فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 1465

فقال بالسند السابق إليه:

2 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) : الدمشقي الأصل، ثم المصري التِّنِّيْسي نسبة إلى تِنِّيْس _ بكسر التاء المثناة الفوقية فنون مشددة مكسورة فياء تحتية ساكنة فسين مهملة _ بلدة بمصر بساحل البحر واليوم خراب، سميت بتنيس بن حام بن نوح عليه السلام، نزلها بعد ارتحاله من دمشق.

قال العيني: وهو من أجلِّ من روى (( الموطأ ) )عن مالك، سمع الأعلام مالكًا، والليث بن سعد ونحوهما، وعنه الأعلام يحيى بن معين والذهلي وغيرهما، وأكثر عنه البخاري في (( صحيحه ) )قال: كان أثبت الشاميين، وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم، مات بمصر سنة ثمان عشرة ومائتين، ومنه سمع البخاري (( الموطأ ) )عن مالك، وليس في الكتب الستة عبد الله بن يوسف سواه. انتهى.

وفي (( يوسف ) ): ست لغات: تثليث السين مع الهمزة وتركها وهو اسم عبراني معناه: جميل الوجه، وقيل: عربي، ورده الزمخشري بأنه لو كان عربيًا لانصرف لخلوه حينئذ عن سبب غير العلمية. وهذه اللغات الجائرة في يوسف تجري في يونس أيضًا.

(قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) : هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة.

قال في (( التقريب ) ): هو رأس المتقنين، وكبير المثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال أبو القاسم الدولعي: أخذ مالك عن تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين وستمائة من تابعيهم ممن اختاره، وارتضى دينه وفهمه، وقيامه بحق الرواية وشروطها، وسكنت نفسه إليه، وترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية.

ومن الأعلام الذين أخذ عنهم: إبراهيم بن أبي عبلة المقدسي، وأيوب السختياني، وجعفر بن محمد الصادق، وحميد الطويل، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبري، وأبو الزناد عبد الله ابن ذكوان، وعبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الصديق، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وأبو الزبير

ج 1 ص 44

المكي، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص.

قال العيني: وقال أصحابنا في (( طبقات الفقهاء ) )في (( مناقب أبي حنيفة ) ): إن مالك بن أنس كان يسأل أبا حنيفة رحمه الله تعالى ويأخذ بقوله، وبعضهم ذكر أنه كان ربما سمع منه متنكرًا، وذكروا أيضًا أن أبا حنيفة سمع منه أيضًا.

قال: ومن الأعلام الذين رووا عنه: سفيان الثوري ومات قبله، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج ومات قبله، وأبو عاصم النبيل، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن الأوزاعي وهو أكبر منه، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الملك بن جريج، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وقتيبة بن سعيد، والليث بن سعد وهو من أقرانه، ومحمد بن مسلم الزهري وهو من شيوخه، وقيل: لا يصح، وهو الأصح. وروى عنه الإمام الشافعي وهو أحد مشايخه، روى عنه وأخذ عنه العلم.

وأما الذين رووا عنه (( الموطأ ) )فأكثر من أن يحصوا، قد بلغ فيهم أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في كتاب جمعه في ذلك نحو ألف رجل.

وأخذ القراءة عن نافع.

وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري. وعن الشافعي رحمه الله تعالى: إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك، وإذا جاءك الأثر عنه فمالك النجم. وعنه: مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذنا العلم.

وعنه: قال محمد بن الحسن الشيباني: أقمت عند مالك بن أنس ثلاث سنين وكسرًا وكان يقول: إنه سمع منه لفظًا أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدث عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس عليه حتى يضيق بهم الموضع، وإذا حدثهم عن غير مالك من شيوخ الكوفيين لم يجئه إلا اليسير.

وهو من العلماء الذين ابتلوا في دين الله.

قال ابن الجوزي: ضرب مالك بن أنس سبعين سوطًا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان ويقال: سعى به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس _ وهو ابن عم جعفر المنصور _ وقال: إنه لا يرى إيمان بيعتكم هذه لشيء، فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمرًا عظيمًا. توفي في ليلة أربع عشرة من صفر، وقيل: من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وصلى عليه عبد الله بن محمد العباسي أمير المدينة يومئذ، ودفن بالبقيع، وزرنا قبره غير مرة. ومولده في ربيع الأول سنة أربع وتسعين، وفيها ولد الليث بن سعد أيضًا وكان حمل به في البطن ثلاث سنين، وليس في الرواة مالك بن أنس سواه وغير مالك بن أنس الكوفي.

وهو أحد أرباب المذاهب الستة المتبوعة.

والثاني: أبو حنيفة النعمان، مات ببغداد سنة خمسين ومائة عن سبعين سنة.

والثالث: الشافعي، مات بمصر سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة.

والرابع: أحمد بن حنبل، مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين عن ثمانين سنة ببغداد.

والخامس: سفيان الثوري، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة عن أربع وستين سنة.

والسادس: داود الظاهري بن علي الأصبهاني، مات سنة تسعين ومائتين عن ثمان وثمانين سنة ببغداد وهو إمام الظاهرية. انتهى مخلصًا.

وقد نظم العلامة أحمد المقرئ وفيات الأئمة الأربعة المجتهدين في أبيات جاعلًا لكل إمام منهم كلمة تلي اسمه أعداد أحرفها بحساب الجمل المشهور عدد السنين الماضية من الهجرة النبوية إلى سنة وفاته وهي هذه:

~نظمت موت صدور هم من النجم أهدى

~أبو حنيفة سيف ماض السبا ليس يصدا

ج 1 ص 45

~ومالك قطع ضد بعلمه قد تبدى

~والشافعي در عقد به تنظم عقدا

~وأحمد رام علمًا فنال علمًا وزهدا

وقد ذيل على هذه الأبيات شيخ مشايخنا الشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري أبياتًا رمز فيها لوفيات أرباب الكتب الستة على نسق هذا الأبيات فقال:

~محمد نور فضل وهو البخاري المفدى

~ومسلم سار حتى قد فاق ضبطًا ونقدا

~أب لداود هرع [1] إلى العوالي تصدى

~والترمذي عطر ند قد فاح لما تبدى

~وأحمد قبر جود وهو النسائي المردى

~محمد جرع كأس لماجه لن يردى

وقد جمع بعضهم رمز ميلاد البخاري ومدة عمره ووفاته في بيت واحد فقال:

~كان البخاري حافظًا ومحدثًا جمع الصحيح مكمل التحرير

~ميلاده صدق ومدة عمره فيها حميد وانقضى في نور

(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) : بضم العين ابن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، كنيته: أبو المنذر، وقيل: أبو عبد الله، وهو تابعي كأبيه عروة، رأى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ومسح برأسه ودعا له، وجابرًا وغيرهما، وسمع أباه وعمه عبد الله بن الزبير وخلقًا. روى عنه شعبة، ومالك، ويحيى القطان وغيرهم.

