نصب الدال ورفعها فعلى النصب بلغ جبريل مني الجهدَ، وعلى الرفع بلغ الجهدُ مني مبلغه وغايته، وقد ذكر الوجهين أعني نصب وضمها صاحب (( التحرير ) )انتهى.
وفي (( شرح المشكاة ) )للمحقق علي القاري: قال شارح: هو بضم الجيم ورفع الدال، وهو بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع وأما المشقة والغاية فبالفتح لا غير.
وقال التوربشتي: لا أرى الذي يرويه بنصب الدال إلا قد وهم فيه أو جوزه من طريق الاحتمال فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استنفد قوته واستفرغها في غطته، وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد، وهذا قول غير سديد فإن البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوة الملكية لاسيما في أول الأمر، وقد دلت القضية على أنه اشمأز من ذلك وداخله الرعب.
قال الطيبي: لا شك أن جبريل في حالة الغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند سدرة المنتهى وعندما رآه مستويًا على الكرسي فيكون استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلى له بها وغطه وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد.
أقول: لا يلزم من تشكل الملك بصورة الآدمي وتبدله عن أصل هيئة الملك سلب القوة عنه ونفي الغلبة منه، فإن الأمر المعنوي لا يتغير بتغير الهيكل الصوري، فكلام الشيخ في محله، وصحة الرواية موقوفة على نقلها لا بمجرد جوازها وذكرها وحملها، كذا في (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري.
أقول: وإلى هذا جنح ابن كمال باشا حيث قال: إن حمل الجهد على جهد الملك وهم لا يناسب المقام، فإن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن حينئذ عالمًا بمبلغ طاقته ونهاية قوته حتى يخبر عن البلوغ إلى غايتها، وكان واقفًا على حال نفسه، وبلوغ الغط إلى غاية طاقته فكان الوجه أن يحمل الجهد على جهد نفسه، وقوله: (( مني ) )قرينة واضحة على ذلك انتهى.
(ثُمَّ) بعد ما بلغ بقربه مني الجهد (أَرْسَلَنِي) أي: تركني في مقام البعد، وكأنه نقل من مقام الجمع إلى حال التفرقة، ومن رتبة الولاية إلى رتبة
ج 1 ص 71
النبوة ترقيًا إلى درجة جمع الجمع، كذا في (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري.
(فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: بزيادة الفاء (مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) يجري فيه ما تقدم في سابقه (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ) قال في (( الفتح ) ): ولم يذكر الغط هنا في المرة الثالثة، والحكمة في تكرير الغط غير ما تقدم تفريغ قلبه عن النظر إلى الدنيا وإقباله بكليته على ما يلقى إليه، وقيل: الأولى ليتخلى عن الدنيا، والثانية ليتفرغ لما يوحى إليه، والثالثة للمؤانسة.
قال أبو الزناد: وفيه دليل على أن المستحب في المبالغة في التعليم ثلاث، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا قال شيئًا أعاده ثلاثًا للإفهام.
قيل: وفيه دليل على أن المؤدب لا يضرب صبيًا أكثر من ثلاث ضربات، وهو منقول عن شريح، وعد بعضهم هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحي مثله.
(ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أي: أطلقني (فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1] ) قال النووي: هذا دليل صريح في أن أول ما نزل من القرآن {اقْرَأْ} وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وقيل: أولها {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] وليس بشيء.
قلت: الظاهر أن {اقْرَأْ} أول حقيقي و {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أول إضافي وهو بعد فترة الوحي قال: واستدل بهذا الحديث من يقول: (( بسم الله الرحمن الرحيم ) )ليست بقرآن في أوائل السور لكونها لم تذكر هنا، وجواب المثبتين لها أنها لم تنزل أولًا، بل نزلت البسملة في وقت آخر كما نزلت باقي السورة في وقت آخر.
قلت: فلا تكون البسملة جزءًا لسورة معينة كما لا تكون جزءًا لجميع أوائل السور لعدم القائل بالفصل، فثبت مدعى أهل الفضل، ولعل النووي لما استشعر بضعف الجواب أسند إليهم متبريًا من قولهم، والله أعلم بالصواب.
وقال الطيبي: (( {اقْرَأْ} ) )أمر بإيجاد القراءة مطلقًا وهو لا يختص بمقروء دون مقروء، فقوله: (( {بِاسْمِ رَبِّكَ} ) )حال؛ أي: اقرأ مستفتحًا باسم ربك؛ أي: قل (( بسم الله الرحمن الرحيم ) )ثم اقرأ، وهذا يدل على أن البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كل قراءة فيكون مأمورًا بقراءتها في هذه السورة أيضًا.
قلت: لا يخفى بُعدُ ما ذكره على أولي النهى أما قوله (( أمر بإيجاد القراءة ) )ففيه بحث فإن الإيجاد والإبداء من أفعال رب العباد على ما هو مقرر في الاعتقاد، فالأمر إنما توجه بمباشرة القراءة لا بإيجادها، ثم إن قوله (( وهو لا يختص بمقروء دون مقروء ) )ففيه أن لفظ اقرأ هنا أيضًا مقروء، فالظاهر أن الباء للاستعانة أو الإلصاق والملابسة كما حقق في البسملة أول الفاتحة أي اِقرأ مستعينًا باسم ربك، ثم قوله (( وهذا يدل على أن البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كل قراءة ) )ممنوع ومدفوع لاتفاق العلماء على استحباب التعوذ أو وجوبه قبل كل قراءة، وعلى جواز البسملة كذلك إلا في أول (( براءة ) )على الصواب، وفي أثناء سورتها على خلاف والمعتمد منعها، كذا في (( شرح المشكاة ) )للمحقق علي القاري.
أقول: وأوضح من هذا في دفع كلام الطيبي أن الاتفاق واقع على أن المقروء له صلى الله عليه وسلم هذه الآيات الخمس فيكون المأمور قراءة مخصوصة لا مطلق القراءة على أنه لو كان الأمر لمطلق القراءة لكان تكليفًا بما لا يطاق وهو وإن كان مختلفًا في جوازه عقلًا، لكن لا خلاف في عدم وقوعه شرعًا فليتأمل.
وقال في (( المصابيح ) ): فيه دليل للجمهور أنه أول ما نزل، وفيه رد على من قال إن البسملة آية من كل سورة وهذه