ولد مقتل الحسين رضي الله عنه سنة إحدى وستين، ومات ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة، روى له الجماعة، ولا يعرف أحد شاركه في اسمه واسم أبيه.

(عَنْ أَبِيْهِ) : عروة بن الزبير التابعي الجليل المجمع على جلالته وأمانته وكثرة علمه وبراعته، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهم: هو، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وخارجة _ بالخاء المعجمة والراء ثم الجيم _ ابن زيد بن ثابت، وفي السابع ثلاثة أقوال:

أحدها: أبو سلمة بن عبد الرحمن.

الثاني: سالم بن عبد الله بن عمر.

الثالث: أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام. وعلى القول الأخير جمعهم الشاعر فقال:

~ألا إن من لا يقتدي بأئمة فقسمته ضيزى عن الحق خارجة

~فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة

وأم عروة: أسماء بنت الصديق، وقد جمع الشرف من وجوه فرسول الله صلى الله عليه وسلم صهره، وأبو بكر رضي الله عنه جده، والزبير والده، وأسماء أمه، وعائشة رضي الله تعالى عنها خالته.

ولد سنة عشرين ومات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: تسع، روى له الجماعة وليس في الستة عروة بن الزبير سواه ولا في الصحابة أيضًا.

(عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) : قال القسطلاني: بالهمز، وعوام المحدثين يبدلونها ياء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه تكنى بأم عبد الله، كناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن أختها عبد الله بن الزبير، وقيل: بسقط لها وليس بصحيح.

و (( عائشة ) ): مأخوذ من العيش، وحكي: عيشة لغة فصيحة، وأمها: أم رومان _ بفتح الراء وضمها _ زينب بنت عامر، وهي أم عبد الرحمن أخي عائشة أيضًا، ماتت سنة ست في قول الواقدي والزبير وهو الأصح.

تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وقيل: بسنة ونصف أو نحوها في شوال وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع، وبنى بها في شوال أيضًا بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، أقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة،

ج 1 ص 46

وعاشت خمسًا وستين سنة، وكانت من أكبر فقهاء الصحابة، وأحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية.

وحد المكثر: أن يروى له فوق ألف حديث فأكثر، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم، وزاد الزين العراقي في المكثرين سابعًا وهو: أبو سعيد الخدري، ومراتبهم في الكثرة متفاوتة، فأكثرهم: أبو هريرة، ثم من بعده على هذا الترتيب المذكور.

وقد نظمت أسماءهم مشيرًا إلى هذا الترتيب وزيادة أبي سعيد بقولي:

~المكثرون أحاديث الرسول لهم فضل مبين ورب العرش جابرهم

~أبو هريرة عبد الله مع أنس صديقة وابن عباس وجابرهم

~قد رتبوا في نظامي طبق كثرتهم وإن يزد فيهم الخدري فآخرهم

وهذه الأبيات أحسن من البيتين المشهورين في عدهم وهما:

~سبع من الصحبة فوق الألف قد نقلوا من الحديث عن المختار خير مضر

~أبو هريرة سعد جابر أنس صديقة وابن عباس كذا ابن عمر

إذ لا يستفاد منهما أنهم مكثرون، ولا ترتيبهم في الكثرة بتقديم الأكثر فالأكثر، وكون أبي سعيد الخدري مختلفًا فيه وهو الذي عبر عنه بسعد إلا أنه اشتهر بكنيته.

قال العيني: روي لعائشة رضي الله عنها ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق الشيخان منها على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وخمسين، روت عن خلق من الصحابة، وروى عنها جماعات من الصحابة والتابعين قريب من المائتين. ماتت بعد الخمسين إما سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان في رمضان، وقيل: في شوال، وأمرت أن تدفن ليلًا بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه.

وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ فيه خلاف فقال بعضهم: عائشة أفضل، وقال آخرون: خديجة أفضل وبه قال القاضي والمتولي، وقطع به ابن العربي المالكي وآخرون وهو الأصح. وكذلك الخلاف موجود هل هي أفضل أم فاطمة؟ والأصح: أنها أفضل من فاطمة. وسمعت بعض أساتذتي الكبار يقول: إن فاطمة أفضل في الدنيا، وعائشة أفضل في الآخرة، والله أعلم. انتهى.

ولم يذكر لكلام أستاذه علة، ويحتمل _ والله أعلم _ أن تكون العلة في أفضلية فاطمة في الدنيا كونها بضعة منه صلى الله عليه وسلم، ولا يعدل ببضعته أحد، وأن تكون العلة في أفضلية عائشة عليها في الآخرة كونها مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة وفاطمة مع علي رضي الله عنهما، وأين رتبة النبي صلى الله عليه وسلم من رتبة علي رضي الله عنه؟ فليتأمل.

وقال ابن الملقن: مات صلى الله عليه وسلم عن تسع نسوة، وعائشة أفضلهن قطعًا، وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ فيه وجهان لأصحابنا:

أحدهما: أن خديجة أفضل، وبه قال القاضي والمتولي، وقطع به ابن العربي المالكي.

والثاني: أن عائشة أفضل.

قال: وبسطت ذلك في (( غاية السول في خصائص الرسول ) )مع حكاية خلاف آخر في أن عائشة أفضل أم فاطمة؟ انتهى.

والحاصل: أنه لا خلاف في كون خديجة وعائشة أفضل نسائه عليه الصلاة والسلام، وأن فاطمة رضي الله عنها أفضل أولاده، وإنما الخلاف في المفاضلة بين هؤلاء الثلاث.

قال السبكي: الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة قال: وأما خبر الطبراني: (( خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم آسية امرأة فرعون ) )فأجاب عنه ابن العماد: بأن خديجة إنما فضلت على فاطمة بالأمومة.

واختار السبكي أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر، وللاختلاف في نبوتها، كذا ذكره القاضي زكريا في (( شرحه على البهجة ) ).

وقال في (( شرحه

ج 1 ص 47

على البخاري )): والذي اختاره الآن: أن الأفضلية محمولة على أحوال: فعائشة أفضلهن من حيث العلم، وخديجة من حيث تقدمها وإعانتها له في المهمات، وفاطمة من حيث القرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوتها، وذكرها في القرآن مع الأنبياء، وآسية فضلت من هذه الحيثية. انتهى.

وأما المفاضلة بين بقية الزوجات فقال اللقاني في (( عمدة المريد ) ): لم أقف في باقيهن على نص، والوقف أسلم. قال: ولم أقف على نص في مفاضلة بعض أبنائه ولا في مفاضلة بناته بعضهن على بعض سوى فاطمة سوى ما تميزت به الذكور على الإناث، ولا بين باقي البنات سوى فاطمة مع الزوجات الطاهرات. انتهى.

وأطلق على عائشة كغيرها من أزواجه أم المؤمنين لقوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] : أي: في الإكرام، والاحترام، والتوقير، والإعظام، وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة والمسافرة، وتحريم نكاح بناتهن، وكذا النظر في الأصح وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين كما هو منصوص الشافعي في (( المختصر ) )، فهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم.

قال في (( الفتح ) ): وإنما قيل للواحدة منهن: أم المؤمنين للتغليب، لكن صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قالت أنا أم رجالكم لا أم نسائكم.

قال ابن كثير: وهذا أصح الوجهين، كذا في (( إرشاد الساري ) ).

وهل يقال للنبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين؟ الأصح: نعم، وممن نص على جوازه الشافعي رحمه الله تعالى، ويؤيده قراءة مجاهد قيل: وأبي أيضًا: «وهو أب لهم» . وأما قوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب:40] فالمراد: لصلبه وعلى الحقيقة، ومن ثم لم تحرم عليه زينب زوجة زيد الذي تبناه.

قال البيضاوي: ولا ينتقض عمومه بكونه عليه الصلاة والسلام أبا الطاهر والقاسم وإبراهيم؛ لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال ولو بلغوا كانوا رجاله لا رجالهم. انتهى.

وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه لا يقال: أبونا، وإنما يقال: هو كأبينا لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( إنما أنا لكم كالوالد ) )

(أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ) : ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو المخزومي. و (( الحارث ) ): يجوز أن يكتب بلا ألف تخفيفًا، كما في العيني خلافًا لما توهمه عبارة القسطلاني من أن ترك الألف ملتزم فيه تخفيفًا. وهو أخو أبي جهل لأبويه وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدرًا كافرًا، وانهزم وأسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين مائة من الإبل، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم، خرج هو وسهيل بن عمرو إلى الشام ليَستدرِكا ما فاتهما من سابقة الإسلام بالجهاد، فقاتل الكفار حتى استشهد باليرموك. وقيل: مات بطاعون عمواس.

وقال القسطلاني: استشهد في فتح الشام سنة خمس عشرة، وكان شريفًا في قومه، وكان له اثنان وثلاثون ولدًا منهم: عبد الرحمن والد أبي بكر أحد الفقهاء السبعة على قول، وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا وإلا الحارث بن هشام الجهني، روى عنه المصريون، ذكره ابن عبد البر.

وقال بعض الشارحين: هذا الحديث أدخله الحفاظ في سند عائشة دون (( الحارث ) )، وليس للحارث هذا في (( الصحيحين ) )رواية وإنما له رواية في (( سنن ابن ماجه ) )فقط، وعده ابن الجوزي في من روى من الصحابة حديثين، ومراده في غير (( الصحيحين ) )، وليس في الصحابة في (( الصحيحين ) )من اسمه الحارث غير الحارث ابن ربعي أبي قتادة على أحد الأقوال في اسمه، والحارث بن عوف أبي واقد الليثي وهما بكنيتهما

ج 1 ص 48

أشهر، وأما خارج (( الصحيح ) )فجماعات كثيرون فوق المائة وخمسين.

قلت: أدخله الإمام أحمد في مسند الحارث بن هشام؛ فإنه رواه عن عامر بن صالح، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث.

قال البدر الدماميني: وشهد بدرًا مع فئة المشركين وانهزم، وفيه يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

~إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام

~ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام

فقال:

~الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأشقر مربد

~وعلمت أني إن أقاتل واحدا أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي

~فصددت عنهم والأحبة فيهم طمعًا لهم بعقاب يوم مفسد

قال الأصمعي: لم أسمع في الاعتذار عن الفرار أحسن من هذا.

وفي (( القاموس ) ): الطمر: كفلزّ الفرس الجواد أو الطويل القوائم الخفيف أو المستعد للعدو، والمربد: اسم فاعل من الرُّبدة _ بالضم _ لون إلى الغبرة.

(سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : (( سأل ) ): يأتي بمعنى استخبر فيتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة:217] و {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء:85] ومفعوله الثاني هنا محذوف لدلالة ما بعده عليه تقديره: عن كيفية إتيان الوحي. وبمعنى استمنح فيتعدى إلى مفعولين صريحين كقولك: سألت زيدًا درهمًا فأعطانيه، وهذا بحسب ما شاع في الاستعمال لا بحسب أصل اللغة.

ففي (( القاموس ) ): سأله كذا وعن كذا وبكذا بمعنى، وأسأله سؤلته ومسألته: قضى حاجته. انتهى

(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) : من عطف المفصل على المجمل (كَيْفَ يَأْتِيْكَ الوَحْيُ؟) : يحتمل أن يكون السؤال عن صفة الوحي، أو عن صفة حامله، أو ما هو أعم من ذلك، وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز؛ لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله، كذا في (( الفتح ) ).

ومراده بالمجاز: المجاز العقلي على مذهب الجمهور، وعند السكاكي مثل هذا التركيب استعارة بالكناية لإنكاره المجاز العقلي كما هو مقرر في محله.

وفي (( عمدة القاري ) ): فيه مجاز عقلي وهو إسناد الإتيان إلى الوحي، كما في: أنبت الربيع البقل، وأصله: كيف يأتيك حامل الوحي؟ فأسند إلى الوحي للملابسة التي بين الحامل والمحمول. انتهى ملخصًا.

قال في (( فتح الباري ) ): واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يصلح لهذه الترجمة، وإنما المناسب لـ (( كيف كان بدء الوحي؟ ) )الذي بعده، وأما هذا فهو لكيفية إتيان الوحي لا لبدء الوحي. انتهى.

وقال الكرماني: لعل المراد منه: السؤال عن كيفية ابتداء الوحي، أو عن كيفية ظهور الوحي، فيوافق ترجمة الباب.

قلت: سياقه يشعر بخلاف ذلك لإتيانه بصيغة المستقبل دون الماضي، لكن يمكن أن يقال: إن المناسبة تظهر من الجواب؛ لأن فيه إشارة إلى انحصار صفة الوحي أو صفة حامله في الأمرين، فيشمل حالة الابتداء.

وأيضًا: فلا أثر للتقديم والتأخير هنا ولو لم تظهر المناسبة، فضلًا عن أنا قدمنا أنه أراد البداءة بالتحديث عن إمامي الحجاز، فبدأ بمكة ثم بالمدينة، وأيضًا: فلا يلزم أن تتعلق جميع أحاديث الباب ببدء الوحي، بل يكفي أن تتعلق بذلك وبما يتعلق به وبما يتعلق بالآية أيضًا، وذلك أن أحاديث الباب تتعلق بالترجمة وبما اشتملت عليه، ولما كان في الآية أن الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله ناسب تقديم ما يتعلق بها وهو صفة الوحي وصفة حامله إشارة إلى أن الوحي من الأنبياء لا تباين فيه، فحسن إيراد هذا الحديث عقب حديث: (( الأعمال ) )الذي تقدم التقدير بأن تعلقه بالآية الكريمة أقوى تعلق، والله أعلم. انتهى.

أقول: اعتراض الإسماعيلي هنا كاعتراض التيمي على البخاري بأنه لو قال: كيف كان الوحي لكان أحسن؛ لأنه تعرض فيه لبيان الوحي لا لبيان

ج 1 ص 49

كيفية بدء الوحي.

وقال الحافظ في الجواب عنه: وتعقب بأن المراد من بدء الوحي حاله مع كلما يتعلق بشأنه أيَّ تعلق كان. انتهى.

وتقدم الكلام فيه في شرح الترجمة.

(فَقَالَ) : بالفاء، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر:: بحذفها (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَحْيَانًَا) : جمع حين يطلق على كثير الوقت وقليله، والمراد به هنا: مجرد الوقت فكأنه قال: أوقاتًا يأتيني. وانتصابه على الظرفية والعامل فيه: يأتي مؤخرًا.

قال العيني: الحين: الوقت، يقع على القليل والكثير قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} [الإنسان:1] : أي: مدة منه.

قال الجوهري: الوقت والحين: المدة وفلان يفعل كذا أحيانًا وفي الأحايين والحاصل: أن الحين يطلق على لحظة من الزمان فما فوقها، وعند الفقهاء: الحين والزمان يقع على ستة أشهر، حتى لو حلف أنه لا يكلمه حينًا أو زمانًا أو الحين أو الزمان فهو على ستة أشهر. قالوا: لأن الحين قد يراد به الزمان القليل، وقد يراد به أربعون سنة قال الله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} : أي: أربعون سنة، وقد يراد به: ستة أشهر قال الله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم:25] .

قلت: هذا إذا لم ينو شيئًا، أما إذا ما نوى شيئًا فهو على ما نواه؛ لأنه حقيقة كلامه. انتهى.

وقال البدر الدماميني: ومذهبنا: أنه في الأيمان سنة، وهو مشكل، ولعله لعرف ثبت فيه عندهم وبتقديره فقد نقل. انتهى.

أي: بتقدير ثبوت ذلك العرف، فقد نقل عن معناه اللغوي إنما نقل تخصيص، ومذهب الحنابلة كمذهب الحنفية في أن الحين في الأيمان يقع على نصف سنة، وأما عند السادة الشافعية: فهو باق على معناه اللغوي فلو حلف لا يكلمه حينًا فكلمه ولو بعد سنة حنث.

(يَأْتِينِي) : أي: الوحي (مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ) : أي: يأتيني مشابهًا صوته صلصلة الجرس.

قال ابن كمال باشا: أي: صوت الوحي؛ فإنه من جنس الكلام والصوت: جنسه لا صوت الملك المبلغ؛ فإن المقام يأباه على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. انتهى.

وما وعد به هو قوله في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (( وأحيانًا يتمثل لي الملك ... إلخ ) )من هنا تبين أن ما أسند إليه الإتيان فيما سبق ليس هو الملك، بل ما بلغه من الكلام، والممثل بـ (( صلصلة الجرس ) ): الصوت الذي هو مادة الكلام، وذلك أنه لو كان المراد فيما سبق أن يقال: أحيانًا يأتيني الملك مثل صلصلة الجرس لكان حقه هنا أن يقول: وأحيانًا يأتيني متمثلًا. انتهى.

وهو كلام نفيس، إلا أن تعقل قيام الصوت بالكلام دون المتكلم في غاية الخفاء؛ إذ يلزم منه قيام العرض بالعرض، فليتأمل.

والصَّلصَلة: بفتحتين.

قال الزركشي: صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعد.

و (( الجرَس ) ): بفتح الراء هو الجلجل الذي يعلق في رأس الدواب.

وقال الكرماني: (( الجرس ) ): شبه ناقوس صغير، أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسًا على البعير فإذا تحركت النحاسة وأصابت السطل فيحصل صلصلة. والعامة تقول: جرص _ بالصاد _ وليس في كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصاد والجيم إلا الصجّ وهو القنديل، وأما الجصّ: فمعرب واشتقاقه من الجرس؛ أي: الصوت والحِسّ. انتهى.

والصلصلة المذكورة: صوت الملك بالوحي. وقيل: صوت حفيف أجنحته. والحكمة في تقدمه: أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه متسع لغيره.

والتشبيه في قوله: (( مثل صلصلة الجرس ) ): لإبراز المعقول الذي لم يسمعوه بالمحسوس الذي سمعوه.

قال ابن كمال باشا: والغرض من التمثيل: تصوير المعقول بصورة المحسوس، وتقرير المعنى المراد في النفس،

ج 1 ص 50

ولا يعارض العقل في المعاني المعقولة إلا الوهم لميله إلى الحس وامتناع إدراكه للمعاني الكلية، فإذا تمثل المعنى العقلي بصورة المحسوس أذعن له وانقاد. وقيل: المعنى المراد ولأمر ما كثر التمثيل في كلام البلغاء والحكماء والأنبياء، وفشا في الكتب الإلهية. انتهى.

وقوله: (( مثلَ ) ): منصوب على الحال من فاعل (( يأتيني ) ): أي: مماثلًا صوته صوت الجرس، أو على المصدرية صفة لمصدر محذوف؛ أي: يأتيني إتيانًا مثل صلصلة الجرس.

قيل: السؤال كان عن كيفية إتيان الوحي، والجواب عن كيفية حامله.

وأجيب: بأنا لا نسلم أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي بل عن كيفية حامله، ولئن سلمنا فبيان كيفية الحامل مشعر ببيان كيفية الوحي حيث قال: (( وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني ... إلخ ) ): أي: تارة يكون الوحي كالصلصلة وتارة يكون كلامًا صريحًا ظاهرًا للفهم.

قال العيني: قلت: بل نسلم أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي؛ لأنه قال: (( أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس ... إلخ ) )غاية ما في الباب أن الجواب عن السؤال وزيادة؛ لأن السائل سأل عن كيفية إتيان الوحي فبينه عليه الصلاة [والسلام] بقوله: (( أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس ... إلخ ) )، وبين حال حامله أيضًا بقوله: (( وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني ) )فزاده على الجواب؛ لأنه ربما أنه فهم من السائل أنه يعود ويسأل عن كيفية حامله أيضًا فأجابه عن ذلك قبل أن يحوجه إلى السؤال. انتهى

(وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ) : يفهم منه أن الوحي كله شديد، ولكن هذه الصفة أشد من غيرها وهو واضح؛ لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشد من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود.

والحكمة فيه: أن العادة جرت بالمناسبة بين السامع والقائل وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية، وهو النوع الثاني والأول أشد بلا شك، كذا في (( فتح الباري ) ).

وقال شيخ الإسلام البلقيني: سبب ذلك: أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به كما سيأتي في حديث ابن عباس: (( كان يعالج من التنزيل شدة ) )قال: وقال بعضهم: وإنما كان شديدًا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع. انتهى.

وقيل: إنما كان ينزل هكذا إذا كانت آية وعيد أو تهديد.

قال في (( الفتح ) ): وهذا فيه نظر، والظاهر: أنه لا يختص بالقرآن كما سيأتي بيانه في حديث يعلى ابن أمية في قصة لابس الجبة المتضمخ بالطيب في الحج؛ فإن فيه أنه رآه صلى الله عليه وسلم حال نزول الوحي وأنه ليغط. وفائدة هذه الشدة: ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى والدرجات.

وقال بعضهم: وقد تبين لنا من الحديث أن الوحي كان يأتيه على صفتين:

الأولى: بتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عالم القدس، وانسلاخه من عالم البشرية، ودخوله في عالم الملكوت، وسماعه هناك ثم رجوعه إلى هذا العالم حاضرًا في قوله تلك المعاني، وفي ذهنه تلك الألفاظ.

والثانية: بتشكل الملك بتشكل البشر ونزوله به عليه وكانت هذه أيسر. انتهى.

ورده ابن كمال باشا: بأن سياق الحديث وسياقه يدلان على أن الصفتين المذكورتين كلاهما في الوحي بواسطة الملك. انتهى.

وكأنه فهم من قول هذا القائل: ودخوله في عالم الملكوت، وسماعه هناك ... إلخ أن ذلك بغير واسطة الملك وهو غير لازم؛ إذ يجوز أن يكون ذلك السماع من الملك كما لا يخفى، وليس في كلامه شيء يمنع ذلك فليتأمل.

ج 1 ص 51

وقال ابن كمال باشا: في بيان سر قوله صلى الله عليه وسلم (( وهو أشده علي ) )أخذًا من العيني وغيره: ولك أن تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مُعْتنيًا بالبلاغ، وكان يوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد، فإذا أراد أن ينبههم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا بما يشاهدونه ما لم يشاهدوه، فضرب لهذا في الشاهد مثلًا بالصوت المتدارك الذي يسمع، ولا يفهم منه شيء تنبيهًا على أن إنباءه ترد على القلب في أبّهة الكبرياء فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك، فإذا سري عنه وجد القول المنزل بينًا ملقى في الروع واقعًا موقع المسموع. انتهى.

وقريب منه قول الطيبي: لا يبعد أن يكون هناك صوت على الحقيقة متضمن للمعاني مدهش للنفس لعدم مناسبتها إياه، ولكن القلب للمناسبة يشرب معناه، فإذا سكن الصوت أفاقت النفس، فحينئذ تتلقى النفس من القلب ما ألقي إليه فيعي على أن العلم بكيفية ذلك من الأسرار التي لا يدركها العقل.

وفي (( شرح مسلم ) )للقاضي عياض: إن ما جاء من مثل ذلك مجرى على ظاهره، وكيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله سبحانه، ومن أطلعه الله على شيء من ذلك من ملائكته ورسله، وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان؛ إذ جاءت به الشريعة ودلائل العقول لا تحيله. انتهى

(فَيَفْصِم) : بفتح أوله وسكون الفاء وكسر الصاد المهملة في رواية أبي الوقت.

قال في (( المصابيح ) ): وهي أصح الروايات. وفي رواية أبي ذر: بالبناء للمفعول، وهي محتملة لأن تكون من فصم الثلاثي المجرد، أو من أفصم المزيد فيه ونائب الفاعل قوله: (عَنِّي) : على ما قاله الكرماني.

قال البرماوي: وفيه نظر لإمكان أن النائب ضمير يعود لما سبق. انتهى.

ومراده بما سبق: لفظ الوحي، ويروى بالبناء للفاعل من المزيد يقال: أفصم المطر: أقلع وهي لغة قليلة، كما في (( التوضيح ) ): أي: فيقلع وينجلي ما يغشاني من الشدة.

قال في (( الفتح ) ): وأصل الفصم: القطع، ومنه قوله تعالى: {لاَ انفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256] . وقيل: الفصم _ بالفاء _ القطع بلا إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، فذكر الفصم _ بالفاء _ إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما: بقاء العلقة. انتهى.

وفي (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري: شبه كرب الوحي بالحمى إذا فصمت؛ أي: أقلعت عن المحموم ويقال: أفصم المطر؛ أي: أقلع. وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعَانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير ) ). انتهى.

ومعنى: (( فزع عن قلوبهم ) ): أزيل عنها الفزع بعد اللتيا والتي

(وَقَدْ وَعَيْتُ) : بفتح العين؛ أي: حفظت وفهمت وجمعت جملة وقعت حالًا من الضمير المجرور بعن لا من الضمير المستتر في يفصم كما توهم، يقال: وعيت العلم وأوعيته.

قال ابن القطاع: وأوعيت العلم مثل وعيته.

وقال صاحب (( الأفعال ) ): وعيت العلم: حفظته، ووعت الأذن: سمعت وأوعيت المتاع: جمعته في الوعاء وقوله تعالى: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} [الانشقاق:23] : أي: بما يضمرون في قلوبهم من التكذيب، وقال الزجاج: بما يحملون في قلوبهم، فهذا من أوعيت المتاع.

(عَنْهُ مَا قَالَ) : كل من الضميرين المجرور والمرفوع يعود على الملك المفهوم مما تقدم؛ أي: القول الذي قاله، فالعائد محذوف و (( ما ) ): موصول اسمي، أو قوله فما موصول حرفي فلا تحتاج إلى عائد، ويحتمل على بعد أن يكون كل من الضميرين عائدًا على الوحي على أن يكون الإسناد في (( قال ) )مجازيًا.

قال في (( الفتح ) ): وفيه: إسناد الوحي إلى قول الملك، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية لقول الكفار: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر:25] : لأنهم كانوا ينكرون الوحي، ومجيء الملك به. انتهى.

أي: ينكرون الوحي إليه صلى الله عليه وسلم، ومجيء الملك به إليه لا مطلق الوحي؛ لأنهم معترفون بنبوة إبراهيم. ويحتمل أن يكون قولهم ذلك إنكارًا لمطلق الوحي بناء على زعمهم أن البشرية منافية للرسالة، فليتأمل.

وفي (( إرشاد الساري ) ): فإن قلت: صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه كما في مسلم وأبي داود وغيرهما فكيف شبه به ما يفعله الملك معه مع أن الملائكة تنفر عنه؟

أجيب: بأنه لا يلزم من التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، والمقصود هنا: بيان الجنس فذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبًا لأفهامهم.

والحاصل: أن الصوت

ج 1 ص 52

له جهتان: جهة قوة، وجهة طنين، فمن حيث القوة وقع التشبيه به، ومن حيث الطنين وقع التنفير عنه. وقد روى الطبراني وابن أبي عاصم من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: (( إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة أو رعدة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، كلما مر بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي حيث أمره الله من السماء والأرض ) ).

وروى ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعًا: (( إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماء صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان فيفزعون ) ).

وعن ابن أبي حاتم عن العوفي عن ابن عباس وقتادة أنهما فسرا آية: {إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} [سبأ:23] بابتداء إيحاء الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى.

وفي كتاب (( العظمة ) )لأبي الشيخ عن وهيب بن الورد قال: (( بلغني أن أقرب الخلق من الله تعالى إسرافيل، العرش على كاهله، فإذا نزل الوحي دلي لوح من تحت العرش فيقرع جبهة إسرافيل فينظر فيه فيدعو جبريل فيرسله، فإذا كان يوم القيامة أتى به ترعد فرائصه فيقال: ما صنعت فيما أدي إليك اللوح؟ فيقول: بلغت جبريل، فيدعى جبريل ترعد فرائصه فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرسل الأثر ... إلخ ) ).

على أن العلم بكيفية الوحي سر من الأسرار التي لا يدركها العقل، وسماع الملك وغيره من الله تعالى ليس بحرف ولا صوت، بل يخلق الله تعالى للسامع علمًا ضروريًا، فكما أن كلامه تعالى ليس من جنس كلام البشر فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات. وإنما كان هذا الضرب من الوحي أشد على النبي صلى الله عليه وسلم من غيره؛ لأنه كان يرد فيه من الطبائع البشرية إلى الأوضاع الملكية فيوحي إليه كما يوحي إلى الملائكة، كما ذكر في حديث أبي هريرة وغيره. انتهى.

وقد تقدم أن ابن كمال باشا ناقش في كون هذا القسم بغير واسطة الملك

(وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ) : أي: يتصور ويتشكل.

قال ابن كمال باشا: والمراد من التمثل: التصور بصورة مثالية، وصيغة التفعّل ليست للتكلف كما توهم؛ لأنه بصنع الله لا بصنع الملك، وصنع الله تعالى من التكلف بَرَاء. انتهى.

ويؤيده: أن مجيء هذا الباب للمطاوعة أكثر من مجيئه للتكلف نحو: علمته فتعلم، وكسرته فتكسر، وهو مشتق من المثل.

واللام في قوله: (لِيَ) : تتعلق بـ (( يتمثل ) ): لأنه يتعدى بها.

ففي (( الصحاح ) ): مثلت له كذا تمثيلًا: إذا صورت له مثاله بالكتابة وغيرها. انتهى.

وقال العيني: اللام للتعليل، ويجوز أن تكون بمعنى عند كقولك: كتبته لخمس خلون. انتهى.

واللام في قوله: (المَلَكُ) : للعهد وهو جبريل.

قال في (( فتح الباري ) ): وقد وقع التصريح به في رواية ابن سعد المقدم ذكرها. وفيه دليل على أن الملك يتشكل بتشكل البشر. قال المتكلمون: إن الملائكة أجسام علوية لطيفة يتشكلون أي شكل أرادوا. وزعم الفلاسفة أنها جواهر روحانية. انتهى.

وبقوله: وقد وقع التصريح به اندفع ما أورده العيني بقوله: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد بالملك إسرافيل؛ لأنه قرن بنبوته ثلاث سنين فإن عورض بأن إسرافيل لم ينزل بالقرآن قط وإنما كان ينزل بالكلمة من الوحي؟

أجيب: بأنه لم يذكر هنا شيء من نزول القرآن، وإنما الملك الذي نزل بالقرآن هو المذكور في الحديث الآتي حيث قال: فجاءه الملك فقال له: (( اقرأ ) )... الحديث.

قال: ولقد حضرت يومًا مجلس حديث بالقاهرة مشحون بالفضلاء، فقرأ القارئ: فجاءه الملك فقال له: (( اقرأ ) )، فسألتهم عن الملك من هو؟ فقالوا: جبريل، فقلت: ما الدليل على ذلك من النقل؟ فقال واحد منهم: لا نعلم ملكًا نزل عليه عليه السلام غير جبريل، قلت: قد نزل عليه إسرافيل ثلاث سنين كما رواه أحمد في (( مسنده ) ).

فعند ذلك قال: قال الله عز وجل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء:193] وهو لقب جبريل، قلت: قد سمي بالروح غير جبريل قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} [النبأ:38] ، فعن ابن عباس: هو ملك من أعظم الملائكة خلقًا، فأفحم عند ذلك.

فقلت: جبريل قد عبر عنه بصفة الأمانة؛ لأن الله تعالى سماه أمينًا وسمى ذلك الملك روحًا فقط، فقال: من أين علمنا أن المراد من {الرُّوحُ الْأَمِينُ} هو جبريل؟ قلت: بتفسير المفسرين من الصحابة والتابعين وتفسيرهم محمول على السماع؛ لأن العقل لا مجال له فيه، إلى آخر ما أطال به. انتهى ملخصًا.

وقال ابن كمال باشا: قد علمنا بهذا الحديث، وبما ورد في معناه من الأخبار الصحيحة التي ينقطع العدد دونها لحصول التواتر فيها أو في جنسها أن جبريل عليه السلام كان يتمثل بشرًا، وتلك الهيئة لم تكن مختصة به لما ثبت من نزول الملائكة يوم بدر، ويوم حنين، وفي غزوة الخندق، وغزوة بني قريظة للنصرة متمثلين في

ج 1 ص 53

صورة الرجال، وقد شهد التنزيل بأن الملك يتمثل بشرًا قال تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17] . وهل لعموم الملائكة التجلي في صورة البشر أم لا؟ فسبيل ذلك التوقيف؛ لأن الوقوف على أمثال ذلك لا يحصل إلا من طريق النبي صلى الله عليه وسلم، ومقولات أبناء الصدور في هذه المسألة بمعزل عن ذلك.

قال الإمام التوربشتي: ومذهب أهل الحق: أن الملك إذا تجلى في صورة بشر فذلك بأمر الله تعالى وتكوينه لا بقوة الملك وتصرفه في ذاته وقدرته على ذلك واختياره له؛ فإنه مقدور مقهور لا يقدر على شيء من ذلك، والله القادر على كل شيء. انتهى.

و (( الملك ) ): أصله مَلْأك بزنة مفْعَل بالهمزة بعد اللام الساكنة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وأصل ملْأك مألك _ بتقديم الهمزة على اللام _ من الألوكة وهي الرسالة، فقلب قلبًا مكانيًا بأن قدمت اللام على الهمزة، ثم خفف بحذف الهمزة، فإذا جمع ردت إليه الهمزة وجمع على مفاعل.

قال الزمخشري: الملائكة: جمع مَلْأك على الأصل كالشمائل جمع شمأل، وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. انتهى.

وقال في (( الصحاح ) ): الملك: من الملائكة واحد جمع، وأصله: مألك _ بتقديم الهمزة _ من الألوكة، وهي الرسالة، ثم قلب وقدمت اللام فقيل: ملاك، وأنشد أبو عبيد لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك:

~فلست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب

ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال، فقيل: ملك، فلما جمعوه ردوها إليه فقالوا ملائكة وملائك أيضًا. انتهى.

فكلام صاحب (( الصحاح ) )صريح في أن الميم فيه زائدة، وكلام الزمخشري يوهم أنها أصلية حيث جعله نظير شمائل وهو قول لبعض أهل التصريف.

قال في (( المصابيح ) )بعد أن ذكر أن اشتقاقه من الألوكة بمعنى الرسالة: وبعضهم يرى أن الهمزة زائدة، وأن اشتقاقه من ملك لما فيه من معنى الشدة والقوة كما في الملك والمالك وملكت العجين: شددت عجينه. انتهى

(رَجُلًَا) : ولأبي الوقت: .

قال في (( فتح الباري ) ): و (( رجلًا ) ): منصوب بالمصدرية؛ أي: يتمثل تمثل رجل أو بالتمييز أو بالحال والتقدير: هيئة رجل.

وقال في (( المصابيح ) ): قال جماعة من الشارحين: (( رجلًا ) ): تمييز.

قلت: الظاهر: أنهم أرادوا تمييز النسبة لا تمييز المفرد؛ إذ الملك لا إبهام فيه.

فإن قلت: وتمييز النسبة لابد أن يكون محولًا عن الفاعل كتصبب زيد عرقًا؛ أي: عرق زيد، أو المفعول نحو: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} [القمر:12] : أي: عيون الأرض وذلك هنا غير متأت.

قلت: هذا أمر غالب لا دائم بدليل امتلاء الإناء ماء.

قال الزركشي: وقال ابن السيد: حال موطئة على تأويل الجامد بالمشتق؛ أي: مرئيًّا محسوسًا.

قلت: آخر الكلام يدفع أوله، وصرح بعضهم بأنه حال، ولم يأوله بمشتق وهو متجه لدلالة (( رجل ) )هنا على الهيئة بدون تأويل، ولو قيل: بأن (( يتمثل ) ): أجري هنا مجرى يصير لدلاته على التحول والانتقال من حالة إلى أخرى، فيكون (( رجلًا ) ): خبرًا كما ذهب إليه ابن مالك في تحول وأخواته لكان وجهًا. لكن قد يقال: إن معنى (( يتمثل ) ): يصير مثالًا، ومع التصريح بذلك يمتنع أن يكون (( رجلًا ) )خبرًا له فتأمله. انتهى.

وقوله في توجيه ابن السيد: قلت: آخر الكلام يدفع أوله؛ أي: لأن الحال الموطئة لا تؤول بمشتق لإغناء صفتها عن ذلك كما في قوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17] ، ولو قال ابن السيد: حال موطئة حذفت صفتها، والتقدير: فيتمثل لي الملك رجلًا مرئيًا لما ورد عليه ذلك الرد، فليتأمل.

ج 1 ص 54

وقال ابن كمال باشا: (( رجلًا ) ): منصوب بالمفعولية بتضمين معنى يصير، فالمعنى: يصير الملك رجلًا متمثلًا لا منقلبًا عن حقيقة الملك إلى حقيقة الرجل. ومن ذهب إلى تضمينه معنى اتخذ وقال: أي: اتخذ الملك رجلًا مثالًا فقد أبعد. انتهى.

ومراده بمن ذهب: الكرماني.

ثم قال: ويجوز نصبه بالحالية؛ فإن الاشتقاق في الحال ليس بشرط، وكذا الدلالة لفظًا على الهيئة، بل يكفي أن يقوم بفائدة بيان الهيئة فاندفع ما قيل: الحال لابد وأن تكون دالة على الهيئة والرجل ليس بهيئة.

وأجيب: بأن معناه: على هيئة رجل، ونظيره قمرًا في قول المتنبي:

~بدت قمرًا ومالت خوط بان

قال الرضي: ومن الأحوال التي جاءت غير مشتقة قياسًا ما يقصد به التشبيه، وأورد في جملة الأمثلة القول المذكور للمتنبي، وعلى تقدير الحالية لابد من تأويل التقدير كما في قوله تعالى: {ادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73] : لأن من شرط الحال أن يكون حالًا عند صدور الفعل، ونصبه بالمصدرية يحتاج إلى تقدير لفظ؛ إذ حينئذ يكون أصل الكلام: يتمثل تمثل رجل، والتقدير خلاف الأصل فلا يعرج عليه بلا ضرورة، ولا ضرورة هنا لما عرفت من صحة التركيب على وجه آخر.

وتجويز نصبه بالتمييز من قلة التمييز؛ لأنه حينئذ يكون المعنى: يتمثل رجل هو الملك كما قيل: إن المعنى في كفى زيد رجلًا: كفى رجل هو زيد، والمعنى المذكور لا يناسب المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام. انتهى.

قوله: لأن المعنى حينئذ يتمثل رجل هو الملك مبني على أنه يشترط في تمييز النسبة أن يكون محولًا عن فاعل أو مفعول، وقد تقدم عن الدماميني أنه أكثري لا كلي.

وإذا تمثل الملك رجلًا فهل يفنى الزائد من خلقه أو يزال عنه من غير فناء، ثم يعود بعد التبليغ كما كان أولًا؟ احتمالان نبه عليهما إمام الحرمين.

قال في (( الفتح ) ): وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبًا لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حيًا؛ لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلًا بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره: انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر تسرح في الجنة.

قال شيخ الإسلام البلقيني: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثال ذلك: القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشًا فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب.

والحق: أن تمثل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أيضًا: أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط، والله أعلم. انتهى.

وفي حديث الباب: دليل على إثبات الملائكة، والرد على من أنكرهم من الملاحدة والفلاسفة، وعلى جواز تصورهم بصورة البشر كما تقدم؛ لأنهم أجسام علوية لطيفة تتشكل بأي شكل أرادت، وهذا قول أكثر المسلمين، كما قاله العيني.

وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية، وعبارته: قالت الفلاسفة: الملائكة: جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة، فمنهم من هو مستغرق في معرفة الله تعالى وهم الملائكة المقربون، ومنهم مدبرات هذا العالم فإن كانت خيرات فهي الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهم الشياطين.

وظاهر كلامهم: أن تشكلهم منوط بإرادتهم لكن قال السيوطي في (( الحبائك ) ): قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: لا قدرة للجن على تغيير خلقهم والنتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلمهم الله تعالى كلمات وضروبًا من الأفعال إذا فعله الجني وتكلم به نقله الله

ج 1 ص 55

من صورة إلى صورة بجري العادة، فإما أن يصور نفسه فذاك محال؛ لأن انتقاله عن صورة إلى صورة إنما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء، وإذا انتقلت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل من الجملة فكيف تنقل نفسها؟

قال قال: والقول في تشكل الملائكة مثل ذلك، والذي روي أن إبليس تصور في صورة سراقة، وأن جبريل تصور في صورة دحية فهو محمول على ما ذكرنا، وهو أن الله تعالى أقدره على قول قاله، فنقله من صورته إلى صورة أخرى. انتهى.

وقال العلاء القونوي في تشكل جبريل رجلًا: من الممكن أن يخص الله تعالى بعض عباده بخاصية لنفسه الملكية القدسية بقدرتها على التصرف في بدنها الآخر غير بدنها المعروف مع استمرار تصرفها في الأول، ومنه الأبدال؛ لأنهم قد يخلفون في مكانهم الأول شيخًا آخر شبيهًا بشيخهم الأصلي بدلًا عنه. وقد أثبت الصوفية عالم المثال وهو عالم بين عالم الأجساد وعالم الأرواح، وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صورة مختلفة من عالم المثال، وقد يستأنس له بقوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17] فتكون الروح الواحدة كروح جبريل مثلًا في وقت مدبرة شبحه الأصلي ولهذا الشبح المثالي، ومن أحال ذلك فقد غلط.

قال بعضهم: إنما وقع الغلط من قياس الغائب على الشاهد، فيظن أن الروح مثل الجسد إذا شغلت مكانًا لا تكون في غيره وهذا غلط، ألا ترى أن الروح قد تكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة ببدن الميت بحيث لو سلم عليه رد السلام وهي في مكانها؟

وقال ابن عطاء الله: روي أن لله ملكًا يملأ ثلث الكون، وملكًا يملأ ثلثيه، وملكًا يملأ الكون كله قال: فإذا كان هذا يملأ الكون فأين الملكان الآخران؟

وأجاب: بأن اللطائف لا تزاحم الكنائف كالسراج في بيت فإن نوره يملؤه، فإذا دخل سراج ثان أو أكثر فلا تزاحم. انتهى.

وقال العلامة عبد الرؤوف المناوي في (( شرحه الكبير على الجامع الصغير ) ): سمي الأبدال أبدالًا؛ لأنهم قد يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم الأول شبحًا آخر يشبههم، وإذا جاز في الجن أن يتشكلوا في صور مختلفة فالملائكة والأولياء أول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت